يصحُّ وقوفُ الإمامِ وسْطَ المأمومينَ، والسُّنةُ وقوفُهُ متقدمًا عليهم (^١).
= منه: أنهما لو لم يتساويا في الاسم كظهر خلف عصر فلا يصح للاختلاف على الإمام؛ لأن الاختلاف في الصفة كالاختلاف في الوصف قاله في الكشاف، ويستثنى: الظهر خلف الجمعة إذا أدركه المسبوق بعد رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية وقبل السلام إذا نوى الظهر، فتصح الظهر.
(^١) فيجوز أن يقف الإمامُ وسْط المأمومين، لكن السُّنة أن يقف متقدمًا عليهم، ويُستثنى من ذلك مسألتان: ١ - إمام العراة يجب أن يكون وسْطهم، ولا يجوز أن يتقدم عليهم إلا إذا كانوا في ظلمة أو عميانا، ٢ - والمرأة إذا أمَّت نساءً، فيُسن أن تقف وسْطهنَّ، ولا يُسن لها أن تتقدم عليهنَّ. ٣ - إمامة المرأة والخنثى القارئين للرجال الأميين في صلاة التراويح فيقفان خلفهم .. إن كان هذا هو المذهب.
(تتمة) الاعتبار في التقدم والتأخر بين الإمام والمأموم: بمؤخر القدم - وهو العقب -، فلا يصح أن يتقدم عقبُ المأمومِ على عقب الإمام ولو لم تجاوز أصابعُ المأموم أصابعَ الإمام قال في الإقناع وشرحه: (وإن تقدم عقبُ المأموم عقبَ الإمامِ مع تأخرِ أصابعِه) أي المأموم عن أصابعِ الإمام =
[ ١ / ٣١٧ ]
ويقفُ الرَّجلُ الواحدُ عن يمينِهِ محاذيًا له (^١).
ولا تصحُّ: خلفَهُ (^٢)، ولا عن يسارِهِ مع خُلوِّ يمينِهِ (^٣).
= (لم تصح) صلاةُ المأموم، لتقدمه على إمامه اعتبارًا بالعقب)، وأما تأخر عقب المأموم عن عقب الإمام فيصح إلا إذا بان عدم مصافته لإمامه كما قرره البهوتي في الكشاف وغيره، وقد نص الشيخ مرعي في الغاية والشيخ منصور - نقلًا عن المبدِع - أنه يُسن أن يتخلَّف ويتأخر المأمومُ عن الإمام قليلًا خوفًا من التقدم عليه.
وما تقدم إنما هو في حق من ابتدأ الصلاة قائما، فإن صلى قاعدا فالاعتبار بالألية، قال في الإقناع وشرحه: (فإن صلى قاعدا فالاعتبار بمحل القعود)؛ لأنه محل استقراره (وهو الألية، حتى لو مد) المأموم (رجليه وقدمهما على الإمام لم يضر) لعدم اعتماده عليها، قلت: فإن كان أحدهما قائما والآخر قاعدا فلكل حكمه فلا يقدم القائم عقبه على مؤخر ألية الجالس). قلت: فإن صلى قائما، ويجلس في السجود على الكرسي فكيف الاعتبار؟
(^١) أي: مسامتًا، ومساويًا لإمامه. وتقدم أنه يُندب أن يتخلف المأمومُ عن إمامه قليلًا، لئلا يتقدم عقبُه عقبَ الإمام، فتبطل صلاته إذَن.
(^٢) فلا تصح صلاة المأموم وحده خلف الإمام، إلا إذا كان المأموم امرأة، وسيأتي.
(^٣) لأن ابن عباس، وجابرًا ﵃ لما وقفا عن يسار النبي ﷺ أدارهما خلف ظهره، وجعلهما عن يمينه متفق عليه، والرواية الثانية: يصح وقوفه عن يساره مع خلو يمينه، اختارها أبو محمد الموفَّق، =
[ ١ / ٣١٨ ]
وتقفُ المرأةُ خلفَهُ (^١).
وإن صلى الرجلُّ ركعةً خلفَ الصَّفِّ منفردًا، فصلاتُهُ باطلةٌ (^٢).
وإن أمكنَ المأمومَ الاقتداءُ بإمامِهِ - ولو كان بينهما فوقَ ثلاثِ مائةِ ذراعٍ -، صحَّ، إن رأى الإمامَ، أو رأى من وراءَهُ (^٣).
= وقال في الفروع: (وهي أظهر) ذكره البهوتي في الكشاف.
(^١) أي: خلف الإمام ندبًا إن كان رجلًا، وأما إن كان الإمام امرأةً، فتقف عن يمينها.
(^٢) فإذا صلى فذًا ركعة، فصلاته باطلة. والدليل قوله ﷺ: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» رواه الإمام أحمد وغيره، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ورأى النبي ﷺ رجلًا يُصلي خلف الصف، فأمره بإعادة الصلاة. رواه أحمد والترمذي وحسنه، ويستثنى من ذلك: لو صلى المأموم الركعة الأولى مع الإمام في الجمعة، ثم حصل زحام في الركعة الثانية حتى تزحزح عن مكانه، وصار منفردًا خلف الصف، وبقي فذًا، فإنه ينوي مفارقة الإمام للعذر، ويتم صلاته جمعةً وتصح منه، ذكره في الإقناع.
(^٣) الذراع: نصف متر تقريبًا، فتكون ثلاثُ مئة ذراع: مئة وخمسين مترًا تقريبًا، فمتى كان الإمام في المسجد، والمأموم خارجه وأمكن اقتداء ومتابعة المأموم لإمامه - ولو كان بينهما فوق ثلاث مئة ذراع -، صح فلا يشترط اتصال الصفوف إلا إذا كان بينهما طريق كما سيأتي، بشرط أن يرى الإمام أو يرى من خلفه، ولو في بعض الصلاة، كأن يراهم حال القيام فقط. =
[ ١ / ٣١٩ ]
وإن كان الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ، لم تشترطِ الرؤيةُ، وكفى سماعُ التكبيرِ (^١).
= وقد نبهت في الحواشي السابغات أنه يشترط أن يرى من خارج المسجد مَنْ وراء الإمام ولو كانوا خارج المسجد، ثم وجدت في حاشية هداية الراغب (١/ ٤١٧) كلاما للشيخ محمد السفاريني ﵀ يؤيد ما ذكرتُه في الحواشي السابغات، قال العلامة السفاريني ﵀: (قوله: (أو رأى من وراءه …) إلخ: صادق بما إذا اقتدى بمن اقتدى بمن وراء الإمام، فلا يشترط لصحة الاقتداء كون من وراء الإمام يرى الإمام، بل لو رأى من وراء الإمام - مثلا - صحت صلاة من اقتدى به ايضا؛ لأن مناط الحكم: إمكان الاقتداء بالرؤية، فحيث أمكن برؤية الإمام، أو رؤية من وراءه، أو رؤية من رأى من رأه، وهكذا؛ صحت، والله أعلم).
(تتمة) وهل تشترط الرؤية الحقيقية؟ أم يكفي إمكان الرؤية؟
ذهب الشيخ منصور في الكشاف -استظهارا- أنه يكفي إمكان الرؤية، فلو كان هناك مانع من نحو ظلمة أو عمى أجزأ وصح الاقتداء، ومثله جزم في الغاية، وتعقب النجدي البهوتي بأنه لابد من الرؤية الحقيقية بالفعل.
(^١) فإن كان الإمام والمأموم في المسجد، لم تشترط الرؤية، وكفى سماعُ التكبير، سواءً سمعه من الإمام، أو من أحد المأمومين كما قاله اللبدي، وهل سماع التكبير شرط لو كان الإمام والمأموم في المسجد أم تكفي الرؤية وحدها؟ قال ابن بلبان في الأخصر: (وإذا جمعهما مسجد صحت القدوة =
[ ١ / ٣٢٠ ]
وإن كان بينهما نَهْرٌ تجري فيه السُّفنُ، أو طريقٌ، لم تصحَّ (^١).
وكُرهَ علوُّ الإمامِ عن المأمومِ، لا عكسُهُ (^٢).
= مطلقًا بشرط العلم بانتقالات الإمام)، وفي كافي المبتدي: (مع إمكان المتابعة)، فالظاهر أن الرؤية تكفي، كما يفهم أيضًا من كلام الإقناع وشرحه حيث قال: (إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه، وكانا في المسجد صحت) … (وكذا إن لم ير) المأموم (أحدهما) أي: الإمام أو من وراءه (إن سمع التكبير)؛ لأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير أشبه المشاهدة (وإلا) أي وإن لم يسمع التكبير ولم يره ولا بعض من وراءه (فلا) تصح صلاة المأموم، لعدم تمكنه من الاقتداء بإمامه).
وإن كان صاحب كشف المخدرات قيّد كلام ابن بلبان بسماع التكبير.
(^١) أي: إذا فصل بين الإمام والمأموم نهر، لم يصح الاقتداء، بشرط كون النهر مما تجري فيه السفن، فإن لم تجر فيه السفن فيصح الاقتداء كما في شرح المنتهى، وكذا لو فصل بين الإمام والمأموم طريق ولم تتصل الصفوف عرفا بين الإمام والمأموم لم تصح، وإن كانت الصلاة مما يصح فعلها في الطريق كالجمعة والعيد للضرورة، واتصلت الصفوف صحت، وإن كانت الصلاة لا تصح في الطريق كالصلوات الخمس فلا تصح ولو اتصلت الصفوف.
(^٢) إنما يكره علو الإمام عن المأموم إن كان ذراعًا فأكثر، كما في الإقناع، أما لو كان يسيرًا مما دون ذراع، فإنه لا يكره، وكذا =
[ ١ / ٣٢١ ]
وكُرهَ لمن أكلَ بصلًا، أو فُجلًا، ونحوَهُ، حضورُ المسجدِ (^١).
= لو كان مع الإمام أحد مساو له أو أعلى منه فتزول الكراهة كما في المغني، وأما علو المأموم عن الإمام - ولو كان كثيرًا -، فلا يكره، كما لو كان الإمام يصلي على الأرض، والمأموم على السطح.
(^١) فيكره ولو لم يكن بالمسجد أحدٌ، بل يكره حضوره أي جماعة ولو في غير مسجد، سواء لصلاة، أو عرس، أو غير ذلك حتى يذهب ريحه، وقوله (ونحوه): كثوم. قال في الإقناع: (وكذا جزاَّر له رائحة منتنة، ومن له صُنانٌ)، وقال الشيخ منصور عندها: (وزيات ونحوه من كلِّ ذي رائحةٍ منتنة؛ لأن العلة الأذى). والتدخين في عصرنا مما يتأذى به الناس أيضًا، وجزم به الصالحي في مسلك الراغب (١/ ٣٧٠)، قال: قلت: (وكذا شرب دخان).
قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: (وهل مثله شارب الدخان؟) قال محقق الحاشية: وفي حواشي شرح المنتهى من تقريرات الشيخ أبي بطين وبعض تلاميذه ما نصه: قلت: نعم، وأولى بالكراهة بل حرمه بعض العلماء منهم الشيخ ابن عضيب والشيخ داود رحمهما الله. انتهى، قلت: قال الخلوتي في الأطعمة في حاشيته على المنتهى عن الدخان: (فإن أضر شاربَه، حَرُم إجماعًا)، قلت: وقد استفاض ضرره عند أهل الطب وغيرهم فهو محرم. والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٢ ]