يحرمُ الكلامُ والإمامُ يخطبُ، وهو منه بحيثُ يسمعُهُ (^١)،
(^١) فيحرم الكلام حال الخطبة؛ للأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك، منها قوله ﷺ: «مَثَل الذي يتكلم والإمام يخطب، كمثل الحمار يحمل أسفارًا»، وقوله ﷺ: «إذا قلت لصاحبك أنصتْ يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوتَ» متفق عليه، ويقيد ذلك بكون المأموم في مكان يستطيع أن يسمع فيه الإمامَ - وإن لم يسمعه في الواقع، كأن يكون أطرش أو ضعيف السمع -، وإلا لم يحرم، ويستحب لمن بعُد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقرآن، والذكر، والصلاة والسلام على النبي ﷺ خِفية، كما ذكر الشارح. وإشارة الأخرس هنا كالكلام - خلافًا لإشارته في الصلاة -، فتحرم، وكذا تحرم الكتابة حال الخطبة فيما يظهر.
(تتمة) ومما يستثنى على المذهب من تحريم الكلام: ١ - الإمام نفسه فلا يحرم عليه أن يتكلم ويكلم أحد المأمومين، ٢ - ومن يكلمه الإمامُ لمصلحة، فيجوز إذَن للمخاطَب أن يردَّ كما في حديث سليك ﵁ لما كلمه النبي ﷺ رد عليه رواه مسلم، ويجوز أن يبتدأ المأمومُ الخطيبَ بالكلام كما في حديث أنس ﵁ أن العباس بن مرداس ﵁ سأل النبي ﷺ الاستسقاء. متفق عليه ٣ - والكلام =
[ ١ / ٣٦٤ ]
ويباحُ إذا سكتَ بينهما، أو شرعَ في دعاءٍ (^١).
وتحرُمُ إقامةُ الجمعةُ، وإقامةُ العيدِ في أكثرَ من موضعٍ من البلدِ، إلا لحاجةٍ (^٢) كضِيقٍ، وبُعدٍ، وخوفِ فتنةٍ (^٣)، فإن تعددَتْ لغيرِ ذلكَ، فالسابقةُ بالإحرامِ هي الصحيحةُ (^٤).
= لتحذير ضرير، وغافل عن هلكة، فيجب الكلام إذن. ٤ - وله الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعه، ويسن سرا كما في المنتهى والغاية، وتأمين المأموم على الدعاء سرا، وحمده خفية إذا عطس، وتشميت عاطس، ورد سلام نطقًا كما في الإقناع.
(^١) فتحريم الكلام إنما هو أثناء أركان الخطبة؛ لأن الدعاء غير واجب فلا يجب الإنصات له، ولا يحرم الكلام في غير أركان الخطبة كحال سكوت الإمام بين الخطبتين.
(^٢) فإن لم توجد حاجة، حرم إقامة جمعة وصلاة عيد أخرى، ولا تصح، وقد ذُكر أنه كان لا يقام في بغداد في زمن الإمام أحمد إلا جمعة واحدة.
(^٣) أي: كضيق مسجد عن أهله، وتباعد أقطار البلد، وخوف فتنة كنزاع بين قبيلتين لا يمكن اجتماعهما في مسجد واحد، والذي يقدِّر الحاجة المبيحة للتعدد هو الإمام الأعظم. فلا يشترط - على المذهب - إذْنُ الإمام لإقامة صلاة الجمعة، لكن يشترط إذنه في تعدد الجمعة في البلد، ومع ذلك، فإن الحنابلة يصححون بعض حالات تعدد الجُمَع مع عدم الإذن، ومنها لو تعددت واستوت في عدم الإذن، فتصح السابقة بالإحرام، وسيأتي.
(^٤) أي: إن تعددت لغير حاجة، فالصحيحة ما باشرها الإمام =
[ ١ / ٣٦٥ ]
ومن أحرمَ بالجمعةِ في وقتِها، وأدركَ مع الإمامِ ركعةً، أتمَّ جمعةً (^١).
= - أي: أَمَّ فيها، كما ذكر الشيخ عثمان - أو أذِن لهم فيها، وإن سبقتها غيرها بالإحرام، فإن استوتا في الإذن - بأن أذِن لهما معًا -، أو عدمِ الإذن فلا يخلو الحال: الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى: وحينئذ فالسابقة بالإحرام - لا بدخول الإمام، ولا ببداية الخطبة - هي الصحيحة، وأصحاب المتخلِّفة يعيدونها ظهرًا، كما ذكر ابن عوض، الحال الثاني: وإما أن تقعا معًا - بأن أحرم إماماهما في وقت واحد -، فكلتاهما باطلة، ثم إن أمكن أن يصلوا جمعة فعلوا، وإلا صلوا ظهرًا، الحال الثالث: أن يجهل الحال، فإن جهل كيف وقعتا صلوا ظهرا.
(^١) فيشترط لإدراك المأمومِ الجمعةَ: ١ - أن يكبر للإحرام في وقت الجمعة، ٢ - وأن يدرك ركعة كاملة بسجدتيها كما في المعونة، فيتمها إذَن جمعة. في الحواشي السابغات: (قيدها ابن النجار في شرح المنتهى: (بسجدتيها)، فلابد من إدراك الركوع والسجود مع الإمام، فإن أدرك الركوع فقط فلا تكون له جمعة، وتبعه في هذا البهوتي في شرح المنتهى، والنجدي في حاشيته على المنتهى، وصاحب كشف المخدرات، والله أعلم)
وقوله: (أحرم بالجمعة في وقتها): يخرج به ما لو أحرم الإمام بالجمعة في وقتها - فيكون الإمام مدركًا لها إذَن -، ثم خرج وقتها، ثم دخل معه شخص، فلا يكون هذا المسبوق مدركًا للجمعة، ولو أدرك جميع الركعتين. =
[ ١ / ٣٦٦ ]
وإن أدركَ أقلَّ، نوى ظهرًا (^١).
وأقلُّ السُّنةِ بعدها ركعتانِ، وأكثرُها ستٌ (^٢).
= (تتمة) القاعدة أن إدراك وقت الصلاة، وإدراك الجماعة، يكون بتكبيرة الإحرام. أما الوقت، فلا يستثنى منه الجمعة، ولا غيرها. وأما إدراك الجماعة، فيستثنى منه صلاة الجمعة، فلا بد لإدراكها مع الإمام من إدراك الركوع.
(^١) وجوبًا، ويشترط لتصح الظهر في هذه الحال: ١ - أن ينوي المأمومُ أن يصلي ظهرًا، ٢ - وأن يكون وقت الظهر قد دخل، فلو صُليت الجمعة قبل الزوال، وأدرك المأموم أقل من ركعة، فإن صلاته تكون نافلة من النوافل، والقاعدة عند الحنابلة أنه لا تصح فريضة خلف أخرى مغايرة لها في الاسم، ولا يستثنى منها إلا هذه المسألة.
(^٢) في الإقناع وشرحه: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان) نص عليه لأنه ﷺ «كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» متفق عليه من حديث ابن عمر، (وأكثرها) أي السنة بعدها (ست) ركعات (نصا) لقول ابن عمر «كان ﷺ يفعله» رواه أبو داود واختار في المغني أربعا وروي عن ابن عمر " لفعله ﷺ وأمره رواه مسلم من حديث أبي هريرة ..، (وأن يفصل بينهما) أي بين السنة (وبين الجمعة بكلام أو انتقال) من موضعه للخبر، (ونحوه) أي نحو ما ذكر (وليس لها) أي الجمعة (قبلها سنة راتبة، نصا بل يستحب أربع ركعات) لما روى ابن ماجه أنه ﷺ «كان يركع من قبل الجمعة أربعا» وروى سعيد عن ابن مسعود أنه =
[ ١ / ٣٦٧ ]
وسُنَّ:
- قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومِها (^١)،
- وأن يقرأَ في فجرِها: ﴿ألم﴾ السجدةَ، وفي الثانيةِ
= " كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات وبعدها أربع ركعات وقال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات).
(تتمة) والأفضل على المذهب أن تصلى النوافل - ومنها الراتبة بعد الجمعة - في البيت، إلا ما تسن له الجماعة كالتراويح، لكن صاحب الإقناع استثنى راتبة الجمعة، فجعل الأفضل فيها أن يصليها الرجل في مكانه في المسجد، ولم أجد هذا في المنتهى ولا الغاية. وقوله مخالف للمذهب، ولما ورد في حديث ابن عمر ﵄ حيث قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات»، وفيه: «وركعتين بعد الجمعة في بيته» متفق عليه، ولذلك قال الشيخ منصور عن كلام الإقناع في باب صلاة التطوع: (وفيه نظر مع الحديث السابق عن ابن عمر). مع أن الشيخ منصورا في الروض جزم بما في الإقناع، قال: (ويُصليها مكانَه، بخلاف سائر السنن فببيته)، ومثله النجدي في هداية الراغب.
(^١) هكذا في المقنع، والتوضيح، والمنتهى، وزاد في الإقناع: (وليلتها)، وتابعه المصنف في غاية المنتهى، وعلى هذا القول: يسن أن تُقرأ سورة الكهف في ليلة الجمعة، وفي يومها.
[ ١ / ٣٦٨ ]
﴿هل أتى﴾، وتُكرهُ مداومَتُهُ عليهما (^١).
(^١) أي: يكره أن يقرأ في فجر كل جمعة بالسجدة والإنسان، بل يأتي في فجر بعض الجُمع بغيرهما. قال في الغاية: (ويتجه: وكذا كل سُنة خِيف اعتقاد وجوبها)، فيكره أن يداوم عليها؛ لئلا يعتقد الناس أنها واجبة.
(تتمة) لو صار العيد في يوم الجمعة سقطت الجمعة عمن حضر صلاة العيد مع الإمام؛ لأنه ﷺ صلى العيد وقال (من شاء أن يجمِّع فليجمِّع) رواه أحمد، ويصليا ظهرا، ويستثنى: الإمام فلا تسقط عنه صلاة الجمعة فإن اجتمع معه العدد المعتبر أقام الجمعة وإلا صلوها ظهرا، وهل له أن ينيب غيره يخطب عنه؟ الظاهر نعم كما في الفروع، والله أعلم.
[ ١ / ٣٦٩ ]