تُسنُّ: تعزيةُ المسلمِ (^١) إلى ثلاثةِ أيامٍ (^٢)، فيقالُ لَهُ:
(^١) التعزية: هي التَّأسِيَة لمن يُصاب بمن يعز عليه، سواءً كان ابنه، أو أخاه، أو صديقه، أو شيخه، وهو أن يُقال له: تعزى بعزاء الله، وعزاء الله قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة، ١٦٩]. وفي شرح المنتهى: (التعزية هي التسلية، والحث على الصبر، والدعاء للميت والمصاب). والتعزية مسنونة؛ لقوله ﷺ: «ما من مؤمن يعزِّي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله من حُلل الجنة»، رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني، ولحديث ابن مسعود مرفوعًا: «من عزَّى مصابًا، فله مثل أجره»، رواه ابن ماجه، والترمذي، وهي مستحبة قبل الدفن وبعده، ويكره تكرارها فلا يعزي عند القبر من عزى من قبل.
(^٢) بلياليهن، وتكره بعد ذلك، كما في الإقناع، ونسبه إلى جماعة من الحنابلة، قال في الغاية: (وتكره بعدها، واستثنى أبو المعالي إلا لغائب، ويتجه: ومعذور).
(تتمة) متى تبدأ الثلاثة أيام هل هي من الموت أو من الدفن؟ قال الشيشني: (لم أجد لأصحابنا كلاما، وللشافعية في المسألة قولان ويتجه لنا مثلهما. انتهى)، قلت: إن قيل: إنها من حين الموت فليس ببعيد، ويؤيده: تصريح الإقناع بأن =
[ ١ / ٤٣٦ ]
«أعظمَ اللهُ أجرَكَ، وأحسنَ عزاءَكَ، وغفرَ لميِّتِكَ» (^١)، ويقولُ هو (^٢): «استجابَ اللهُ دعاءَكَ، ورحمَنا، وإياكَ».
ولا بأسَ: بالبكاءِ على الميِّتِ (^٣).
= التعزية جائزة قبل الدفن، والله أعلم.
(^١) وهذا ما يقال للمسلم المصاب بمسلم. أما المسلم المصاب بكافر، فيُقال له: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك»، فقط ولا يُدعى للميت.
قال في الإقناع وشرحه: (ولا تعيين فيما يقوله) المعزي قال الموفق لا أعلم في التعزية شيئا محدودا، إلا أنه يروى «أن النبي ﷺ عزى رجلا، فقال: رحمك الله وآجرك» رواه أحمد (ويختلف) ما يقوله المعزي (باختلاف المعزين فإن شاء) المعزي (قال في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك) أي: رزقك الصبر الحسن (وغفر لميتك، وفي تعزيته) أي: المسلم (بكافر: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك) ويمسك عن الدعاء للميت، لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه، (وتحرم تعزية الكافر) سواء كان الميت مسلما أو كافرا لأن فيها تعظيما للكافر كبداءته بالسلام).
(^٢) أي: المُصاب.
(^٣) فيجوز، ويُباح؛ لأن الرسول ﷺ لمَّا رُفِع إليه ابن ابنته فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: «إنما هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»، متفقٌ عليه.
[ ١ / ٤٣٧ ]
ويحرمُ: الندبُ، وهو: البكاءُ مع تعدادِ محاسِنِ الميِّتِ (^١)، والنياحةُ، وهي: رفعُ الصوتِ بذلكَ برنَّةٍ (^٢).
ويحرمُ: شَقُّ الثوبِ، ولطمُ الخَدِّ، والصراخُ، ونتفُ الشعرِ، ونشرُهُ، وحلقُهُ (^٣).
وتُسنُّ: زيارةُ القبورِ (^٤) للرجالِ (^٥)،
(^١) بلفظ النداء مع زيادة الألف والهاء في آخره، فإذا بكى الإنسان وعدد محاسن الميت ب «واسيداه»، أو «واخليلاه»، ونحو ذلك، فإنه يحرم.
(^٢) فتحرم النياحة، وهي الندب مع رفع الصوت، وقيل في تعريف النياحة المحرمة: ذكر محاسن الميت وأحواله ذكره البهوتي في شرح المنتهى، وقوله (برنَّة): أي أن يصحب الصوت رنةٌ تخرج من الذي ينوح، وفيها كلام.
(^٣) وقد ورد النهي عن كل هذه في السُّنة، قال ﷺ: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه، ولما فيه من عدم الرضا بالقضاء والسخط من فعله تعالى.
(^٤) والمراد: قبور المسلمين.
(^٥) المراد: زيارة قبر المسلم، ويكون أمامه - أي: مقابلًا له كما لو كان حيًا، والقبلة خلفه - واقفًا، ذكره في الإنصاف والإقناع. وأما زيارة قبر الكافر فمباحة، وقيَّد في الإقناع سنية الزيارة بكونها بلا سفر؛ للحديث: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» متفق عليه، وتابعه البهوتي وقيد به إطلاقَ =
[ ١ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المنتهى، أما مع السفر فذكر في الإقناع في قصر الصلاة: أنه يترخص إذا سافر قاصدا مشهدا أو قبرا، مع أنه ذكر أن البناء على القبور مكروه فكيف يَقُصُرُ مَنْ قصدَ مشهدًا؟ وتابعه البهوتي في شرح المنتهى، وأصله في الإنصاف عن المغني، وعبارته في الإنصاف: (فائدة: قال في الرعاية الكبرى: لا يترخص من قصد مشهدا أو مسجدا غير المساجد الثلاثة، أو قصد قبرا غير قبر النبي ﷺ. قلت: أو نبي غيره. وجزم به بهذا في الرعاية الصغرى قال في التلخيص: قاصد المشاهد وزائرها لا يترخص. انتهى، وجزم به في النظم، والصحيح من المذهب: جواز الترخص، قاله في المغني وغيره).
وقد ذكر التنوخي في الممتع شرح المقنع (١/ ٥٠٥) أن الزيارة مكروهة مع السفر وعبارته: (والسفر المكروه: كزيارة القبور والمشاهد. ملحق بسفر المعصية لأنه منهي عنه.)، وتابعه البهاء في شرح الوجيز (٢/ ٣٤٤) بنفس العبارة، ومَثَّلَ ابنُ عوض في حاشيته على الدليل (١/ ٣٨٥) للسفر المكروه: بالسفر لزيارة القبور، ومثَّل الخلوتي به للسفر المكروه في أهل الزكاة في إعطاء ابن السبيل إذا كان سفره مكروها، فقال: (كالسفر لزيارة القبور على القول به) والمراد أنه لا يعطى من الزكاة من كان سفره مكروها، وتوسط صاحبُ الغاية فقال: (قصر الصلاة الرباعية أفضل، ولا يكره إتمامٌ لمن نوى سفرا مباحا ولو عصى فيه، أو زيارة قبور ولم يعتقده قربة). (بحث)
وكل ما تقدم إنما هو في السفر لزيارة القبور، أما الذهاب =
[ ١ / ٤٣٩ ]
وتكرهُ للنساءِ (^١).
وإن اجتازت المرأةُ بقبرٍ في طريقِها (^٢)، فسلَّمَت عليهِ، ودعت لَهُ، فحسنٌ.
وسُنَّ لمن زارَ القبورَ، أو مرَّ بها (^٣) أن يقولَ: «السلامُ
= إليها لها بقصد الدعاء عندها - لغير الميت -فهو مكروه، ولا يترخص من سافر لأجل ذلك، قال في الإقناع وشرحه: (قال) أبو الوفاء علي (ابن عقيل و) أبو الفرج عبد الرحمن (بن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء) فعليه لا يترخص من سافر له، (قال الشيخ: و) يكره (وقوفه عندها) أي: القبور (له) أي: للدعاء).
(^١) أي: تُكره زيارة القبور للنساء، وإن علم النساء أنه يقع منهن مُحرم إذا زُرن القبور، حرمت الزيارة. ويُستثنى من كراهة الزيارة على المذهب: قبر النبي ﷺ، وقبرَي صاحبيه - رضي الله تعالى عنهما -، فتُسن زيارتها للرجال والنساء.
في الحواشي السابغات: (وفي الإنصاف بعد أن قدم المذهب - وهو كراهة زيارة النساء للقبور - قال: (وعنه: يحرم، كما لو علمت أنه يقع منها محرم، ذكره المجد واختار هذه الرواية بعض الأصحاب، وحكاها ابن تميم وجهًا، قال في جامع الاختيارات: وظاهر كلام الشيخ تقي الدين: ترجيح التحريم؛ لاحتجاجه بلعنه ﵊ زوارات القبور، وتصحيحه إياه).
(^٢) فلم تخرج قاصدةً له.
(^٣) في الحواشي السابغات: (والظاهر: أنه سواء مر بالمقبرة ولم =
[ ١ / ٤٤٠ ]
عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنَّا إن شاءَ اللهُ بكم للاحقونَ، ويرحمُ اللهُ المستقدمينَ منكم، والمستأخرينَ، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ. اللهمَّ لا تحرمنا أجرَهم، ولا تَفتِنَّا بعدَهم، واغفر لنا ولهم».
وابتداءُ السلامِ على الحيِّ: سنةٌ (^١)، وردُّهُ: فرضُ كفايةٍ (^٢).
= يتمكن من رؤية القبور لحجزها بسور المقبرة، أو تمكن من رؤيتها من سورها؛ لأنه إنما يسلم على الميت الذي داخل القبر وهو لا يراه حتى لو رأى القبر، والله أعلم).
(^١) ما لم يكن على امرأة غير محرَم، فيُكره، إلا أن تكون عجوزًا، ومن جماعة سنة كفاية، والأفضل السلام من جميعهم.
(تتمة) يتكلم الحنابلة في هذا الموضع عن أحكام السلام بتوسع، لكن المؤلف اكتفى ببعض الإشارات.
(^٢) أي: رد السلام في الحال التي يُسن فيها ابتداء السلام: فرض كفاية على الجماعة المسلَّم عليهم فيسقط برد واحد منهم.
(تتمة) مسائل في السلام: ١ - يجوز على المذهب أن يرُدَّ بأقل مما سُلِّم عليه به، فيجوز أن يقول شخص: السلام عليكم ورحمة الله، فيرد الآخر ب: وعليكم السلام، فقط، قال في الغاية وشرحها: (ولا) تجب (مساواة رد لابتداء)، فلو قال المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال الراد: وعليكم السلام؛ كفى (ويجوز رد بلفظ سلام عليكم) فقط) وهذا خلاف ظاهر الآية: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء، ٨٦]، =
[ ١ / ٤٤١ ]
وتشميتُ العاطسِ - إذا حَمِدَ -: فرضُ كفايةٍ (^١)، وردُّهُ: فرضُ عينٍ (^٢).
= ٢ - وتُزاد الواو وجوبًا في رد السلام جزم به في الإقناع، وتعقبه البهوتي، وخالفه في الغاية بأنه لا يجب وقال: (خلافا له)،
٣ - ومن سلّم على آخر كتابة، وجب على المسلَّم عليه أن يرد، لكن لا يجب أن يكون الرد بالكتابة، بل يكفي باللسان، وإلا لأوجب مشقة عظيمة على الناس في الأزمنة الماضية، ومن فروع ذلك السلام المكتوب في مجموعات التواصل الاجتماعي، والله أعلم،
٤ - يُكره ابتداء السلام في أحوال، منها: السلام في الحمام، وعلى الآكل، وتالي القرآن، والمقاتل، والذاكر، والملبي، والمحدث، والخطيب، والواعظ، ومكرر الفقه، والمدرس، ومن يبحث في العلم، ومن يؤذِّن أو يُقيم، ومن هو على حاجته، ومشتغلٍ بالقضاء ونحوهم. والقاعدة أن كل حال يُكره فيها ابتداء السلام، لا يستحق المُسلِّم فيها الرد. فلا يجب مثلًا على القاضي المشغول بقضية أن يرد السلام حتى لو سمعه.
(^١) إذا قام به من يكفي، سقط الإثم عن الباقين، ويشترط لوجوب التشميت أن يسمع العاطسَ يحمد الله.
(تتمة) يُكره أن يُشمت الإنسان من لم يحمد الله، قال في شرح المنتهى: (ومن عطس فلم يحمد فلا بأس بتذكيره)، وكذا الصغير يُعلَّم كما ذكر العلماء.
(^٢) أي: ردُّ العاطسِ على من شمته فرض عين، فيقول: =
[ ١ / ٤٤٢ ]
ويَعرفُ الميِّتُ زائرَهُ يومَ الجُمعةِ، قبلَ طلوعِ الشمسِ (^١).
ويتأذَّى بالمنكرِ عندَهُ، وينتفعُ بالخيرِ (^٢).
= «يهديكم الله، ويصلح بالكم». وكون الرد فرض عين إن كان المشمت واحدا فصحيح، وإن كان العاطس قد شُمِّت من جمع فلا يلزمه أن يرد على كل واحد بل يكفيه أن يرد مرة واحدة فقط فيقول: (يهديكم الله ويصلح بالكم)، قال في المنتهى وشرحه: (كتشميت عاطس حمد) الله تعالى، (و) ك (إجابته) أي العاطس لمن شمته، فكل منهما فرض كفاية لأن التشميت تحية فحكمه كالسلام)، وكذا لو عطس جماعة وشمتهم واحد دفعة واحدة، فلا يجب أن يجيب الجميع بل يكفي أن يجيبه أحدهم، هذا ما ظهر لي والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(^١) قاله الإمام أحمد ﵀، وفي شرح المنتهى بعد ذكره هذا: (وقال في الغنية يعرفه كل وقت وهذا وقت آكد، وقال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور وسمع سلامه، وأنس به ورد عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك) قال في الغاية عن كلام صاحب الغنية: (وهو الصواب بلا ريب).
(^٢) أي: يتأذى الميت بالمنكر الذي يفعل عنده، وينتفع بالخير الذي يكون عنده، ولعل المراد: الدعاء له، والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٣ ]