ويجبُ فيما يُسقى بلا كلفةٍ: العُشرُ، وفيما يُسقى بكلفةٍ: نصفُ العُشرِ (^١).
(^١) لحديث ابن عمر ﵄: «فيما سقت السماء العُشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر»، رواه البخاري، فإذا كان الواجب على المزارع العُشرُ، قسم ما عنده على العدد (١٠)، وما خرج فهو الواجب إخراجه، ولو كان الواجب نصف العُشر، قسم على العدد (٢٠).
والضابط في الكلفة - كما قال ابن النجار، وتابعه عليه الشيخ منصور -: «أن ما يحتاج إلى ترقية الماء إلى الأرض بآلةٍ، ففيه نصف العُشر، وما لا يحتاج إلى ذلك، ففيه العُشر». فمن كان يستعمل الآلات لإخراج الماء من البئر أو العين، فهذا ممن يسقي بكلفة، وما كان يُسقى بماء ينبع، ويخرج من الأرض من تلقاء نفسه، أو يجري من نهر ونحوه، ويكتفي فيه المزارع بمجرد توزيعه على جداول الزرع والثمر، ففيه العُشر.
ومما يكون بلا مؤنة أيضا: لو اشترى ماء - أو كان يأتيه مجانا - وجعله في بِركة، ثم يخرج الماءُ منها على وجه الأرض إلى الزروع والأشجار، فإن احتاج إلى ما يخرج الماءَ من البركة إلى الزروع والثمار من آلة ونحوها فهو بكلفة.
(تتمة) ما سُقي بهما - أي: بكلفة، وبلا كلفة -، ففيه ثلاثة =
[ ١ / ٤٧٤ ]
ويجبُ إخراجُ زكاةِ الحبِّ مصفًّى (^١)، والثَّمرِ يابسًا (^٢). فلو خالفَ، وأخرجَ رَطْبًا لم يُجزِهِ، ووقعَ نفلًا (^٣).
وسُنَّ للإمامِ: بعثُ خارصٍ لثمرةِ النَّخلِ، والكَرمِ، إذا بدَا صلاحُها (^٤).
= أرباع العُشر، فيضرب ما عنده في العدد (٣)، ثم يقسم الناتج على العدد (٤٠)، فما حصل فهو الواجب إخراجه.
(^١) أي: مُنظَّف من السنابل، والقشور التي فيه.
(^٢) فلا يجوز أن يُخرَج من الثمار وهي رطبة، بل لابد أن تُخرج الزكاة من الثمر اليابس. كما أن بلوغه النِّصاب لا يكون إلا بعد تصفية حب وجفاف ثمر كما تقدم.
قال في شرح المنتهى: (لحديث الدارقطني عن عتاب بن أسيد «أن النبي ﷺ أمره أن يخرص العنب زبيبا كما يخرص التمر» ولا يسمى زبيبا وتمرا حقيقة إلا اليابس وقيس الباقي عليهما، ولأن حال تصفية الحب وجفاف التمر حالُ كمالِ ونهايةِ صفاتِ ادخارِه ووقتِ لزومِ الإخراج منه).
(^٣) أي: لو خالف المالك وأخرج رطبا وعنبا لم يجزئه عن الواجب ووقع نفلا، قال البهوتي في شرح المنتهى: (وإن أخذها ساع كذلك، فقد أساء ويرده إن بقي بحاله، وإن تلف رد مثله، وإن جففه- أي: الساعي - وصفاه وكان قدرَ الواجب فقد استوفاه، وإن كان دونه أخذ الباقي وإن زاد رد الفضل).
(^٤) الخرص للثمار - كما في المطلع - هو: الحزر، والتقدير لثمرتها، ولا يمكن إلا عند طيبها، وقال في الإقناع وشرحه: =
[ ١ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (والخرص) بفتح الخاء مصدر ومعناه هنا (حزر مقدار الثمرة في رءوس النخل والكرم وزنا بعد أن يطوف) الخارص (به) أي بالنخل أو الكرم (ثم يقدره تمرا) أو زبيبا (ثم يُعَرِّف) الخارصُ (المالكَ قدر الزكاة) فيه).
ولا يكون إلا في النخل، والكرم - والمراد به: الزبيب؛ لأن العنب لا زكاة فيه - فقط، لا في غيرها من الثمار، ولا في الحبوب.
ودليل الخرص: حديث عائشة: كان رسول ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود ليخرص عليهم النخل قبل أن يؤكل) متفق عليه، وفي رواية لأحمد: (لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمرة وتفرق).
فيأتي الخارص إلى صاحب المزرعة بعد أن يبدو صلاحُ الثمار، فينظر إلى النخيل أو الكرم، ويخرص، فيقول مثلًا: هذه المزرعة ستأتي - بعد أن تصرم التمور - بألف وخمسمئة كيلو مثلًا، ويُخبره بما يجب عليه منها من عُشر أو نصف العُشر، ولا يأخذ منه الواجب عند الخرص، وإنما المقصود مجرد إخباره بما سيجب عليه إخراجه بعد جفاف الثمر.
ويجب على الخارص أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع فيجتهد الساعي في أيهما يترك بحسب المصلحة فمثلا لو كانت تنتج ١٠٠٠ كيلو من التمر؛ فيترك له منها الربع ٢٥٠ كيلو أو الثلث لا يخرصها، وإنما يخرص الباقي بعد الربع أو الثلث. =
[ ١ / ٤٧٦ ]
ويكفِي واحدٌ (^١). وشُرطَ كونُهُ: مسلمًا، أمينًا (^٢)، خبيرًا (^٣). وأجرتُهُ على رَبِّ الثَّمرةِ (^٤).
= (تتمة): فإن لم يبعث الحاكم خارصا فيجب على مالك النخل والكرم أن يخرص بنفسه لنفسه أو بثقة عارف ليعرف قدر ما يجب عليه قبل أن يتصرف فيه، وإن أخر تصرفه فيه إلى الجذاذ والجفاف لم يجب الخرص.
(^١) أي: يكفي أن يُرسل الإمام شخصًا واحدًا يخرص ثمار الناس، فلا يُشترط اثنان، ويكفي خبره فلا يشترط لفظ الشهادة.
(^٢) أي: عدلًا وهل هي العدالة الظاهرة فقط أم الظاهرة والباطنة؟
قال ابن عوض: أمينا أي: لا يتهم بكذب من غير عمودي نسب مخروص عليه دفعا للريبة.
(^٣) والمراد: خبيرًا بالخرص، فيستطيع أن يُخمِّن، ويُقدر الثمار بغلبة ظن؛ لأن غير الخبير لا يحصل به المقصود ولا يوثق بقوله قاله في شرح المنتهى.
(^٤) أي: أجرة الخارص على رب الثمرة لعمله في ماله، وكون أجرته على رب الثمرة هكذا في الإقناع والمنتهى، قال البهوتي في الكشاف: (وفي المبدع: أجرته على بيت المال انتهى، قلت: لو قيل: من سهم العمال لكان متجها) قال الخلوتي: (وهذا - أي: كون أجرته من نصيب العامل على الزكاة - موافق لما يأتي في شرح ابن النجار في باب أهل الزكاة حيث جعل الخارص من أفراد العامل).
[ ١ / ٤٧٧ ]
ويجبُ عليهِ: بعثُ السُّعاةِ قُربَ الوجوبِ؛ لقبضِ زكاةِ المالِ الظَّاهرِ (^١).
ويجتمعُ العُشرُ، والخراجُ في الأرضِ الخراجيَّةِ (^٢)، وهيَ:
(^١) فيجب على الإمام بعث السُّعاة قُربَ زمن الوجوب؛ لقبض زكاة المال الظاهر، والمال الظاهر - كما تقدم -: هو الذي يراه الناس، وهو: السائمة، والحبوب والثمار، والعسل.
وعليه، فإنه لا يجب على الإمام أن يُرسل من يقبض زكاة المال الباطن كقِيم عروض التجارة. وقد ذكرنا أن هذا فيه إشكال كبير؛ لأن غالب أموال الناس في عصرنا - خاصة في الجزيرة العربية - هي من الأموال الباطنة.
وكما في الإقناع: للإمام أن يطلب زكاة المال الباطن لا على سبيل الوجوب، ولو طلب الإمام - أو الدولة - الزكاةَ من أحد الرعية، لم يجب عليه أن يُعطيه إياها، بل الأفضل أن يُفرِّقها صاحب المال بنفسه، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. وسيأتي ذلك في باب إخراج الزكاة إن شاء الله.
(تنبيه) هذه المسألة تُذكر في المنتهى والإقناع في باب إخراج الزكاة.
(^٢) أي: إذا كان هناك أرض خراجية، وزُرع فيها، فإن الخراج يجب في رقبتها، والعُشر يجب في المحصول من ثمر أو حب زُرِع في تلك الأرض. والخراج إنما يؤخذ على الأرض الخراجية التي فيها زرع أو هي مُهيأة للزراعة. أما التي بُني عليها، فلا يؤخذ عليها الخراج، وسيأتي في كتاب الجهاد إن =
[ ١ / ٤٧٨ ]
ما فُتحت عَنوةً، ولم تُقسم بينَ الغانمينَ (^١) كمصرَ، والشَّامِ، والعراقِ (^٢).
وتضمينُ أموالِ العُشرِ، والأرضِ الخراجيَّةِ: باطلٌ (^٣).
= شاء الله، وإذا كان الذي يزرع كافرا فيجب عليه الخراج فقط؛ لأن الزكاة لا تصح إلا من مسلم.
(^١) الأرض الخراجية ثلاثة أنواع - ذكر المؤلف أحدها -: ١ - الأرض التي فُتحت عنوة - أي: قهرًا وغلبةً بالسيف -، ولم تُقسم بين الغانمين كأرض مصر والشام والعراق، ٢ - ما جلا عنها أهلها خوفًا من المسلمين، ٣ - ما صُولِح أهلها على أنها لنا، ونُقرها معهم بالخراج.
(^٢) فعند الحنابلة، مصر والشام والعراق كلها تُعتبر أوقافًا، فلا تُملك، ولا يجوز بيعها، وسيأتي إن شاء الله في كتاب الجهاد، وكتاب البيع؛ وذلك أن الصحابة لما فتحوها لم يقسموها بين الغانمين، وإنما أوقفوها.
(^٣) هذه العبارة فيها غموض، ولم أجد من يجلي معناها، فجميع من ذكرها متتابعون على ألفاظ واحدة، ولا يوضحون المراد منها. لكن الذي يظهر من كلام ابن جراح في نيل المطالب أن المراد بالتضمين المذكور: هو أن يضرب ولي الأمر مقدارًا معينًا على المزارعين يدفعونه بدلًا من زكاة ما يخرج من أراضيهم - وهذا المراد بالعُشر -، أو بدلا من الخراج، ومثاله: أن يطلب الحاكم من زيد أن يدفع كل سنة خمسين كيلو من التمر، سواء كانت زكاته أقل أو أكثر من ذلك، فإن =
[ ١ / ٤٧٩ ]
وفي العَسلِ: العشرُ. ونصابُهُ مئةٌ وستُّونَ رَطلًا عراقيَّةً (^١).
وفي الرِّكازِ - وهو الكنزُ (^٢) - ولو قليلًا: الخُمسُ (^٣).
= كانت زكاته أنقص مما أُخذ منه فهو ظلم لصاحب المزرعة، وإن كانت أكثر، فهو ظلم للفقراء، فالتضمين باطل. هذا الذي يغلب على الظن أنه المراد من كلامهم. والله أعلم.
(^١) ففي العسل - سواء أخذه من ملكه، أو ملك غيره، أو موات -: عُشره. ونصابه بالكيلو: ٦١، ٢ كجم، أي: واحد وستون كيلو ومئتا جرام.
(^٢) الركاز - كما في الإقناع والمنتهى - هو: الكنز مما وُجِد من دِفن من تقدم من الكفار مطلقًا، سواءٌ كانوا من أهل الجاهلية أو غيرهم، والمراد بالكنز: جميع ما وُجد من مدفونهم، حتى لو كان من غير الذهب والفضة كالثياب، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ويُلحق بالدفن ما وجد على وجه الأرض) فلو وجد في طريق غير مسلوك أو خربة وجب فيه الخمس قليلا أو كثيرا؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: (وفي الركاز الخمس) متفق عليه، وسواء وجده مسلم أو ذمي أو كبير أو صغير أو عاقل أو مجنون.
(^٣) وذلك بشرطين: ١ - أن يكون من دِفن الكفار، فيكون الكفار هم الذين دفنوه، ٢ - أن يكون عليه - أو على بعضه - علامة كفر، فإن وُجدت عليه علامة الإسلام، أو لم يكن عليه علامة كالأواني والحلي فهو لُقطة.
(تتمة) يُصرف خمس الركاز مصرف الفيء، أي: في مصالح =
[ ١ / ٤٨٠ ]
ولا يمنعُ من وجوبِهِ الدَّينُ (^١).
= المسلمين كالجسور، والشوارع، والمدارس …، وليس مصرفه مصارف الزكاة الثمانية.
ويكون الباقي لواجده - كما ورد في الحديث -، قالوا: ولو كان أجيرًا؛ لنقض الجدار، فلو استأجر شخصٌ عاملَ بناء ليحفر له، فوجد العامل الكنز، فإنه يملكه بعد إخراج الخمس؛ لكونه واجده.
(^١) أي: لا يمنع الدَّينُ من وجوب الخُمس في الركاز.
[ ١ / ٤٨١ ]