ولا يجزئُ دفعُ الزكاةِ للكافرِ (^١)، ولا للرَّقيقِ (^٢)، ولا للغنيِّ بمالٍ أو كسبٍ (^٣)،
= وفي لفظ آخر " ادفعوها إلى الأمراء وإن كرعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم " رواهما عنه أبو عبيد، وقال أحمد في رواية حنبل: كانوا يدفعون الزكاة إلى الأمراء، وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ يأمرون بدفعها وقد علموا فيما ينفقونها فما أقول أنا؟)، بل قال شيخ الإسلام - كما في الاختيارات -: (وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط، وإن لم تكن على صفتها)، وتعقبه الشيخ ابن عثيمين في الاختيارات بما في الإنصاف وغيره وهو: (وقال الشيخ تقي الدين: ما أخذه باسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل، اعتد به، وإلا فلا)، فما أخذه الحاكم باسم غير الزكاة فلا يجزئ.
(^١) ما لم يكن مؤلَّفًا، فيجوز دفع الزكاة إليه
(^٢) ما لم يكن من العاملين عليها، أو مُكاتبًا.
(^٣) والمراد بالغني بالكسب: أن يكون له مال يكفيه، أو صنعة، أو وظيفة تدرُّ له أموالًا كل شهر، وتكون كافية له، فلا يجوز دفع الزكاة إليه، قال ابن عوض: (أي: لا يجزئ الدفع للغني بكسب من صنعة ونحوها تكفيه، ويحرم عليهما أن يأخذا شيئا منها وسؤالها). =
[ ١ / ٥٢٩ ]
ولا لِمَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ (^١)، ولا للزَّوجِ (^٢)، ولا لبني هاشمٍ (^٣).
= (تنبيه) قوله: (ولا للغني بمال أو كسب) لم أجد هذه العبارة في الإقناع ولا في المنتهى، ولا في الغاية إلا أنهم ذكروا أنه لو ادعى الجَلْدُ القادرُ الصحيحُ عدمَ مكسب فإنه يقلد - اي: يعطى من الزكاة - إذا لم يعلم كذبه بعد إعلامه وجوبا أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب.
(^١) من لزمته نفقة شخص، فلا يجوز أن يدفع إليه الزكاة، إلا إذا كان عاملا أو غازيا أو مؤلفا أو مكاتبا أو ابن سبيل، أو غارما لإصلاح ذات البين.
وستأتي شروط وجوب النفقة على الغير في باب النفقات - إن شاء الله -، وهي مهمة جدًا، والناس عنها غافلون، فبعض الناس يعيش في بيت فاخر وكبير، ووالداه يعيشان في مسكن قديم، ويظن أنه لا يجب عليه أن يُنفق عليهم، وكذا عكسه كأن يكون الأب غنيًا وأولاده فقراء، فإنه يجب عليه أن ينفق عليهم.
(^٢) لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها، وكذا لا يجوز للزوج أن يدفع زكاة ماله لزوجته؛ لأنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجته، ونقل ابن المنذر الإجماعَ على عدم الجواز ذكره البهوتي في الكشاف.
(^٣) وهم سلالة هاشم، فيدخل فيها آل العباس بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب فلا يجوز دفع الزكاة إليهم، =
[ ١ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ويستثنى من ذلك إذا كانوا غُزاة، أو مؤلَّفة قلوبهم، أو غارمين لإصلاح ذات البين فقط، فيجوز إذَن دفع الزكاة إليهم، ولهم أخذ صدقة التطوع، أما شيخ الإسلام ﵀، فيُجوِّز لبني هاشم أخذ الزكاة إذا لم يُعطوا خُمس الخُمس الذي يستحقونه من الغنيمة، والذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَاعلَموا أَنَّما غَنِمتُم مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربى﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو قول قوي في المذهب.
في المذهب.
(تتمة نفيسة) يذكر الحنابلة هنا قاعدة وهي: أن كلَّ من لم يجز له دفع الزكاة إليه يجوز له أخذ صدقة التطوع، ويستحب التعفف عنها، وعدم التعرض لها، فإن أخذها مظهرا الفاقة حرم، قال في الإقناع وشرحه: و(وتجوز صدقة التطوع على الكافر والغني وغيرهما) من بني هاشم وغيرهم ممن منع الزكاة (ولهم أخذها) لقوله تعالى ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ [الإنسان: ٨] ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرا وكسا عمر أخا له مشركا حلة كان النبي ﷺ كساه إياها «وقال النبي ﷺ لأسماء بنت أبي بكر صلي أمك»، وكانت قدمت عليها مشركة، (ويستحب التعفف فلا يأخذ الغني صدقة ولا يتعرض لها) لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم، فقال: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] (فإن أخذها) الغني (مظهرا للفاقة حرم) عليه ذلك، وإن كانت تطوعا لما فيه من الكذب والتغرير =
[ ١ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وروى أبو سعيد مرفوعا «فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع» وفي لفظ: «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» متفق عليه).
لكن قد يقيد ما مضى - من التحريم مع إظهار الفاقة، واستحباب التعفف عنها - بالصدقات الخاصة، أما الصدقات بالصدقات الخاصة، أما الصدقات التي تبذل لكل الناس فتجوز لكل الناس الغني والفقير وغيرهما، بل حتى للنبي ﷺ، فقد نقل ابن النجار في شرحه لمنتهاه نقلا نفيسا من شرح المجد جد شيخ الإسلام على الهداية لأبي الخطاب، فقال: (قال في " شرح الهداية ": ولا خلاف نعلمه أن النبي ﷺ لا يحرم عليه أن يقترض، ولا أن يُهدى له، أو يُنظر بدينه، أو يُوضع عنه، أو يَشربُ من سقايةٍ موقوفةٍ على الماء، أو يأوي إلى مكان جعل للمارة، ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها، والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع. وإن كان يطلق عليها اسم الصدقة. قال ﷾: (فمن تصدق به فهو كفارة له)] المائدة: ٤٥].
وقال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم)] البقرة: ٢٨٠]. وقال النبي ﷺ: " كل معروف صدقة ")، وقد نقل البهوتي هذا النقل النفيس في شرحه على الإقناع، وحاشيته على المنتهى، ونقله الرحيباني في المطالب.
قلت: فيتخرج على هذا أن الصدقات المبذولة للناس عموما =
[ ١ / ٥٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يجوز لكل أحد أن يأخذ منها ولو كان غير فقير، كالماء الذي يوزع في المساجد، والتمر الذي يوضع فيها، وإفطار الصائم في المساجد وغيرها يجوز لكل أحد أن يتناول منها، (ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها، والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع)، فهذه أشياء لا غضاضة - أي: لا حطيطة ولا عيبا - في الأخذ منها، وهي مبذولة للجميع؛ لأن كلَّ من بذلها يريد الأجرَ من الله تعالى في إطعام أو سقاية كل من أخذ فجاز الأخذ منها، والله أعلم.
(فائدة) دليل وضع عذق التمر في المسجد: قال الإمامُ البخاري ﵀ في صحيحه: (باب القسمة، وتعليق القنو في المسجد قال أبو عبد الله: «القنو العذق والاثنان قنوان والجماعة أيضا قنوان مثل صنو وصنوان»)، ولم يذكر فيه حديثا، قال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٧٣): (قال المهلب: فيه وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة أو غيرها فى المسجد؛ لأن المسجد لا يُحجب أحد من ذوى الحاجة من دخوله والناس فيه سواء، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل فى المسجد، وليس في هذا الباب تعليقُ قنوٍ فى المسجد، وأغفله البخارى. وتعليق القنو فى المسجد أمر مشهور، ثم ذكر ابن قتيبة فى غريب الحديث أن نبى الله خرج، فرأى أقناء معلقة فى المسجد، وذكر ثابت فى (غريب الحديث) أن نبى الله أمر من كل حائط بقنو، يعنى للمسجد، =
[ ١ / ٥٣٣ ]
فإن دفعَهَا لغيرِ مستحِقِّها - وهو يجهلُ، ثمَّ عَلِمَ -، لم يجزِهِ، ويستردُّها منهُ بنمائِها (^١).
= معنى ذلك أن ناسًا كانوا يقدمون على رسول الله لا شئ لهم، فقالت الأنصار: (يا رسول الله، لو عجلنا قنوًا من كل حائط لهؤلاء، قال: أجل فافعلوا)، فجرى ذلك إلى اليوم، فهى الأقناء التى تعلق فى المسجد فيعطاها المساكين، وكان عليها على عهد رسول الله، معاذ بن جبل. قال ابن القاسم: قد سئل مالك عن أقناء تكون فى المسجد وشِبه ذلك، فقال: لا بأس بها، وسئل عن الماء الذى يسقى فى المسجد أترى أن يشرب منه قال: نعم إنما يجعل للعطشى، ولم يرد به أهل المسكنة؛ فلا أرى أن يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس، قال: وقد سقى سعد بن عبادة، فقيل له: فى المسجد؟ قال: لا، ولكن فى منزله الذى كان فيه، وليس ما ذكره ثابت أن الأقناء كانت تجعل فى المسجد للمساكين بخلاف لقول مالك؛ لأن مالكًا إِذْ سئل عن الأقناء لم تكن تجعل حينئذ للمساكين خاصة؛ لأن زمان مالك كان الناس فيه أوسع حالًا منهم فى أول الإسلام، فكان يجعل فى وقت مالك على طريق التوسعة للناس لا يراد بها المساكين، وإنما يراد بها كل من دخل المسجد من غنى أو مسكين، ألا ترى أن مالكًا شبه ذلك بالماء الذى يجعل للعطشان ولا يراد به المساكين).
(^١) الأصل أنه لا يجوز أن يدفع الإنسان الزكاة إلا لمن يعلم أو يغلب على ظنه أنه من أهلها. فإن دفعها لغير مستحقها - وهو يجهل، ثم علم -، لم يجزئه، ومثاله: أن يدفعها لشخص يظن =
[ ١ / ٥٣٤ ]
وإن دفعَها لِمَنْ يظنُّهُ فقيرًا، فبانَ غنيًّا: أجزأَهُ (^١).
وسُنَّ أن يفرِّقَ الزكاةَ على أقاربِهِ الذينَ لا تلزمُهُ نفقتُهم على قَدرِ حاجتِهِم (^٢)، وعلى ذَوِي أرحامِهِ كعمَّتِهِ، وبنتِ أخِيهِ (^٣).
وتجزئُ إن دفعَهَا لِمَنْ تبرَّعَ بنفقتِهِ بضمِّهِ إلى عيالِهِ.
= أنه غارم، ثم يتبين له أنه ليس بغارم، فلا يُجزئه، ويجب على الدافع أن يستردها من غير المستحق بنمائها المتصل والمنفصل.
(^١) في الكشاف: (لأنه ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: «ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب» ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغني لما اكتفى بقولها؛ ولأن الغنى يخفى وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق عن غني فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت فلعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى الحديث»).
لكن يجب على الغني الذي أعطيت له الزكاة أن يردها بنمائها المتصل والمنفصل.
(^٢) فيعطيها مثلًا لأخيه الذي لا يرث منه، أو لعمه الذي لا يرث منه كذلك، ويُعطي كل واحد على قدر حاجته.
(^٣) ولو ورثوا مزكيا كما في المنتهى؛ لضعف قرابتهم التي يرثون بها، ويستثنى من ذلك: أصول المزكي، فإن كانوا من ذوي الأرحام كالجد من جهة الأم، فإنه لا يُجزئ دفع الزكاة إليهم، والسبب أنه يجب على الشخص أن ينفق عليهم، فإذا دفع إليهم زكاة ماله، أسقط النفقة عن نفسه.
[ ١ / ٥٣٥ ]