وتُسنُّ صدقَةُ التطوُّعِ (^١) في كلِّ وقتٍ (^٢)، لا سيَّمَا: سرًّا (^٣)، وفي الزمانِ والمكانِ الفاضلِ (^٤)، وعلى جارِهِ وذوِي رَحِمِهِ، فهي صَدَقَةٌ وصِلةٌ (^٥).
(^١) أي: غير الواجبة، وتسن صدقة التطوع إذا كانت بالفاضل عن كفايته ومن يمونه دائما من متجر أو غلة وقف أو صنعة أو عطاء من بيت المال.
(^٢) في المعونة: (لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة).
(^٣) فهي أفضل من كونها في العلن، وزاد في المنتهى وغيره: (وسرا بطيب نفس في صحة) فهي أفضل في هذه الأحوال من كونها في ضدها؛ لقوله تعالى (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، ولحديث: (وأنت صحيح شحيح) رواه مسلم، بخلاف الزكاة فيستحب إظهارها كما سبق. (فرق فقهي).
(^٤) الزمان الفاضل كالعشر الأواخر من رمضان، والمكان الفاضل كالحرمَين، فالصدقة فيه أفضل منها في غيرهما.
(^٥) أي: فهي صدقة إذا كانت على جار، وصدقة وصلة إذا كانت على ذوي الرحم، وفي الحديث: «إنَّ أفضل الصدقةِ: الصدقةُ على ذي الرحم الكاشِحِ» رواه أحمد وغيره، أي: المبغض لك، فهي أفضل الصدقات.
(تنبيه) كأن الْمُؤَلِف ساوى بين الجار والقريب وعبارته قريبة من عبارة المنتهى والغاية، وعبارة الإقناع: (وهي على ذي الرحم =
[ ١ / ٥٣٦ ]
ومَنْ تصدَّقَ بما يَنْقُصُ مُؤنةً تلزمُهُ، أو أضَرَّ بنفسِهِ أو غرِيمِهِ: أَثِمَ بذلكَ (^١).
وكُرِه (^٢) لِمَنْ لا صبرَ لهُ، أو لا عادةَ لهُ على الضِّيقِ: أن يَنْقُصَ نفسَهُ عَنِ الكفايةِ التَّامةِ (^٣).
= صدقة وصلة، لاسيما مع العداوة، فهي عليه ثم على جار أفضل) وهذه العبارة أولى؛ لأنها جعلت ذا الرحم مقدما على الجار.
(^١) أي: من تصدق بمال وكان يتضرر بتلك الصدقة - كمن تصدق بكل ماله أو بما يحتاجه لنفسه - أو ينقص به مؤنة من تلزمه نفقته كزوجة قريب، أو إذا تصدق أضر بغريمه - أي: من أقرضه -، فلا يبقى له ما يوفي به حقه، فإنه يأثم بذلك؛ لحديث: (لا ضرر ولا ضرار).
(^٢) قال اللبدي: (هذا إن لم يحصل ضرر فإن حصل حرم كما تقدم) وقال أيضا: (علم منه أنه إن كان له صبر ولا عيال له، أو له ووافقوه فله الصدقة بجميع ماله كما وقع للصديق ﵁، وقال أيضا: (وهل الأفضل كسب المال وصرفه لمستحقيه أو الانقطاع للعبادة وترك الناس؟ فيه خلاف والصحيح الأول لتعدي نفعه) قلت: فإن تفرغ للعلم فيقدم على التكسب لتعدي نفعه الذي هو أهم من إطعام الناس، قال في الإقناع وشرحه: (وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم) الشرعي، وإن لم يكن لازما له (وتعذر الجمع) بين العلم والتكسب (أعطي) من الزكاة لحاجته، و(لا) يعطى من الزكاة (إن تفرغ) قادر على التكسب (للعبادة) لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم.).
(^٣) الكفاية التامة - كما يقولون -: هي التي ليست ناقصة، ولا =
[ ١ / ٥٣٧ ]
والمنُّ بالصَّدقةِ كبيرةٌ (^١)، ويبطُلُ بِهِ الثَّوابُ (^٢).
= فيها غضٌ من الجنس. فيكره لمن ليس متعودًا على ما دون الكفاية التامة: أن يتصدق بما ينقص نفسه عنها؛ لأنه - كما قال الشيخ منصور -: (نوع إضرار بنفسه).
(تتمة) زاد في الغاية هنا: (قال ابن الجوزي: وقد تزهد خلق كثير فأخرجوا ما بأيديهم ثم احتاجوا فدخلوا في المكروهات).
(^١) قال في الإقناع: (وغيرها أيضًا)، كمن يعين إنسانًا في شيء، ثم يمنُّ عليه ويقول: أنا ساعدتك، وأعنتك …، فيحرم، والكبيرة في المذهب: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو لعن - أي: ورد فيها لعن من الشارع -، أو غضب، أو نفي إيمان.
(^٢) أي: يبطل الثواب بالمنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦١].
(تتمة) قال في الغاية: (قال بعضهم: لا لقصد تربيةٍ وتأديب)، أي: إذا كان المن بالصدقة بقصد التربية والتأديب، فإنه لا يبطل به الثواب، ونقل في الإنصاف عن الفروع: (ويحتمل أن يحرم المن إلا عند من كُفِر إحسانه وأُسيء إليه، فله إذَن أن يُعدد إحسانه انتهى،، ويدل عليه أن النبي ﷺ أعطى المؤلَّفة ولم يعط الأنصار، فكأنهم وجدوا، فقال لهم: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضُلَّالًا، فهداكم الله بي؟»)، فأخذ يُعدد ﷺ محاسنه على الأنصار - رضي الله تعالى عنهم - هذا في الصحيحين.
[ ١ / ٥٣٨ ]