وشرطُ وجوبِ الصَّومِ أربعةُ أشياءَ: الإسلامُ (^١)، والبلوغُ (^٢)، والعقلُ (^٣)، والقُدرةُ عليهِ (^٤). فمن عَجزَ عنهُ لكبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى زوالُهُ، أفطَرَ (^٥)، وأطعمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا: مدَّ برٍّ، أو نصفَ صاعٍ مِنْ غيرِهِ (^٦).
(^١) لا يجب الصوم إلا على من توفرت فيه أربعة شروط: (الشرط الأول) الإسلام، فلا يجب على الكافر، ولا يقضيه إذا أسلم، لكن لو أسلم في أثناء اليوم فيجب عليه الإمساك وقضاء ذلك اليوم.
(^٢) (الشرط الثاني) البلوغ، فلا يجب الصوم على من لم يبلغ، لكن يصح منه إن كان مميزًا، وإن بلغ الصبي صائمًا بسن أو احتلام فيجزئه بشرط أن يكون ناويا من الليل؛ بخلاف الصلاة فإنه لو بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها فيجب عليه الإعادة. (فرق فقهي)
(^٣) (الشرط الثالث) العقل، فلا يجب الصوم على المجنون، ولا يصح.
(^٤) (الشرط الرابع) القدرة على الصيام.
(^٥) أي: يجوز للكبير الذي يشق عليه الصوم، وللمريض الذي لا يرجى زوال مرضه أن يفطرَا؛ لعدم وجوب الصوم عليهما، ولا يجب عليه كما في الإقناع، فلو صام صح.
(^٦) لما ورد عن ابن عباس ﵄ عند البخاري في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية): قال: (ليست بمنسوخة، هي =
[ ١ / ٥٤٥ ]
وشرطُ صحَّتِهِ ستَّةٌ: الإسلامُ (^١)، وانقطاعُ دمِ الحيضِ (^٢)، والنِّفاسِ (^٣).
الرَّابعُ: التَّمييزُ (^٤)، فيجبُ على وليِّ المميِّزِ المطيقِ للصَّومِ أمرُهُ بِهِ، وضربُهُ عليهِ؛ ليعتادَهُ (^٥).
= في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم فيطعمان مكان كل يوم مسكينا)
فمن لم يستطع الصوم، وجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا: مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاع من غيره، لكن قالوا: إنه إن كان مسافرًا، فلا يجب عليه القضاء ولا الكفارة.
(^١) فيشترط لصحة صوم الإنسان ستة شروط: (الشرط الأول) الإسلام، فلا يصح من الكافر.
(^٢) (الشرط الثاني) انقطاع دم الحيض، فلا يصح الصوم من الحائض، بل يحرم عليها، وإذا انقطع الدم لم يبح إلا الصوم والطلاق فلا يكون الطلاق بدعيًا، واللبث بوضوء في المسجد، وسبقت في كلام المصنف في كتاب الطهارة.
(^٣) (الشرط الثالث) انقطاع دم النفاس.
(^٤) (الشرط الرابع) التمييز، وهو بلوغ الصبي سبع سنين، فلا يصح الصوم ممن هو دون ذلك، وهو الطفل.
(تتمة) يثاب المميز على العبادات التي يفعلها كالصلاة، والصيام - كما ذكر في الإقناع -، وفي ذلك ترغيب وتحفيز له على الاستكثار من العبادات.
(^٥) هذا الوجوب متعلق بالولي، لا بالمميز، فيلزم الولي أن يأمر =
[ ١ / ٥٤٦ ]
الخامسُ: العقلُ، لكن لو نوَى ليلًا، ثُمَّ جُنَّ أو أُغمِيَ عليهِ جميعَ النَّهارِ، وأفاقَ منهُ قليلًا: صحَّ (^١).
السَّادسُ: النِّيَّةُ مِنْ اللَّيلِ لكلِّ يومٍ واجِبٍ (^٢)، فمَن خَطَرَ
= الصبي - ولو ابن ثمان سنين مثلًا - بالصوم إن أطاقه، أي: إن استطاع أن يصوم، فالأمر، والضرب متعلق بالإطاقة. وعلة ذلك: أن يعتاد الصيام قبل أن يجب عليه.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن التفصيل في أمر الصبي وضربه على الصوم كالصلاة، فيؤمر به إذا استكمل سبع سنوات، ويضرب عليه إذا استكمل عشرًا. وذهب إليه والموفق، والشارح وذكره في الغاية اتجاها.
(^١) (الشرط الخامس) العقل. فمن نوى الصوم من الليل، ثم جُنَّ أو أغمي عليه قبل طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، لم يصح صومه، وعلى المغمى عليه القضاء، دون المجنون. لكن لو أفاق أحدُهما جزءًا - ولو لحظات - من اليوم الذي بيَّت النية له من الليل، ثم جُنَّ أو أغمي عليه ثانيًا، صح صومه.
(^٢) (الشرط السادس) النية. فإن كان الصوم واجبًا، اشترط أن ينويه من الليل؛ لقوله ﷺ: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ويشمل الصوم الواجب: رمضان، وقضاءه، والنذر، والكفارة. وذكروا أن صفة النية: أن يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من نذرٍ، أو كفارة.
أمَّا صوم النفل فيصح بنية من النهار ولو بعد الزوال، كأن =
[ ١ / ٥٤٧ ]
بقلبِهِ ليلًا أنَّهُ صائمٌ، فقد نوَى، وكذا الأكلُ والشُّربُ بنيَّةِ الصَّومِ (^١).
ولا يضرُّ إن أتَى بعدَ النِّيَّةِ بمُنافٍ للصَّومِ (^٢)، أو قالَ:
= ينوي الساعة العاشرة صباحًا مثلا أنه يصوم ذلك اليوم، فيصح صومه حتى لو كان مقيدًا كعاشوراء، أو عرفة؛ لظاهر إطلاقهم، لكنَّ الثواب يبدأ من حين النية، لا من أول اليوم؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) وللقاعدة الفقهية: لا ثواب إلا بنية، وما قبله لم يوجد فيه قصد القربة، لكن يشترط هنا أن يكون ممسكًا عن جميع المفسدات من أول اليوم، وإذا كان كذلك، فهل يحصل لمثل ذلك الشخص ثواب تكفير السنتين مثلًا في عرفة، ونحو ذلك؟. أما الشيخ خالد المشيقح، فيشترط في النفل المقيد أن ينويه من الليل.
(تتمة): على المذهب لو انقطع دم الحائض في أثناء النهار فيصح صومها فيه نافلة بشرط الإمساك عن جميع المفطرات، بخلاف مالو طرأ الحيض عليها أثناء الصوم فلا يصح الصوم. (فرق فقهي)
(^١) هذا تفريع على شرط النية، فإذا قيل: كيف تكون النية؟ والجواب: من خطر بقلبه ليلًا أنه سيصوم غدًا لرمضان مثلا، أو أكل وشرب ليلًا بنية الصوم، فقد حصلت له النية؛ لأن النية محلها القلب.
(^٢) فلو نوى مثلًا بعد المغرب أنه سيصوم غدًا لرمضان أو قضائه مثلا صح، ولو أكل وشرب - مثلًا - بعد ذلك، والنية من الأحكام التي يخالف فيها الصوم غيره من العبادات. فالنية في =
[ ١ / ٥٤٨ ]
«إن شاءَ اللهُ» غيرَ متردِّدٍ (^١). وكذا لو قالَ ليلةَ الثَّلاثينَ مِنْ رمضانَ: «إن كانَ غدًا مِنْ رمضانَ ففرضِي، وإلَّا فمُفطِرٌ»، ويضرُّ إن قالَهُ في أوَّلِهِ (^٢).
وفرضُهُ: الإمساكُ عن المفَطِّراتِ مِنْ طلوعِ الفجرِ الثَّانِي إلى غروبِ الشَّمسِ.
وسُنَنُهُ ستَّةٌ:
- تعجيلُ الفِطرِ (^٣)،
= العبادات - على المذهب - تكون قبل العبادة بيسير - أو مقارنة لها - بعد دخول الوقت، إلا الصوم، فيصح أن ينويه في أي جزء من الليل، ولو بعد المغرب، ولا يشترط أن يجدد النية قبيل الفجر. (فرق فقهي).
(^١) أي: لا يضر لو قال: «سأصوم غدًا إن شاء الله» غير متردد، وغير شاكٍّ، فتصح منه النية. أمَّا لو قال ذلك مترددًا في الصيام، فلا تصح منه، ولا بد أن يأتي بنية أخرى.
(^٢) فلو قال ليلة الثلاثين من رمضان: «إن كان غدًا من رمضان، ففرضي، وإلا فأنا مفطر»، فبان ذلك اليوم من رمضان، فإنه يجزئه؛ لأنَّه بنى على أصل - وهو رمضان - لم يثبت زواله، أما لو قال تلك العبارة ليلة الثلاثين من شعبان قبل أن يتبين هل اليوم بعده من رمضان أو لا فلا يصح منه؛ لأن الأصل الذي بنى عليه هو الفطر لكونه في شعبان، فلا يكون جازمًا بالنية. (فرق فقهي)
(^٣) الفطر له ثلاثة أحكام: ١ - يسن تعجيله: وذلك إذا تحقق =
[ ١ / ٥٤٩ ]
- وتأخيرُ السُّحُورِ (^١)،
= غروبَ الشمس؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ أنَّ الرسول ﷺ قال: «ما زال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر»، متفق عليه. وفطره قبل الصلاة أفضل لفعله ﷺ رواه مسلم من حديث عائشة ﵂. ٢ - إباحة الفطر: وذلك إذا غلب على ظنه غروبُ الشمس. ٣ - حرمة الفطر: وذلك إذا شك في غروب الشمس؛ لأنَّ اليقين لا يزول بالشك.
فإن تبين لمن أفطر بغلبة الظن أو بالشك أنها لم تكن غربت، لزمه القضاء؛ لأنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه، أما لو لم يتبين له شيء، فيجب القضاء على المفطِر بالشك، دون المفطر بغلبة الظن. (فرق فقهي)
وإنما جوَّز الحنابلةُ - على المذهب - الفطرَ إذا غلب على الظن غروبُ الشمس، وألحقوا الظنَ باليقين؛ لأنَّ الصحابة ﵃ لما وُجد غيمٌ حجب عنهم الشمس، وغلب على ظنهم غروبُها، أفطروا، فلما ذهب الغيمُ رأوا الشمسَ. فيجوز لمن كان في مثل حالهم أن يفطر على المذهب، لكن يجب عليه القضاء إن تبين له بعد ذلك أن الشمس لم تغرب - كما تقدم -؛ لأنَّه تبيَّن خطؤه، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو لم يتم الصيام. وهناك خلاف كبير جدًّا في هذه المسألة، بل هناك خلاف في كون الصحابة قضوا ذلك اليوم أو لا. ويرى شيخ الإسلام عدم وجوب القضاء في هذه الحال.
(^١) السُّحور: بضم السين اسم للفعل، وبفتحها: اسم لما يؤكل =
[ ١ / ٥٥٠ ]
- والزِّيادةُ في أعماِل الخَيرِ (^١)،
- وقولُهُ جهرًا إذا شُتِمَ: «إني صائمٌ» (^٢)،
= وقت السحور، ويبدأ وقت السَّحور - على المذهب -: من منتصف الليل، قال في الغاية: (وأوله: نصف الليل)، فلو أكل بعد ذلك كان سحورًا. لكن يسن أن يؤخره، ويتسحر قُبيل الفجر الثاني بيسير. وقد ورد في فضل السحور نصوص كثيرة، منها قوله ﷺ: (تسحَّروا، فإن في السحور بركة). متفق عليه، وتحصل فضيلة السحور بشرب، لكن كمالها بأكل، هكذا في المنتهى والغاية، وأمَّا في الإقناع، فقال: (تحصل فضيلة السحور بأكل، أو شرب، وإن قلَّ، وتمام الفضيلة بالأكل).
(تتمة) يترتب على معرفة حد السَّحَر مسائل، كما لو قال: «والله لا أتسحر»، ثم أكل بعد منتصف الليل، فإنه يحنث؛ لأنه أكل في وقت السحور. أما لو قال: «والله لا أتعشى»، ثم أكل بعد منتصف الليل، فلا يحنث؛ لأن وقت العشاء انتهى، ودخل وقت السحر. فمن المهم معرفة هذه المسائل، ومثلها يذكر في باب الأيمان.
(^١) أي: يسن أن يزيد في أعمال الخير حال صومه في رمضان أكثر من غيره.
(^٢) فيُسن إذا شُتم الصائم أن يقول جهرًا: «إني صائم». وظاهر إطلاق المؤلف أنه يجهر به في رمضان، وفي النفل، وهو ظاهر قوله ﷺ: «فإن سبه أحد، أو قاتله، فليقُل: إني امرؤ صائم»، رواه مسلم. وهذا ظاهر المنتهى، والتنقيح، قال عنه =
[ ١ / ٥٥١ ]
- وقولُهُ عندَ فِطرِهِ: «اللَّهمَّ لكَ صُمتُ، وعلى رِزقِكَ أفطرتُ، سبحانكَ وبحمدكَ، اللَّهمَّ تقبَّل منِّي، إنَّكَ أنتَ السَّميعُ العليمُ» (^١)،
- وفطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ (^٢).
= في تصحيح الفروع: (وهو ظاهر الحديث وكلام الأصحاب) ويعني بالحديث: (فليقل: إني امرئ صائم) ولم يفرق، وهو المذهب، واختاره شيخ الإسلام.
والقول الثاني: أنه يسن الجهر بذلك إن كان في رمضان؛ لأمن الرياء، بخلاف النفل، فيسن أن يُسِرَّ به، فيحصل به زجرُ نفسه مع الأمن من الرياء. واختار هذا القول المجدُ صاحب المحرَّر، وجعله المرداوي في الإنصاف المذهبَ، فقال: (هذا المذهب)، ومشى عليه صاحبا الإقناع، والغاية. لكن المذهب المعتمد: الأول، كما تقدم. والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(^١) يقولها بعد فطره، كما ذكره الشيخ النجدي تبعًا لابن نصر الله، وهو مقتضى حديث ابن عباس ﵄ كان الرسول ﷺ إذا أفطر، قال: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم» رواه الدارقطني.
(^٢) فإن وجد الإنسان رُطبًا وتمرًا، كما يحصل في زماننا عندما يخزَّن الرطب في الثلاجات، ولم أجد كلامًا للأصحاب فيه، وقد أتى واضحًا في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ كان يقدم الرطب على التمر، فقد أتى فيه أنه ﷺ كان: «يُفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن، فعلى تمرات» رواه =
[ ١ / ٥٥٢ ]