ومَن فاتَهُ رمضانُ، قَضَى عَدَدَ أيَّامِهِ (^١)، ويُسنُّ القضاءُ على الفورِ (^٢)، إلا إذا بقيَ مِنْ شعبانَ بقَدرِ ما عليهِ، فيجبُ (^٣).
(^١) أي: يلزمه أن يقضي عدد أيام رمضان، فإن كان ثلاثين يومًا، قضى ثلاثين، وإلا فتسعة وعشرين يومًا.
(^٢) الأصل في الأوامر - على المذهب - أنها على الفور، أي: يجب أن يقوم بها الإنسان فورًا. ويستثنى من ذلك: قضاء رمضان، فيسن - ولا يجب - أن يقضي الإنسان ما فاته من رمضان على الفور؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان النبي ﷺ) متفق عليه. لكن يجب العزم على القضاء إذا لم يفعله فورا في القضاء الموسع وكذا كل عبادة متراخية قاله في الإقناع.
وكذلك يسن التتابع في القضاء؛ تشبيهًا له بالفرض، ويجوز مفرقا.
(^٣) فإذا بقي من شعبان بقدر عدد الأيام التي عليه قضاؤها من رمضان، وجب عليه أن يصومها فورًا، ويحب عليه التتابع. فإن أخَّر بعض الأيام حتى أدركه رمضانٌ آخر بلا عذر، فإنه يلزمه - مع القضاء أو قبله أوبعده - إطعامُ مسكين عن كل يوم، وأما إذا أخر القضاء بعذر كأن يكون مريضا فيلزمه القضاء فقط بلا إطعام.
[ ١ / ٥٦٧ ]
ولا يصحُّ ابتداءُ تطوُّعِ مَنْ عليهِ قضاءُ رمضانَ، فإن نوى صومًا واجبًا أو قضاءً، ثمَّ قلَبَهُ نفلًا، صحَّ (^١).
(^١) أي: لا يصح أن يصوم شخص صيام تطوع إذا كان عليه أيام من رمضان؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: (من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل منه، ومن صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه) رواه الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (احتجاج أحمد به يدل على أنه من جيد حديث ابن لهيعة)
لكن لو نوى صومًا واجبًا كنذر، أو قضاء، ثم قَلَبه نفلًا، صحّ، وهذا الحكم الوضعي. أما الحكم التكليفي، فيكره على المذهب أن يقلب الصومَ الواجب كالنذر والكفارة والقضاء إلى النفل، إذا كان لغير غرضٍ صحيح، وما ذهب إليه الماتن هو قول المنتهى والغاية، وخالف في الإقناع فلم يصحح قلب القضاء نفلا لعدم صحة التطوع ممن عليه قضاء رمضان.
(تتمة): قال الشارح في نيل المآرب هنا: (الظاهر: أنه يشترط لصحة القلب كون الوقت متسعًا)، أي: يشترط لصحة قَلبِ الفرض أو القضاء إلى نفل أن يكون الوقت يتسع لفعل ذلك الصوم النفل، وللقضاء الذي عليه، وإلا لم يصح أن يقلبه نفلًا.
وقول الماتن: (ولا يصح ابتداء تطوع): أي: لا يصح أن يبتدأ صوم يوم قبل قضاء ما عليه من رمضان، أما إن كان صائما لفرض أو قضاء ثم يقلبه نفلا فيصح لكن مع الكراهة إن كان لغير عذر.
[ ١ / ٥٦٨ ]
ويُسنُّ صومُ التَّطوُّعِ (^١)، وأفضلُهُ: يومٌ ويومٌ (^٢).
وسنَّ: صومُ أيَّامِ البِيضِ - وهي: ثلاثَ عَشرَةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ - (^٣)،
وصومُ الخميسِ والاثنينِ (^٤)، وستَّةٍ مِنْ شوَّالٍ (^٥).
(^١) التطوع: هو العبادة التي ليست بواجبة.
(^٢) أي: أفضل صوم التطوع أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وهو صيام داود ﵇. متفق عليه.
(^٣) على المذهب يُسَن أن يصوم المسلم ثلاثة أيام من كل شهر، فإن فعل ذلك، فهو كصيام الدهر. ويسن أن يجعل تلك الأيام الثلاثة: أيامَ البيض. والأيام البيض هي: اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وسميت بذلك لبياض ليلها كله بالقمر، ونهارها بالشمس. وحكى ابن هبيرة في الإفصاح: الإجماعَ على استحباب صيام الأيام البيض.
قال في الإقناع: (وهو كصوم الدهر أي: يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة والله أعلم).
(^٤) أي: يسن صوم الاثنين والخميس، وذلك بإجماع العلماء.
(^٥) يسن أن يصوم المسلم - بعد رمضان - ستة أيام من شوال، والأَولى والأفضل في المذهب أن تكون عقب العيد مباشرة، ويسن أن تكون متتابعة؛ تشبيهًا لها بالفرض. وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر، زاد ابن رجب في اللطائف: (فرضًا)، أي: كأنه صام كل السنة فرضا ذكره البهوتي في الكشاف، ولا تحصل الفضيلة بصيامها في غير شوال ذكره في =
[ ١ / ٥٦٩ ]
وسنَّ: صومُ المحرَّمِ، وآكدُهُ عاشوراءُ - وهو كفَّارةُ سنةٍ - (^١)، وصومُ عشرِ ذي الحِجَّةِ، وآكدُهُ يومُ عرفةَ، وهو كفَّارةُ سنتينِ (^٢)
= الإقناع، قال البهوتي معقبا: (لظاهر الأخبار، وظاهره: أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان وقاله أحمد والأصحاب، لكن ذكر في الفروع: أن فضيلتها تحصل لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطره لعذر، ولعله مراد الأصحاب، وفيه شيء، قاله في المبدع).
(^١) أي: أفضلُ شهر يتطوع بصومه كاملًا هو شهر المحرَّم؛ كما ورد عند مسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرَّم. وآكده عاشوراء - وهو: اليوم العاشر منه -، وصومه كفارة سنة لحديث أبي قتادة رواه مسلم، ثم يأتي بعده الآكدية التاسع.
(^٢) أي: يسن أن يصوم عشر ذي الحجة، والمراد: التسع الأُوَل، فلا يدخل فيها يوم العيد، وإنما قيل "العشر" من باب التغليب. وآكد هذه الأيام التسعة: يوم عرفة، وهو كفارة سنتين؛ كما ورد في حديث أبي قتادة رواه مسلم. والمراد بالتكفير - كما قال في الفروع -: تكفير الصغائر فإن لم تكن صغائر، رُجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رُفعت الدرجات. ذكره في شرح المنتهى، ويلي يوم عرفة في الآكدية: يوم التروية، وهو الثامن.
(تتمة) إنما يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، وفطره بها =
[ ١ / ٥٧٠ ]
وكُرِهَ: إفرادُ رجبٍ (^١)، والجمعةِ (^٢)، والسَّبتِ بالصَّومِ (^٣).
= أفضل إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة.
(^١) أي: يكره أن يفرِدَ شهرَ رجب كلَّه بالصوم، وتزول الكراهةُ بفطر بعضه، ولو يومًا واحدًا، أو بصوم شهر آخر معه في السنة وإن لم يله، لكن كما قال الخلوتي: (غير رمضان).
(^٢) هكذا في المنتهى والغاية، وعبارة الإقناع: (ويكره تعمد إفراد يوم الجمعة بصوم)، فيكره أن يُفرد يومُ الجمعة بالصوم؛ للحديث المتفق عليه: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده).
(^٣) أي: يكره أن يفرد يوم السبت بالصوم؛ للحديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). ويستثنى من كراهة إفراد يومَي الجمعة والسبت: إذا وافق عادةً للشخص، كمن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيصادف صومه يومَ السبت أو يوم الجمعة. وقرَّر الشيخ منصور أنه إذا كان من عادته أن يصوم يوم عرفة، وصادف يومَ السبت أو الجمعة، فيجوز له أن يفرد يوم السبت بالصيام، أما إذا كان ليس من عادته أن يصوم يوم عرفة، وصادف يومُ السبت أو الجمعة يومَ عرفة، أو عاشوراء، فيكره له أن يصومه، وعبارة الشيخ منصور في الكشاف: (إلا أن يوافق) يوم الجمعة أو السبت (عادة) كأن وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء وكان عادته صومهما فلا كراهة؛ لأن العادة لها تأثير في ذلك.). =
[ ١ / ٥٧١ ]
وكرهَ صومُ يومِ الشَّكِّ، وهو الثلاثونَ مِنْ شعبانَ، إذا لم يكن غيمٌ أو قَتَرٌ (^١).
ويحرمُ: صومُ العيدَينِ (^٢)، وأيَّامِ التَّشريقِ (^٣).
= ونحوه من كلام ابن حجر في فتح الباري في سياق كلامه عن صوم يوم الجمعة: (ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة).
(^١) وهذه من مفردات الحنابلة، فلم يوافقنا عليها أحد من المذاهب الأخرى. فإذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحوًا، فلم يكن فيها غيم ولا قتر، ويُكره صوم اليوم الذي يليها تطوعا فهو يوم الشك، ويكره صومه بنية الرمضانية احتياطا ولا يجزئ إن ظهر منه. ويستثنى من كراهة صيام يوم الشك: ١ - إذا وافق عادةً، ٢ - أو صامه عن واجب كقضاء أو كفارة أو نذر فلا يكره؛ لأن صومه واجب إذن، ٣ - أو وَصَلَه بصيامٍ قبله بأكثر من يومين؛ للحديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) متفق عليه، فلو صام ثلاثة أيام، زالت الكراهة.
(^٢) وهذا بالإجماع. وأما الحكم الوضعي، فالجمهور على عدم صحة الصوم فيهما.
(^٣) وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. فيحرُم ولا يصح صيام أيام التشريق لحديث: (أيام منى أيام أكل وشرب) رواه مسلم، ويستثنى من ذلك: من كان =
[ ١ / ٥٧٢ ]
ومَن دَخَلَ في تطوُّعٍ: لم يجب إتمامُهُ (^١)، وفي فرضٍ: يجبُ، ما لم يقلِبهُ نفلًا (^٢).
= متمتعًا أو قارنًا، ولم يجد دمًا، فيصح أن يصوم أيام التشريق.
(^١) فمن دخل في تطوع من صيام أو صلاة مثلًا، فلا يجب عليه أن يتمه، بل يسن، ويكره أن يقطعه بلا عذر. ويُستَثنى من ذلك: الحجّ والعمرة، فمن دخل في أحدهما، ولو تطوعًا، فإنه يحرم عليه قطعهما، ويجب عليه أن يتمهما.
(^٢) أي: من دخل في فرضٍ، فإنه يجب عليه أن يتمه. فمن شرع في صومِ يومٍ من قضاء رمضان أو من كفارة مثلًا، فلا يجوز له أن يقطع ذلك الصوم ويفطر بغير خلاف. وكذلك من أحرم بصلاة واجبة كالظهر، حرم عليه قطعها، ولو اتسع الوقت لأدائها مرة أخرى. لكن يجوز قلب الفرض الذي دخل فيه نفلًا كمن ابتدأ صيام يوم من قضاء رمضان، ثم قلبه نفلًا، فيصح، لكن يكره إذا كان لغير عذرٍ، وتقدم ذلك قريبًا.
وفي الغاية: (ويتجه احتمال: المنع حيلة ليتوصل للفطر) ووافقاه، أي: من قلب فرضه نفلا حيلة لكي يفطره بناء على عدم وجوب إتمام النفل فإنه يحرم قلبه.
[ ١ / ٥٧٣ ]