وشروطُ الغسل سبعة:
انقطاعُ ما يوجبه (^١)، والنيةُ (^٢)، والإسلامُ (^٣)، والعقلُ (^٤)، والتمييزُ (^٥)، والماءُ الطهورُ المباحُ (^٦)، وإزالةُ ما يمنع وصولَه (^٧).
= «اغسلوه بماء وسدر» متفق عليه، وهذه أوامر؛ فتقتضي الوجوب، ولا يجب الوضوء بل يسن، ويستثنى من هذا الموجب - وهو الموت -: شهيد المعركة، والمقتول ظلمًا.
(^١) (الشرط الأول) انقطاع ما يوجبه كانقطاع دم الحيض، والفراغ من الجِماع.
(^٢) (الشرط الثاني) النية، فيشترط أن ينوي؛ للحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وستأتي صيغه.
(^٣) (الشرط الثالث) الإسلام.
(^٤) (الشرط الرابع) العقل.
(^٥) (الشرط الخامس) التمييز، فيشترط كونه مميزًا، وهو - في المذهب -: من استكمل سبع سنوات.
(^٦) (الشرط السادس) الماء الطهور المباح، فيشترط لصحة الاغتسال كون الماء طهورًا لا طاهرًا ولا نجسًا، وكونه مباحًا لا محرَّمًا كالمغصوب والمسروق.
(^٧) (الشرط السابع) إزالة ما يمنع وصوله.
[ ١ / ١٠٣ ]
وواجبُه: التسميةُ، وتَسقُط سهوًا (^١).
وفرضُه: أن يعُمَّ بالماء جميعَ بدنِهِ، وداخلَ فمِهِ وأنفِه (^٢)، حتى ما يظهرُ من فرجِ المرأةِ عند القعودِ لحاجتِها (^٣)، وحتى باطنَ شعرِها (^٤).
ويجبُ نقضُه في الحيض والنفاس لا الجنابة (^٥).
ويكفي الظَّنُّ في الإسباغ (^٦).
(^١) وجهلًا، كالوضوء.
(^٢) وكذلك يغسل ظاهرَ شعره وباطنَه، فلو كانت لحيتُه كثيفة وجب عليه أن يغسلها.
(تتمة) لو أراد الإنسان أن يغتسل غسلًا مجزئًا، فإنه يعمم بدنه بالماء، ويتمضمض ويستنشق، ولا يشترط الترتيب في الاغتسال.
(^٣) ما يظهر من المرأة عند قعودها على رجليها لقضاء حاجتها، فإنه في حكم الظاهر، فيجب غسله.
(^٤) فيجب غسله سواء كان خفيفًا أو كثيرًا، وكذلك الرجل.
(^٥) أي: يجب على المرأة أن تنقض ضفيرة الشعر في الحيض والنفاس؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: (انقضي شعرك واغتسلي) رواه ابن ماجه، أما في الجنابة، فلا يجب عليها أن تنقض شعرها؛ لأنه يكثر فيشق، وإنما الواجب عليها أن توصل الماء إلى باطنه، ويستحب نقضه. أما إذا لم ترو أصوله فيجب نقضه. (فرق فقهي)
(^٦) الإسباغ: هو تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه، فلا يكفي
=
[ ١ / ١٠٤ ]
وسننُه: الوضوءُ قبلَه، وإزالةُ ما لوَّثَه من أذًى (^١)، وإفراغُه الماءَ على رأسِهِ ثلاثًا (^٢)، وعلى بقيةِ جسدِهِ ثلاثًا (^٣)، والتيامُنُ (^٤)، والموالاةُ (^٥)،
= مسحه، أي: لا يكفي أن يبل الإنسان يده بالماء ثم يمسح جسده، بل لابُدَّ أن يجري الماء على العضو. وقوله: (يكفي الظن): فيكفي أن يظن أن الماء قد وصل إلى جميع بشرته، ولا يشترط أن يتقين ذلك؛ لأن اعتبار اليقين هنا - كما يقولون - فيه حرج ومشقة. وفي حديث عائشة ﵂ قالت: (حتى إذا ظن ﷺ أنه قد أَروى بشرته - أي: بشرة شعره - أفاض على جسده - أو على بدنه - الماء) متفق عليه، فاكتفى بالظن.
(^١) أي: إزالة ما لوَّث بدنَه، سواء كان ذلك في فرجه أو في غير فرجه، منيًا كان أو غيرَه.
(^٢) فيأخذ ثلاث حثيات، ويفرغ على رأسه ثلاث مرات.
(^٣) ولم يرد غسل البدن ثلاثًا في الأحاديث، وإنما سن ذلك قياسًا على الوضوء. وكذلك يستحب غسل الميت ثلاثًا؛ لحديث غسل بنت النبي ﷺ، قال ﷺ: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا» متفق عليه.
(^٤) فيبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر.
(^٥) فتسن الموالاة، ولا تجب. وهي: ألا يؤخر غسل بعض جسده حتى يجف ما غسله.
فإن فاتت الموالاة بأن توضأ ثم غسل نصف جسده الأيمن =
[ ١ / ١٠٥ ]
وإمرارُ اليد على الجَسَدِ (^١)، وإعادةُ غسلِ رجليه بمكان آخَرَ (^٢).
ومَن نوى غُسلًا مسنونًا (^٣)،
= مثلًا، ثم بعد ساعة أراد أن يغسل الباقي، فإن ذلك صحيح، لكنه يجدد النية، فينوي إتمام غسله، ولا يجب عليه أن يسمي مرة أخرى على ما ذهب إليه البهوتي في حاشية المنتهى والفرق بين تجديد النية والتسمية: أن النية شرط فيعتبر استمرار حكمها إلى آخر العبادة بخلاف التسمية، وتابعه الخلوتي والنجدي والرحيباني والشطي، وخالف في الغاية فذكر اتجاها بتجديد التسمية أيضا، وخولف. (مخالفة وفرق فقهي)
(^١) فهو من السنن؛ لأن به يتيقن وصول الماء إلى جميع بدنه.
(^٢) أي: غير المكان الذي اغتسل فيه. فيسن أن يغسل رجليه أولًا في الوضوء، ثم يعيد غسلهما بعد ذلك. ولو توضأ ولم يغسل رجليه، وأخَّر غسلهما إلى آخر الاغتسال أجزأه ذلك، نص عليه صاحب الإقناع.
(^٣) ذكر الماتن هنا صيغ النية في الاغتسال، وما الذي إذا نواه ارتفع حدثه.
(الصيغة الأولى) إذا اجتمع غسلان أحدهما مسنون كغسل الجمعة والآخر واجب كغسل الجنابة، ونوى المسنونَ أجزأه عن الواجب وارتفعَ به الحدث الأكبر بشرط أن يكون ناسيًا لحدثه، كما قيده الشارح تبعًا للشيخ منصور في الكشاف تبعا للوجيز، وذلك كتجديد الوضوء، فلا يرتفع به الحدث الأصغر إلا إن كان ناسيًا لحدثه، وفيه نظر؛ بل الأقيس أنه يصح غسله =
[ ١ / ١٠٦ ]
أو واجبًا، أَجزَأَ عن الآخَرِ (^١).
وإن نوى رَفعَ الحدثَين (^٢)، أو الحَدَثِ وأطلقَ (^٣)، أو أَمرًا
= ويرتفع الحدث لو نوى غسلا مسنونا في حال كونه جنبا مثلا، كما لو نوى من عليه حدث أصغر الوضوء لما تسن له الطهارة كقراءة القرآن فيرتفع حدثه وله أن يصلي به. فليحرر. والله أعلم.
(^١) (الصيغة الثانية) إذا اجتمع الغسلان، فله أيضًا أن ينوي الغسل الواجب، ويجزئه عن المسنون.
وأفضل من ذلك أن ينويهما جميعًا، فيغتسل غسلًا واحدًا ينوي به رفع الجنابة وغسل الجمعة، فيحصل له ثوابهما، وهذا من التداخل في العبادة. والأكمل: أن يغتسل للجنابة غسلًا مستقلًا، ثم يغتسل للمسنون غسلًا آخر.
قال في الإقناع وشرحه: (فإن نوى غسلا واجبا أجزأ عن المسنون بطريق الأولى (وإن نواهما) أي الواجب والمسنون (حصلا) أي حصل له ثوابهما وعلم منه أن اللتين قبلهما ليس فيهما إلا ثواب ما نواه، وإن أجزأ عن الآخر لحديث «وإنما لكل امرئ ما نوى» وليس معنى الإجزاء هنا سقوط الطلب: بدليل قوله: (والمستحب أن يغتسل للواجب غسلا ثم للمسنون غسلا آخر) لأنه أكمل).
(^٢) (الصيغة الثالثة) أن ينوي بغسله رفع الحدثين الأكبر والأصغر، فإنهما يرتفعان.
(^٣) (الصيغة الرابعة) أن ينوي بغسله رفع الحدث ويطلق، فلا يقيده بالأصغر أو الأكبر، فإن الحدثين يرتفعان.
[ ١ / ١٠٧ ]
لا يباحُ إلا بوضوءٍ وغُسلٍ أَجزَأَ عنهما (^١).
(^١) (الصيغة الخامسة) أن ينوي بغسله أمرًا لا يباح إلا بوضوء وغسل كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، فيجزئ عنهما ويرتفع الحدثان.
(تتمة) صفة الغسل الكامل: لم يذكر المصنف صفة الغسل، وهي: أن ينوي رفع الحدثين ويسمي ويغسل يديه ثلاثا وما يلوث بدنه طاهرا كان كالمني، أو نجسا كالمذي، ثم يغسل يده، ثم يتوضا وضوءا كاملا، ويحثي رأسه ثلاث غرفات ترويه، ثم يغسل بقية جسده ثلاثا، ويبدأ بميامنه استحبابا، ويدلكه استحبابا ويعيد غسل رجليه بمكان آخر، ويكفي الظن في الإسباغ.
والغسل المجزيءُ: أن ينوي ويسمي ويعمَّ بدنَه بالماء. ويتفقد في غسله أصول شعره، وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطيه، وعمق سرته، وبين أليتيه، وطي ركبتيه. (تنبيه) إذا نوى من أراد الاغتسال وغسل فرجه ودبره، كفى ذلك عن إعادة غسلهما أثناء غسله، فإن انتقض وضوؤه أثناء غسله بأن مس فرجه - مثلا - أو أخرج ريحا، فإنه يكمل غسله، لكنه لا يفعل شيئا مما يشترط له الطهارة من الحدث الأصغر إلا إذا توضأ، قال في المعونة (١/ ٣٧١): (فإن نواهما، ثم أحدث في أثناء غسله أتم غسلَه، ثم إذا أراد الصلاة توضأ).
(تتمة) (الصيغة السادسة) أن ينوي أمرًا لا يباح إلا بغسل فقط كأن ينوي بغسله أن يقرأ القرآن، فيرتفع حدثه الأكبر فقط. =
[ ١ / ١٠٨ ]
ويسنُّ الوضوءُ بمدٍّ، وهو: رِطل وثُلثٌ بالعراقيِّ، وأُوقيتان وأربعةُ أسباع بالقدسيِّ، والاغتسالُ بصاع، وهو: خمسةُ أرطالٍ وثُلثٌ بالعراقيِّ، وعَشرُ أَواقٍ وسُبعان بالقدسيِّ (^١).
= (الصيغة السابعة) أن ينوي بغسله رفع الحدث الأكبر، فيرتفع الحدث الأكبر فقط.
(^١) والمراد: يسن الوضوء بزنة مد البر من الماء كما ذكره ابن النجار في المعونة، فإذا كان وزن المد من البر (٥١٠) جرام، فيسن الوضوء بماء وزنه (٥١٠) جرام من الماء، ويسن الاغتسال بصاع، المراد بقولهم أيضا: يسن الاغتسال بالصاع، أي: يسن الاغتسال بزنة صاع البر من الماء كما ذكره ابن النجار في المعونة، فإذا كان وزن الصاع من البر (٢٠٤٠) جرام، فيسن الاغتسال بماء وزنه (٢٠٤٠) جرام من الماء، وقد حررت الكلام فيه في كتابي: (الفوائد والتحريرات لما عند الحنابلة من المقادير والاصطلاحات).
لتحويل الصاع إلى جرامات، نبدأ أولًا بتحويل الرطل إلى جرامات: الرطل = ٩٠ مثقالًا، والمثقال = ٤، ٢٥ جم. إذن، الرطل = ٩٠ × ٤، ٢٥ = ٣٨٢، ٥ جم.
ثم نستخرج الصاع، وهو خمسة أرطال وثُلث: الصاع = × ٣٨٢، ٥ جم = ٢٠٤٠ جم. إذن، الصاع = ٢، ٠٤ كجم، واللتر من الماء هو عين الكيلو جرام من الماء، فالصاع لتران وأربعون ميليلتر من الماء.
والمد رُبع الصاع، إذن: المد = جم = ٥١٠ جم = ٥١٠ مل (ميليلتر). =
[ ١ / ١٠٩ ]
ويُكره الإسرافُ (^١)، لا الإسباغُ بدون ما ذُكر (^٢).
ويُباحُ الغسل في المسجد ما لم يُؤذِ به (^٣)، وفي الحمَّامِ إن أَمِن الوقوعَ في المحرَّمِ (^٤)، فإن خِيفَ كُره، وإن عُلِم حَرُم (^٥).
= أما صاحب قصد السبيل، فيقول إن الصاع ٢، ٠٣٨ كجم، وهو قريب مما ذكرت.
(تتمة) قال الشارح هنا - وهو أيضًا في المنتهى والإقناع -: وبيان المد والصاع ينفعك هنا، وفي الفِطرة، والفدية، والكفارة بأنواعها، وغير ذلك. فلا بُدَّ أن يعرف طالب العلم مقدار المد والصاع.
(^١) أي: يكره الإسراف في الماء في الوضوء والغسل، ولو كان على نهر جارٍ.
(^٢) الإسباغ: تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه ولا يكون مسحًا.
(^٣) أي: ما لم يؤذِ به أحدًا أو يؤذِ المسجد فيتسخ مثلًا. فإن آذى به حرُم، كما في الغاية اتجاها.
(^٤) والمقصود بالحمَّام - كما سبق - ما يوجد في الشام والمغرب، لا ما يُعرف عندنا بالحمام، فيباح الاغتسال فيه إن أَمِن الوقوع في المحرم، وذلك بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس، ويسلمون من النظر إلى عورته.
(^٥) والمراد بقوله: (عُلِم): أي تيقن الوقوع في المحرم، فيحرم إذن.
[ ١ / ١١٠ ]