المسكرُ المائعُ، وكذا الحشيشةُ (^١)، وما لا يُؤكلُ من
(^١) قيّد المؤلفُ هنا وفي الغاية المسكرَ بالمائع، والمذهب - كما هو ظاهر المنتهى-: نجاسة المسكر مطلقًا، مائعًا كان أو غير مائع، ويتفرع عن ذلك نجاسة الحشيشة المسكرة كما ذكر المؤلف هنا خلافًا لما في الغاية، كما في الإقناع وشرح المنتهى لابن النجار، قال في الإنصاف: (الحشيشة المسكرة نجسة على الصحيح، اختاره الشيخ تقي الدين).
وخالف في الغاية فقال: (النجس مائع محرم ولو غير مسكر لا حشيشة مسكرة خلافا له، وقيل: إن أميعت فنجسة وهو حسن)، وحكاه في الإنصاف قولا آخر. (مخالفة الماتن)
قال الشيخ منصور بعد ذكر الإقناع بأن الحشيشة المسكرة نجسة: (اختاره الشيخ تقي الدين والمراد بعد علاجها كما يدل عليه كلام الغزي في شرحه على منظومته وقيل: طاهرة قدمه في الرعاية الكبرى وحواشي صاحب الفروع على المقنع وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب وهو الصواب قاله في تصحيح الفروع والقول الثاني هو ظاهر ما قدمه في المبدع).
(تتمة) اشترط المؤلف كون المسكر مائعًا هنا وفي مواطن كثيرة، ومن ذلك: أنه لا يحَدُّ عنده من تناول مسكرًا جامدًا ولو سكر، خلافًا لصاحب المنتهى، فقال بإقامة الحد عليه =
[ ١ / ١٣٨ ]
الطيرِ، والبهائمِ مما فوق الهِرِّ خِلقَةً، نجِسٌ (^١).
وما دونها في الخِلقةِ كالحيّةِ، والفأرِ (^٢)، والمسكرُ غيرُ
= وفاقًا لشيخ الإسلام ﵏ جميعًا. ومن ذلك أيضًا: أنَّ متناولَ المسكر الجامد لو طلق زوجته لم يقع طلاقه، والمذهب وقوعه.
(^١) والدليل على نجاستها أن رسول الله ﷺ لما سئل عن الماء يكون في الفلاة، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» رواه الخمسة، ففُهم منه: أن تلك السباع والدواب الكبيرة كلها نجسة، وإلا لم يسأل الصحابة عن الماء الذي تشرب منه، فما لا يؤكل من الطيور الكبيرة كالصقر والنسر، والبهائمِ الكبيرة كالأسد والنمر، كلها نجسة.
(^٢) فهي طاهرة، وإنما استثناها الحنابلة؛ للحديث: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات» رواه أبو داود والنسائي. ومما دون الهر في الخلقة كما قال الماتن: الحية، قال الشارح التغلبي: (لم أرها لغيره)، قال اللبدي: (وفي حفظي القديم أنه صرح بها في الإنصاف)، وعبارته في الإنصاف - تبعا للفروع -: (لا يكره سؤر الهر وما دونها في الخلقة على الصحيح من المذهب … لأنها تطوف، ولعدم إمكان التحرز منها كحشرات الأرض، كالحية).
(تتمة) حجم الحيات والثعابين يختلف كثيرًا، وبعضها قد يتجاوز في خلقته حجمَ الهر، والذي يظهر أنه إنما يحكم بطهارة الحية أو الثعبان أو الفأر أو نحوها من الحيوانات =
[ ١ / ١٣٩ ]
المائعِ، فطاهرٌ (^١).
وكلُّ ميْتةٍ نجسةٌ (^٢)، غيرَ ميتةِ الآدميِّ (^٣)، والسمكِ (^٤)، والجرادِ، وما لا نَفسَ له سائلةٌ كالعقربِ، والخُنفُساءِ، والبَقِّ، والقَملِ، والبراغيثِ (^٥).
وما أُكِلَ لحمُه، ولم يكن أكثرُ علفِهِ النجاسةَ: فبولُه، وروثُه، وقيؤُه، ومذيُه، ووديُه، ومنيُّه، ولبنُه، طاهرٌ (^٦).
= ما دامت في حجم الهر أو دونه، وإلا حُكم بنجاستها. والله أعلم.
(^١) مثال المسكر غير المائع: كالبنج ونحوه مما يسكر قاله ابن عوض.
(^٢) الميتة: هي كل ما مات حتف أنفه.
(^٣) فالآدمي - ولو كان كافرًا - لا ينجس بالموت.
(^٤) فميتة السمك طاهرة، وما قطع منه وهو حي طاهر؛ لقوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وكل ما لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر، ويستثنى منه: ميتة التمساح والحية والضفدع.
(^٥) المراد بالنَّفْسِ هنا: الدم، فهذه المخلوقات التي ليس لها دم يسيل - وإن كان لها دم - ميتتها طاهرة.
(تتمة) ميتة الوزغ نجسة، كما في الإقناع؛ لأن له دمًا يسيل، ومثله الحية، والفأر، والضفدع.
(^٦) وكذا عرقه وريقه طاهر. والدليل أمرُه ﷺ بالصلاة في مرابض الغنم. رواه الإمام أحمد وأبو داود، قال الزركشي: («مرابض
=
[ ١ / ١٤٠ ]
وما لا يؤكلُ: فنجسٌ (^١) إلا منيَّ الآدميِّ، ولبنَه، فطاهرٌ (^٢).
والقيحُ والدمُ والصديدُ (^٣) نجِسٌ، لكن يُعفَى في الصلاة (^٤)
= الغنم» اسم لمواضع ربضها، أي إقامتها، «ومبارك» اسم لموضع البروك)، ومع الحكم بطهارتها، إلا أنه لا يجوز في المذهب - كما هو مقرر في كتاب الأطعمة - شرب البول وأكل الروث الطاهرين إلا لضرورة أو حاجة كالتداوي؛ لأمره ﷺ العرنيين بالشرب من أبوال الإبل. متفق عليه.
وقوله: (ولم يكن أكثر علفه النجاسة): فإن كان أكثر علفها النجاسة - وهي الجلالة -، فإن بولها نجس.
(تتمة) مباشرة النجاسة مكروه على المذهب، لكن يجب اجتناب النجاسة للصلاة.
(^١) المراد: جميع ما تقدم من البول والروث وغيرها مما لا يؤكل كالهر والفأر، فهو نجس.
(^٢) فالمني طاهر؛ لأنه ﷺ كان يخرج إلى الصلاة والمنيّ على ثوبه. لكن يستحب غسله أو فركه إن كان منيَّ رجل قاله البهوتي في الكشاف؛ لحديث عائشة ﵂ رواه مسلم. لكن يستثنى ما ذكره في شرح المنتهى في باب الغسل عن الرعاية: أنه لو خرج المني من اليقظان من غير لذة، أو خرج من غير مخرجه فإنه نجس.
(^٣) القيح: هو الأبيض الخاثر الذي لا يخالطه دم، فإذا اختلط بالدم سمي صديدًا.
(^٤) في الثوب والبدن فقط، ولا يعفى عنه في مائع أو مطعوم =
[ ١ / ١٤١ ]
عن يسيرٍ منه لم ينقُض (^١)، إذا كان من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة (^٢)، ولو من دم حائضٍ (^٣).
ويُضمُّ يسيرٌ متفرقٌ بثوب، لا أكثرَ.
وطينُ شارعٍ ظُنَّت نجاستُه (^٤)، وعرقٌ، وريقٌ من
= ولو لم يدركه الطرف كالذي يعلق بأرجل الذباب، ويستثنى: دم الشهيد فإنه طاهر، لكن يشترط أن يكون عليه فإن انفصل فهو نجس.
(^١) أي: الوضوء. فضابط اليسير هنا: ما لا ينقض الوضوءَ خروجُ قدره من البدن، وهو ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه، كما تقدم في نواقض الوضوء. وقوله (منه): أي من القيح، والدم، والصديد.
(^٢) فإنما يعفى عن يسير الدم، والقيح، والصديد إذا كان من حيوان طاهر ولو غير مأكول، فيعفى مثلًا عن يسير دم فأر وقع على ثوب أو بدن.
(^٣) والمقصود: الدم الخارج من مسلك الذَّكَر حيضًا كان أو نفاسًا، بخلاف الدم الذي يخرج من مسلك البول أو الغائط، فلا يعفى عن يسيره.
(^٤) فهو طاهر، قال اللبدي: (وكذا تراب الشوارع إذا سَفَّته الريح إلى ثوب رطب أو بدن، لو علق بالثياب ونحوها فحكمه حكم الطين إن ظنت نجاسته طاهر، وإن تحققت يعفى عن يسيره، ولا فرق بين أيام الشتاء وغيرها كما هو ظاهر)، وأصل كلامه من الشيخ منصور في شرح المنتهى وعبارته: (وطين شارع =
[ ١ / ١٤٢ ]
طاهرٍ (^١)، طاهرٌ.
ولو أَكَلَ هِرٌّ، ونحوُه، أو طفلٌ نجاسةً، ثم شربَ من مائعٍ، لم يضرَّ (^٢).
= ظنت نجاسته طاهر. وكذا ترابه، عملا بالأصل. فإن تحققت نجاسته عفي عن يسيره،)، بل أصله في الإقناع، وعبارته: (وطين الشارع وترابه طاهر ما لم تعلم نجاسته).
أما لو تُحقِّقَت نجاسة طين الشوارع، فهو نجس، لكن يعفى عن يسيره.
(تتمة) وهل مثل الطين والتراب الماء النجس فيعفى عن يسيره؟ الظاهر من كلامهم أنه لا يعفى عن يسيره، قال في المنتهى وشرحه: (و) يعفى أيضا عن (يسير ماء نجس بما) أي بشيء (عفي عن يسيره) كدم وقيح وصديد (قاله ابن حمدان) في رعايته، وعبارته: وعن يسير الماء النجس بما عفي عن يسيره من دم ونحوه (وأطلقه) أي أطلق القول بالعفو عن يسير الماء النجس (المنقح) في التنقيح (عنه) أي عن ابن حمدان، فلم يقيده بما عفي عن يسيره، ووجهه: أن الماء المتنجس بل كل متنجس حكمه حكم نجاسته. فإن عفي عن يسيرها كالدم عفي عن يسيره، وإلا كالبول لم يعف عنه؛ لأنه فرعها، والفرع يثبت له حكم أصله)، لكن مسألتنا فيما لو كان في الشوارع وعمت به البلوى، فليحرر. والله أعلم.
(^١) أي: من حيوان طاهر، مأكولًا كان أو غير مأكول.
(^٢) فلا يؤثر ذلك في المائع الذي شرب منه، ولا يسلبه الطهورية، =
[ ١ / ١٤٣ ]
ولا يُكره سؤرُ حيوانٍ طاهرٍ، وهو: فَضلةُ طعامِهِ وشرابِه (^١).
= ولا يُحكم بنجاسته؛ لمشقة التحرز منه.
(^١) أي: لا يُكره استعمال سؤر الحيوان الطاهر، وليس نجسًا. والسؤر - كما فسره المؤلف -: هو فضلة طعامه وشرابه. فلو شرب هر مثلًا من ماء، فما يبقى بعد شُربه ليس نجسًا، ويجوز استعماله، والله أعلم.
[ ١ / ١٤٤ ]