ومَن جاوَزَ دمُها خمسةَ عشرَ يومًا، فهي مُستحاضَةٌ (^١)، تجلسُ من كُلِّ شهرٍ ستًا أو سبعًا حيث لا تميِيزَ (^٢)، ثم تغتسلُ،
(^١) الاستحاضة: هي سيلان الدم في غير زمن الحيض، وضابطها - كما قال المؤلف -: كل من جاوز دمها خمسة عشر يومًا، وهو ما مشى عليه المنتهى والإنصاف، وهو المذهب. أما الإقناع - تبعا للشرح والمبدع - فجعل المستحاضة كلَّ مَنْ ترى دمًا لا يصلح حيضًا ولا نفاسًا، ويترتب على هذا الخلاف جملة من المسائل: فعلى كلام المنتهى: ما نقص عن اليوم والليلة، وما تراه الحامل لا قرب ولادة، وما تراه قبل تمام تسع سنين دم فساد لا تثبت له أحكام الاستحاضة، وعلى كلام الإقناع يكون استحاضة تثبت له أحكامها، ونبه عليه البهوتي في الكشاف، والنجدي. (فرق فقهي)
(^٢) فإذا كانت المرأة معتادة يأتيها الحيض ستة أيام كل شهر مثلًا، ثم جاوز دمها في أحد الشهور خمسةَ عشرَ يومًا، فعلى كلام المؤلف: إن كان الدم متميزًا باللون أو الشكل أو الرائحة بأن كان بعضه أحمر وبعضه أسود، أو بعضه ثخينا - أي: ثقيلا - وبعضه رقيقا، أو بعضه منتنا وبعضه غير منتن، فإنها تجعل عدتها أيامَ الدم الأسود، أو المنتن، أو الثقيل، وما عداه فليس بحيض. أما لو لم يكن دمها متميزًا، فكان بصفة ولون =
[ ١ / ١٥٢ ]
وتصومُ، وتصلي بعد غَسلِ المَحلِّ وتعصِيبِه (^١)، وتتوضَّأُ في وقتِ
= ورائحة واحدة، فإنها تجلس من كل شهر ستًا أو سبعًا، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم.
هذا ما سطره المؤلف، ويحتاج لتأمل كثير، فلا يُدرى هل أراد بذلك المبتدَأَة، أم المستحاضة المعتادة؟.
والمذهب أن المبتدَأَة - وهي من يأتيها الحيض لأول مرة - لها ثلاث حالات. قال في الحواشي السابغات: (والحاصل أن المبتدأة إذن لها ثلاث حالات:
١ - أن لا يجاوز دمها أكثر الحيض، فتجلس أقله حتى يتكرر ثلاثًا، ثم تجلس عادتها في الشهر الرابع.
٢ - إن جاوز أكثره وكان متميزًا، فإنها تجلس المتميز من الشهر الأول، والشهر الثاني وهكذا، ولا يحتاج لتكرار.
٣ - إن جاوز أكثره ولم يكن متميزًا، فتفعل كما تفعل الأولى، لكن تجلس في الشهر الرابع غالب الحيض).
وأما المعتادة إن صارت مستحاضة: ١ - فإنها تلبث عادتها وتترك الزائد عليها، ٢ - فإن نسيت عادتها وكان دمها متميزًا، فإنها تجلس أيام ذلك الدم، ٣ - فإن لم يكن لها تمييز، جلست من كل شهر ستة أيام أو سبعة.
وهناك تفصيل كثير في مسائل المستحاضة، وأفضل من تكلم في باب الحيض من المتون المختصرة هو متن زاد المستقنع.
(^١) بعدما تجلس المستحاضة أيام عادتها، أو أيام الدم المتميز، أو الأيام الستة أو السبعة من كل شهر، فإنها تغتسل وجوبًا، =
[ ١ / ١٥٣ ]
كلِّ صلاةٍ (^١)،
= وتصوم حتى مع بقاء الدم. وتصلي بعد غسل المحل وتعصيبه - أي: عقده وربطه وجوبًا - عصبا يمنع الخارج، ولا يكفي في عصرنا الحفاضات المعروفة التي تباع في الصيدليات؛ لأنها لا تمنع من خروج الدم بل تكفه عن أن ينتشر على الثياب فقط.
(^١) يجب على المستحاضة أن تتوضأ في وقت كل صلاة إن خرج شيء، وتبطل طهارتها بخروج الوقت وبدخوله. أما لو توضأت، ثم لم يخرج شيء بعد العصب، فلا يجب عليها أن تتوضأ لوقت الصلاة الأخرى، ولا يبطل وضوؤها بخروج الوقت.
(تتمة) ظاهر عبارة المؤلف أن الوضوء لا يبطل بخروج الوقت بل بدخوله فقط وهو ظاهر عبارة المنتهى، وذهب صاحب الإقناع والمصنف في الغاية أنه يبطل بخروج الوقت أيضا، فلو توضأت بعد طلوع الفجر الثاني، ثم طلعت الشمس فلا تبطل طهارتها على ما في المنتهى، وتبطل على ما في الإقناع. (مخالفة الماتن)
والدليل على وجوب وضوئها لوقت كل صلاة قوله ﷺ في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» رواه أبو داود وابن ماجه، وهذه الزيادة - مع كونها في صحيح البخاري لما جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا، إنما ذلك عرق، =
[ ١ / ١٥٤ ]
وتنوي بوضوئِها الاستباحَةَ (^١).
= وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» - قال: وقال أبي: - «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت» -، إلا أن ابن رجب صوَّب في فتح الباري أنها من قول عروة، فهي مدرجة، وقال أيضا: (أحاديث الوضوء لكل صلاة، قد رويت من وجوه متعددة، وهي مضطربة - أيضا - ومعللة). ولذلك - فيما أعلم - لما طُبع هذا الكتاب في آخر حياة الشيخ ابن عثيمين ﵀، رجع عن القول بوجوب الوضوء على من حدثه دائم كمن به سلس البول مثلًا، والله أعلم.
لكن المذهب عندنا - والاحتياط -هو أن تتوضأ لكل صلاة إن خرج شيء، والله أعلم.
(^١) وجوبًا، فتنوي استباحة الصلاة مثلًا. فكل من حدثه دائم كالمستحاضة، ومن به سلس البول، أو الغائط، أو الريح، فإنه لا تجزئه نية رفع الحدث، بل ينوي الاستباحة.
في الحواشي السابغات: (هل يرتفع حدث من حدثه دائم؟ قال بارتفاعه: الإقناع خلافًا للغاية، ولم يذكر المنتهى هذه المسألة. وما في الإقناع هو المذهب، ولا يُردُّ كلامُ الإقناع بقول الغاية. ووفّق البهوتي بينهما فقال: بارتفاع الحدث السابق لا المقارن الموجود، وصرَّح في الكشاف بعدم تعيين النية للفرض، فلا تعتبر هنا بخلاف التيمم؛ لأن طهارتها ترفع الحدث بخلافه.
قلت: وإذا شدَّ مَنْ حدثه دائم على المحل شيئًا يمنع الخارج، =
[ ١ / ١٥٥ ]
وكذا يفعلُ كلُّ من حدثُهُ دائمٌ (^١).
ويحرُمُ وطءُ المستحاضةِ (^٢)،
= فالقول برفع الحدث لا ينبغي التوقف فيه، والله أعلم.
(تتمة) الفرق بين التيمم والحدث الدائم: يتفق المتيمم ومن حدثه دائم في تعين نية الاستباحة لهما، ومن الفروق بينهما: أن حدث المتيمم - إذا تيمم - لا يرتفع، بخلاف حدث من حدثه دائم - إذا توضأ -، فإنه يرتفع على ما ذهب إليه الإقناع. قال الشيخ منصور: على الصحيح، وذهب في الغاية إلى أن حدث من حدثه دائم لا يرتفع، وقال: (خلافًا له). لكن الصواب والصحيح ما في الإقناع، وهو ما مشى عليه الشيخ منصور في عدة مواضع.
وفائدة القول بأن حدث المتيمم لا يرتفع وحدث من حدثه دائم يرتفع - مع التسوية بينهما في تعيين نية الاستباحة - ما جاء في الإقناع حيث قال: (ولا يحتاج إلى تعيين نية الفرض). قال الشيخ منصور معللا: (لأن طهارته ترفع الحدث بخلاف التيمم)، والمراد: أن من حدثه دائم لو نوى استباحة الصلاة صلى بها ما شاء فروضًا ونوافل، أما المتيمم فإنه لو نوى استباحة صلاة نفل مثلًا لم يصلِّ به فرضًا، والعكس بالعكس. والله أعلم). انتهى من الحواشي السابغات.
(^١) أي: وكذا يفعل من غسل المحل وعصبه والوضوء في وقت كل صلاة كلُّ مَنْ حدثه دائم كمن به سلس بول أو مذي أو ريح ونحوها.
(^٢) إلا إذا خشي أحدهما العنت - وهو الزنا - فيجوز الوطء. =
[ ١ / ١٥٦ ]
ولا كفارَةَ (^١).
والنفاس (^٢): لا حَدَّ لأقلِّهِ، وأكثُرُه أربعون يومًا (^٣).
ويثبت حكمُهُ بوضعِ ما تبيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ (^٤).
فإن تخلَّلَ الأربعين نقاءٌ، فهو طُهرٌ، لكن يكرَهُ
= وكذلك لو كان بالزوج شَبَق، وتقدم ذكره قريبًا.
(^١) لعدم ثبوت أحكام الحيض فيه.
(^٢) النفاس: دم ترخيه الرحم مع ولادة أو قبلها بيومين أو ثلاثة بأمارة. فتشترط الأمارة - وهي الألم، أو الطلق - ليحكم على الدم الذي يسبق الولادة بيومين أو ثلاثة أنه نفاس، لكن لا يحسب من الأربعين يومًا، أي: من مدة النفاس. ويترتب على الحكم بكونه نفاسًا أنها تترك خلاله الصلاة والصوم.
(^٣) لحديث أم سلمة ﵂: كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تجلس أربعين يومًا رواه أبو داود، وقد حكى الترمذي الإجماعَ على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا.
(^٤) أقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان أحد وثمانون يومًا، أي: شهران وأحد وعشرون يومًا. وغالبه ثلاثة أشهر، كما قال المجد، هذا هو المذهب، وهو الذي دلت عليه السنة، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. فلو وضعت المرأة لشهرين وأتاها دم، فليس بنفاس، لأنه أقل من أحد وثمانين يومًا.
ولا بد أن يتبين فيه خلق الإنسان، فلو وضعت بعد واحد وثمانين يومًا مخلوقًا لا يظهر فيه عين، ولا قدم مثلًا، فإن الدم الذي يصحبه لا يكون نفاسًا.
[ ١ / ١٥٧ ]
وطؤُها فيه (^١).
ومن وَضَعَت ولدَين فأكثرَ، فأوَّلُ مدةِ النفاسِ من الأوَّلِ؛ فلو كان بينهما أربعون يومًا، فلا نفاسَ للثاني.
وفي وطءِ النفساءِ ما في وطءِ الحائضِ (^٢).
ويجوزُ للرَّجلِ شُربُ دواءٍ مباحٍ يمنعُ الجِماعَ (^٣)، وللأنثى شُربُهُ لحصولِ الحيضِ، ولقطعِهِ (^٤).
(^١) فإذا رأت الطهر قبل نهاية الأربعين يومًا، فإنه يكون طهرًا، ويكره وطؤها فيه. فإن عاد الدم خلال الأربعين فمشكوك فيه، قال البهوتي: (أي: في كونه دم نفاس أو دم فساد).
(^٢) أي: وجوب الكفارة.
(^٣) فيجوز للرجل شرب دواء مباح - لا محرم - كالكافور مثلًا يمنع الجماع، أي: يقلل، ويُذهب عنه شهوة الجماع.
(^٤) أي: يجوز للأنثى شرب الدواء لحصول الحيض، ولقطعه المؤقت كالحبوب المتادولة. قال في الإقناع: (مع أمن الضرر).
وتقيد إباحة شرب الدواء لحصول الحيض ألا يكون ذلك قرب رمضان بقصد الإفطار فيه، كما في الإقناع، وإلا حرُم. لكن لو شربت الدواء، ونزل الحيض، فإنها لا تصوم، وتقضي وجوبًا، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٨ ]