الأَولى بها: الأجودُ قراءةً، الأفقهُ (^١).
ويقدَّمُ قارئٌ لا يعلمُ فقهَ صلاتِهِ على فقيهٍ أُمِّيٍّ (^٢).
ثم الأسنُّ (^٣)، ثم الأشرفُ (^٤)،
= (تتمة) ذكر اللبدي أيضًا هنا أن السنن الرواتب أفضل في البيت منها في المسجد الحرام.
(^١) أي: يقدم على غيره تقديم استحباب، والمراد بالأجود قراءة: من يُجَوِّد قراءته، ويتقن مخارج الحروف، والقراءةَ بالغنة، ونحوها، أكثر من غيره قاله ابن عوض نقلا عن الحفيد، وقال أيضا الأفقه: من يعرف أحكام الصلاة من شروط، وأركان، وواجبات، ومبطلات.
(^٢) أي: يُقدَّم قارئ يحسن القراءة ولا يعرف فقه صلاته - بأن لا يميز بين الفرض والسُّنَّة ونحو ذلك قاله في الغاية - على فقيه أُمِّي.
وقوله: (على فقيه أمي) من زوائد الإقناع على المنتهى، وهو تعبير مشكل؛ لأنه لا تصح إمامة الأمِّيّ على المذهب - كما سيأتي - إلا بمثله فقط إلا أن يقال: ويقدم قارئ .. أي: وجوبا قاله اللبدي.
(^٣) أي: الأكبر سِنًا؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، وإلى إجابة الدعاء.
(^٤) والمراد بالأشرف هنا: القرشيُّ فقط، كما في المنتهى والإقناع؛ =
[ ١ / ٣٠٣ ]
ثم الأتقى والأورعُ (^١)، ثم يُقرعُ (^٢).
= إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى. وفي الإقناع: (وهو مَنْ كان قرشيًا، يقدمُ منهم بنو هاشم على مَنْ سواهم كبني عبد شمس ونوفل).
(تتمة) يلي هذه المرتبة - وقد أسقطها الماتن -: الأقدم هجرة بنفسه - لا بآبائه - إلى دار الإسلام، ومثلها السبق بالإسلام، فيقدم من سبق بالإسلام على مَنْ تأخر إسلامه عنه.
ودليل ما تقدم في التقديم للإمامة: حديث أبي مسعود البدري مرفوعا «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» رواه مسلم.
(^١) التقوى: قال الشيخ منصور في شرح خطبة الإقناع: (توقي ما يؤثم من فعل أو قول حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى في الشرع ومنه قوله تعالى ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾ [الأعراف: ٩٦])، والورع عرفه البهوتي هنا بقوله: (قال القشيري في رسالته: الورع اجتناب الشبهات زاد القاضي عياض في المشارق: خوفا من الله تعالى) ونقل كلام ابن القيم ﵀: (الورع ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة).
وظاهر كلام الماتن - كالإقناع والمنتهى - أن التقوى والورع شيء واحد.
(^٢) فإذا اتفق الحاضرون في كل ما تقدم، فإنه يقرع بينهم فمن =
[ ١ / ٣٠٤ ]
وصاحبُ البيتِ، وإمامُ المسجدِ - ولو عبدًا -، أحقُّ (^١).
والحرُّ أَولى من العبدِ (^٢).
والحاضرُ، والبصيرُ، والمتوضئُ، أَولى من ضدِّهم (^٣).
= خرجت له القرعة فهو أحق قياسا على الأذان، وهكذا في المنتهى، وهو المذهب. أما في الإقناع - وتبعه في الغاية -، فقد جعل قبل القرعة: تقديم مَنْ يختاره الجيران المصلون في المسجد، أو كان أعمرَ للمسجد، فإن اختاروا أكثر من واحد، قُرع بينهم، وتعقبه البهوتي بأنها طريقة لبعض الأصحاب. (مخالفة الماتن)
(^١) أي: أحق بالإمامة من غيرهما، بشرط كونهما صالحين للإمامة، قال في الإقناع: (فيحرم تقديم غيرهما عليهما بدون إذن ولهما تقديم غيرهما ولا يكره بل يستحب إن كان أفضل منهما)، ويستثنى من ذلك: الإمام الأعظم - أي: السلطان - ونوابه، فإنهم يقدمون على صاحب البيت وإمام المسجد؛ لأنه ﷺ أم عتبان بن مالك وأنسا في بيوتهما. متفق عليهما.
(^٢) أي: أولى منه بالإمامة؛ لأن الحرية أكمل وأشرف.
(^٣) فالحاضر وهو المقيم أَولى من المسافر بالإمامة؛ لأنه ربما قصر ففات المأمومين بعض الصلاة جماعة، والبصيرُ أَولى من الأعمى؛ لأن البصير أقدر على توقي النجاسة، والمتوضئ أَولى من المتيمم؛ لأن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم.
وهل يقدم الحاضر والبصير والمتوضئ والحر على ضدهم ولو كان مَنْ ضدهم أقرأ؟
=
[ ١ / ٣٠٥ ]
وتُكره إمامةُ غيرِ الأَولى بلا إذنِهِ (^١).
ولا تصحُّ إمامةُ الفاسقِ (^٢)، إلا في جمعةٍ وعيدٍ تعذرَا
= في كلام الإنصاف ما يشعر بتقديم الحر مطلقا، ولو كان العبدُ أقرأ منه، حيث قال: (قوله: والحر أولى من العبد ومن المكاتب، ومن بعضه حر. وهو المذهب مطلقا، ، وعنه: لا يقدم عليه إلا إذا تساويا). فقوله: (وعنه: لا يقدم إلا إذا تساويا) يدل على أن المذهب تقديم الحر مطلقا، والرواية الثانية تفيد بأنه يقدم الحر إذا تساوى مع العبد، وهل غير الحر مثله في هذا؟ فيقدم ولو كان غيره أقرأ منه، فليحرر.
ثم وجدت في هامش هداية الراغب - بدون نسبة لأحد -: (قوله: (ومقيم أولى …) إلخ؛ ظاهر إطلاقهم أن الثلاثة أولى من ضدهم ولو كان مع عدم التساوي حيث كانوا صالحين، كما صرَّحوا به في جانب الحر مع العبد، والله تعالى أعلم). قلت: وهذا يدل على تقديم الحر والحاضر والمتوضئ على ضدهم ولو كان مَنْ ضدهم أقرأ منهم. والله أعلم.
(^١) أي: يُكره أن يؤم غيرُ الأَولى من هو أَولى منه كالمتيمم يؤم المتوضئ، فيكره، إلا إذا أذِن له المتوضئ، ويستثنى من ذلك: إمامةُ المسافر بالمقيم، فلا تكره إن قصر الصلاة، فإن أتم كرهت إمامته كذا في الإقناع وتابعه البهوتي في شرح المنتهى.
(^٢) الفاسق: من أتى كبيرة، أو داوم على صغيرة قاله في الإقناع هنا، فلا تصح إمامة الفاسق - ولو بمثله - سواء أعلن بفسقه أو أخفاه ويعيد إذا علم، سواءً كان فاسقًا من جهة الأفعال - كشارب الخمر -، أو من جهة الاعتقاد كالرافضي، وأحكام =
[ ١ / ٣٠٦ ]
خلفَ غيرِهِ (^١).
وتصحُّ إمامةُ: الأعمى الأصمِّ (^٢)، والأقلفِ (^٣)، وكثيرِ لحنٍ لم يُحلِ المعنى (^٤)،
= الفاسق تُذكر عادة في كتاب الشهادات، فإن خاف أذى بترك الصلاة خلف الفاسق صلى خلفه وأعاد نصا.
(تتمة) كيف يتصرف الحنبلي لو أقيمت الصلاة وتقدم الإمام الفاسق؟ فله أن يتركه، أو يصلي ويوافقه في الأفعال فقط دون نية الاقتداء به، قال في المنتهى وشرحه: (فإن وافقه) أي: الفاسق (في الأفعال منفرد) بأن لم ينو الاقتداء به (أو) وافقه في الأفعال (في جماعة خلفه بإمام) عدل (لم يعد) لأنه لم يقتد بفاسق وكذا إن أقيمت الصلاة وهو في المسجد، والإمام لا يصلح).
(^١) فتصحان خلف الفاسق بشرط ألا يوجد غيره ممن يمكن أن يُصلَّى خلفه، فإن وجد غير الفاسق، لم تصحَّا خلفه.
(^٢) أي: تصح الصلاة خلف أعمى أصم مع الكراهة، كما سيذكر المؤلف، والأصم هو الذي لا يسمع.
(تتمة) أما الصلاة خلف الأخرس فلا تصح ولو بأخرس؛ لأنه لم يأت بفرض القراءة ولا بدله، ويذكرون في صفة الصلاة: أن الأخرس يحرم بقلبه، ولا يحرك لسانه، وكذا حكم القراءة وباقي الأذكار والتشهد والتسليم والتكبير من الصلاة.
(^٣) وهو الذي لم يختتن فتصح إمامته مع الكراهة، قال في الغاية: (ويتجه: لا إن ترك الختان بالغا مصرا بلا عذر؛ لفسقه) ووافقاه.
(^٤) اللحن: هو الخطأ في الإعراب، كما قال في المطلِع، وإحالة =
[ ١ / ٣٠٧ ]
والتَّمتامِ الذي يكررُ التاءَ (^١)، مع الكراهةِ (^٢).
ولا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن شرطٍ أو ركنٍ، إلا بمثلِهِ (^٣)، إلا الإمامُ الراتبُ بمسجدٍ المرجوُّ زوالُ علتِهِ، فيصلي جالسًا،
= المعنى: تغييره، ولا يخلو الحال: الأول: إن أحال الإمام المعنى في قراءته عمدا صار كالمتكلم في الصلاة فتبطل صلاته وصلاة من خلفه، وإن كان سهوا أو جهلا أو لآفة فيما زاد على الفاتحة صحت، وإن كان في الفاتحة لزمه أن يعيدها وإلا بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ومن اللحن المحيل للمعنى: فتح همزة: (اهدنا)؛ لأنه من أهدى الهدية لا طلب الهداية، الثاني: ألا يحيل المعنى: فإن كان عمدا فيحرم عليه وتكره الصلاة خلفه إن كان كثيرا ولو كان المؤتم مثله، وإن كان يسيرا، أو سبق على لسانه يسير فلا تكره إمامته؛ لأنه قل من يخلو من ذلك إمام أو غيره، ومثال لحن لم يحل المعنى: كسر دال «الحمد لله».
(^١) فإذا أراد أن ينطق التاء، خرجت منه أكثر من مرة، فتصح إمامته مع الكراهة.
(^٢) في جميع ما تقدم من الأعمى فما بعده.
(تنبيه) قال ابن عوض نقلا عن الحفيد: قال ابن نصر الله: (ينبغي تخصيص الكراهة بما إذا صلى أحد هؤلاء بمن ليس بمثله، أما لو صلى بمن هو مثله فلا ينبغي أن يكره).
(^٣) فمن عجز عن شرط من شروط الصلاة كاجتناب النجاسة في ثوبه أو بدنه، أو لم يستطع الإتيان بركن من أركان الصلاة كالقيام أو الركوع، فإنه لا تصح إمامته إلا بمثله.
[ ١ / ٣٠٨ ]
ويجلسون خلفَهُ، وتصحُّ قيامًا (^١).
وإن تَرَكَ الإمامُ ركنًا أو شرطًا مختلَفًا فيه مقلدًا، صحت (^٢).
(^١) فيُستثنى مما تقدم مَنْ توفرت فيه الشروط التالية: ١ - كونه إمامًا، ٢ - وكونه راتبًا بمسجد، ٣ - وكونه عاجزًا عن ركن القيام فقط. أما لو عجز عن غيره من الأركان كالركوع أو السجود، فلا تصح إمامته إلا بمثله. ٤ - وكونه يرجى زوال علته. أما غيرُه كالمشلول، فلا تصح إمامته، ولو كان إمامًا راتبًا. فإن توفرت الشروط، وصلى جالسًا، فإنهم يصلون خلفه جلوسًا. ولم يصرح الماتن بحكم جلوسهم كالإقناع والمنتهى والغاية، ونص في الزاد على الاستحباب، وكذا النجدي حيث قال: (يعني ندبا)، ويؤيد ذلك قول المؤلف: (وتصح قيامًا).
(تتمة) ما تقدم متعلق بالإمام الذي يصلي بالناس جالسًا من أول صلاته، والأفضل لإمام الحي أن يستخلِف في هذه الحالة كما في الإقناع، أما لو ابتدأ الصلاة قائمًا، ثم اعتل، فجلس، فإنهم يتمون الصلاة خلفه قيامًا وجوبًا.
(^٢) فإن ترك الإمام ركنًا مُختلفًا فيه - كالطمأنينة، وليست ركنًا عند الحنفية -، أو شرطًا مختلفًا فيه - كستر أحد العاتقين في الفرض - حال كونه مقلدًا لإمام من الأئمة يقول بعدم ركنية أو شرط ذلك، صحت صلاته، وصلاة مأموم خلفه، ولو اعتقد المأموم ركنية أو شرطية ذلك، ويُفهم منه: أنه لو ترك الإمام ركنا أو شرطا بلا تقليد لإمام، فإن صلاته لا تصح ولا صلاة من خلفه.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ومن صلى خلفَهُ معتقدًا بطلانَ صلاتِهِ، أعادَ (^١).
(^١) أي: إن ترك الإمام ركنًا أو شرطًا، واعتقد المأمومُ بطلانَ صلاة إمامه، فإنه يجب على المأموم أن يُعيد الصلاة، هذا المعنى الظاهر من العبارة وهو الذي شرح عليه ابنُ عوض، وذكر الشيخ مرعي في غاية المنتهى في شروط صحة اقتداء المأموم بالإمام: عدم اعتقاد المأموم بطلان صلاة إمامه، قال شارحها: (لكونه فاسقا أو محدثا ونحوه)، ومثال ما قرره الماتن هنا: ما لو ترك الإمامُ الطمأنينةَ التي ليست ركنا عنده وصلى خلفه الحنبلي يعتقد ركنية الطمأنينة ويعتقد بطلان صلاة إمامه؛ لتركه ركن الطمأنينة فلا تصح للمأموم، وهذا يخالف كلامهم الصريح بأنه لو صلى خلف من ترك ركنا يعتقد الإمامُ عدمَ ركنيته فإن الصلاة خلفه صحيحة ولو اعتقد المأمومُ ذلك المتروكَ ركنا، ولم أر هذه العبارة في غير دليل الطالب وغاية المنتهى فيما وقفت عليه، وعبارة متن الدليل هنا فيها خلل؛ لأن هذه المسالة مقيدة بما إذا كان المأموم يعتقد أن صلاة الإمام باطلة بالإجماع كما في المنتهى وغاية المنتهى هنا - ولو كان الواقع خلاف ما اعتقده -، فحينئذٍ تكون صلاة المأموم باطلة، فلو اعتقد المأمومُ مثلًا أن الطمأنينةَ ركنٌ من أركان الصلاة بالإجماع، وصلى خلف إمام لا يطمئن في صلاته، فإن صلاة المأموم باطلة، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
وحاصل ما يتعلق بترك الإمام ركنًا - ومثله الشرط - ما يلي: ١ - إن تركه الإمام معتقدًا ركنيته، سواء اعتقد المأموم ركنيته أو لا، فتبطل صلاة الإمام، وصلاةُ من خلفه. ٢ - وإن كان =
[ ١ / ٣١٠ ]
ولا إنكارَ في مسائلِ الاجتهادِ (^١).
= لا يعتقد ركنيته هو، لكن المأموم يعتقد ركنيته، فإن صلاتهما صحيحة. ويستثنى من ذلك ما لو كان المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام بالإجماع، فلا تصح صلاة المأموم إذَن. ٣ - وإن ترك الإمام ما لا يعتقد ركنيته هو ولا المأموم، فصلاتهما صحيحة.
(^١) أي: لا يُنكِر أحدٌ على أحدٍ في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد؛ لأن المجتهد يثاب على اجتهاده أصاب أو أخطأ، والحكم مبهم في كل ما وقفت عليه، وهل الإنكار في مسائل الاجتهاد مكروه أو محرم؟ ثم وقفت عليه في الآداب الشرعية لابن مفلح بأنه لا يجوز، وعبارته: (ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدا فيه كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا بأنه لا يجوز)، وفي معناه كلام البهوتي في شرح المنتهى حيث قال: (أي: ليس لأحد أن ينكر على مجتهدٍ، أو مقلده، فيما يسوغ فيه الاجتهاد)، وليس تدل على التحريم.
ولم أجد ضابطًا معينًا لمسائل الاجتهاد التي لا يجوز الإنكار فيها عند الحنابلة، لكن قال التغلبي في نيل المآرب: (أي: المسائل التي ليس فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه)، وهو معنى كلام شيخ الإسلام كما في حواشي الإقناع للبهوتي، وذكر عنه أيضا: (وقولهم: مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح … إلخ)، وأصله في الآداب الشرعية لابن مفلح، وذكر أقوالا أخرى في هذه المسألة.
=
[ ١ / ٣١١ ]
ولا تصحُّ: إمامةُ المرأةِ بالرجالِ (^١)، ولا إمامةُ المميزِ
= (تتمة) في الفروع وغيره: (قال ابن الجوزي في كتابه "السر المصون": رأيت جماعةً من المنتسبين إلى العلم يعملون عملَ العوام، فإذا صلى الحنبلي في مسجد شافعي ولم يجهر غضبت الشافعيةُ، وإذا صلى شافعي في مسجد حنبلي وجهر غضبت الحنابلةُ، وهذه مسألةٌ اجتهاديةٌ، والعصبيةُ فيها مجرد هوى يمنع منه العلم، قال ابن عقيل: رأيتُ الناسَ لا يعصمهم من الظلم إلا العجزُ، ولا أقول العوام، بل العلماء، كانت أيدي الحنابلةِ مبسوطةً في أيام ابن يوسف، فكانوا يتسلطون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع، حتى لا يمكنوهم من الجهر والقنوت، وهي مسألة اجتهاد، فلما جاءت أيام النظام، ومات ابن يوسف وزالت شوكة الحنابلةِ استطال عليهم أصحابُ الشافعي استطالةَ السلاطين الظلمة، فاستعدوا بالسجن، وآذوا العوام بالسعايات، والفقهاءَ بالنبز بالتجسيم، قال: فتدبرت أمرَ الفريقين، فإذا بهم لم تعمل فيهم آدابُ العلم، وهل هذه إلا أفعال الأجناد، يصولون في دولتهم، ويلزمون المساجد في بطالتهم، انتهى ما ذكره ابن الجوزي).
(^١) للحديث: «لا تؤمَّنَّ امرأة رَجلًا» رواه ابن ماجه.
في الحواشي السابغات: (وقال المرداوي في الإنصاف: (وعنه تصح في التراويح، نص عليه، وهو الأشهر عند المتقدمين)، وقدمه في التنقيح، وتابعه في المنتهى حيث قال: (إلا عند أكثر المتقدمين إن كانا - أي: المرأة والخنثى - قارئين والرجالُ أُمِّيون، فتصح إمامتهما بهم في تراويح فقط، ويقفان =
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= خلفهم) انتهى. ثم قال في التنقيح: (وعنه: لا تصح، اختاره أكثر المتأخرين، وهو أظهر). ولم يذكر في الإقناع هذا الاستثناء؛ لكن ذكره البهوتي بقوله في الكشاف: (وعنه تصح في التراويح إذا كانا قارئين والرجال أميون، … وذهب إليه أكثر المتقدمين)، وأما الغاية فتابع الإقناع فقال: (ولا إمامة امرأة وخنثى برجال أو خناثى مطلقًا)، ولعل المذهب ما في المنتهى مع التردد، والله أعلم).
قلت: وقد جعل البهوتي هنا المذهبَ ما في الإقناع وأنه لا تصح إمامة المرأة للرجال في الفرض وغيره كالتراويح وعبارته: (وعلى المذهب لا فرق بين الفرض والتراويح وغيرها وعنه تصح في التراويح إذا كانا قارئين والرجال أميون)، وقال التغلبي في نيل المآرب هنا: (ولا فرق بين الفرض والنفل على الصحيح) وقال ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى: (والمذهب: عدم صحة إمامتها الرجال مطلقا)، ويفهم من كلام ابن النجار في فصل موقف الإمام والمأمومين أن المذهب تصح إمامة المرأة القارئة للرجال الأميين في التراويح، وعبارته في المنتهى وشرحه له: (وعلى المذهب أيضا: يستثنى من عدم صحة صلاة المأموم قدام إمامه ما أشير إليه بقوله: (غير قارئة أمت رجالا) أميين في تراويح (أو) أمت (خناثى أميين في تراويح) فتقف خلفهم، لحديث أم ورقة وتقدم) فقوله: (وعلى المذهب) فيه تصحيح لهذه المسألة وأنها مستثناة، فليحرر المذهب في هذه المسألة. (مخالفة)
[ ١ / ٣١٣ ]
بالبالغِ في الفرضِ، وتصحُّ إمامتُهُ في النفلِ، وفي الفرضِ بمثلِهِ (^١).
ولا تصحُّ إمامةُ محدِثٍ، ولا نَجِسٍ يعلمُ ذلك، فإن جَهلَ هو والمأمومُ حتى انقضت، صحت صلاةُ المأمومِ وحدَهُ (^٢).
(^١) عدم صحة إمامة المميز بالبالغ في الفرض رُوي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، أما إمامته له في النفل فتصح؛ لأن صلاة المميز كلها نافلة، وصلاة من خلفه نافلة أيضًا، فاتفقتا، وكذا تصح إمامة الصبي في الفرض - كالظهر والعصر - لصبيٍ مثله.
(^٢) أي: إن كان الإمام محدِثًا حدثًا أصغر أو أكبر، أو كان ثوبه أو بدنه متنجسًا بنجاسةٍ غير معفو عنها، وعلم ذلك هو أو المأموم أو هما معًا، فلا تصح صلاتهما، أما لو جَهِلَا معًا أن الإمام مُحدث، أو عليه نجاسة، واستمر جهلهما حتى انقضت الصلاة، صحت صلاةُ المأموم فقط، ويجب على الإمام أن يعيدها. وقد رُوي ذلك عن عمر من فعله، ﵁ رواه الإمام مالك، وروي مثل ذلك عن عثمان، وابن عمر، ومن قول علي ﵃.
في الحواشي السابغات: (قال النجدي في حاشيته على المنتهى: (إن كان قرأ المأمومُ الفاتحة؛ لأنه إنّما يتحملها عنه مع صحة إمامته، كما صرح به ابن قندس في حواشي الفروع)، وخالف في هذا الغاية حيث قال: (ولو لم يقرأ الفاتحة)، ومثله البهوتي في حواشي الإقناع قال: (دفعًا للمشقة =
[ ١ / ٣١٤ ]
ولا تصحُّ إمامةُ الأُمِّيِّ - وهو من لا يحسنُ الفاتحةَ (^١) -،
= والحرج)، ووافقهم الشطي، ولعله هو المذهب، والله أعلم).
ويستثنى من المسألة: صلاة الجمعة والعيد إذا كانوا أربعين بالإمام، أو المأموم المحدث أو النجس فإنها لا تصح ويعيد الكل؛ لأن المحدث وجوده كعدمه فينقص العدد المعتبر للجمعة والعيد.
(^١) في الحواشي السابغات مع زيادة: (الأمّي لغة: من لا يحسن الكتابة. أما في الاصطلاح فيشمل ما يلي: ١ - من لا يحسن الفاتحة، أي: لا يحفظها. ٢ - ومن يدغم فيها حرفًا لا يُدغم، كإدغام هاء «الله» في راء «ربّ»، فلا تصح صلاته إلا بمثله. ٣ - من يبدل منها حرفًا لا يُبدل، وهو الألثغ. ويستثنى: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاءٍ عجزًا - كما قرره البهوتي في حاشيته على المنتهى، وتبعه النجدي ورد كلامه في الكشاف، بخلاف غير العاجز -، فتصح إمامته ولو بغير مثله، ويفهم من كلامهما: أنه لو كان غير عاجز عن إصلاحه ونطق الضاد في الكلمتين ظاءً لم تصح صلاته لا لنفسه ولا لغيره، وخالف البهوتي في الكشاف فلم يقيده بالعاجز، وهو ظاهر كلامه في شرح المنتهى حيث قال: (إلا ضاد المغضوب، و) ضاد (الضالين بظاء) فلا يصير به أميا، سواء علم الفرق بينهما لفظا ومعنى أو لا)، والمراد بمعرفة الفرق بينهما: أن يتمكن من النطق بهما نطقا صحيحا، كل منهما من مخرجه كما نقله البهوتي عن ابن نصر الله في حواشي الإقناع، ويفهم منه: أنه ولو تعمد إبدال الضاد بالظاء في الكلمتين فإن الصلاة لا تبطل، =
[ ١ / ٣١٥ ]
إلا بمثلِهِ (^١).
ويصحُّ النفلُ خلف الفرضِ، ولا عكسَ (^٢).
وتصحُّ المقضيةُ خلف الحاضرةِ، وعكسُهُ؛ حيث تساوتا في الاسمِ (^٣).
= والله أعلم. ٤ - ومن يلحن في الفاتحة لحنًا يحيل المعنى - عجزًا عن إصلاحه - أي: يغير المعنى كضم تاء «أنعمت»، فإن لحن لحنًا لا يحيل المعنى فليس بأميّ. واللحن - كما قال الجوهري -: الخطأ في الإعراب).
(تنبيه) إن تعمد غيرُ الأمي شيئًا من الأمور الأربعة المتقدمة، أو زاد الأميُّ على فرض القراءة لم تصح صلاته، كما قرره في المنتهى وغيره.
(^١) أي: لا تصح صلاة الأمي إلا بأمي مثله.
(^٢) أي: يصح ائتمام المتنفل بالمفترض، ولا يصح العكس وهو ائتمام المفترض بالمتنفل؛ لحديث: «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه» متفق عليه، وهذا اختلاف عليه، ويستثنى من هذا: ما إذا صلى إمام في صلاة الخوف مرتين في الوجه الرابع فتصح، وكذا على ما بحثه استظهارا البهوتي في شرح المنتهى: تصح العيد خلف من يقول بأنها سنة، وإن اعتقد المأموم أنه فرض كفاية؛ لعدم الاختلاف عليه.
(^٣) فيصح أن يأتم من يصلي ظهرًا مقضية - مثلًا - بمن يُصلي ظهرًا حاضرة أداءً وكذا العكس؛ لأن الصلاة واحدة وإنما اختلف الوقت، وقوله: (تساوتا في الاسم): كظهر خلف ظهر، ويفهم =
[ ١ / ٣١٦ ]