قصرُ الصلاةِ الرُّباعيةِ (^١) أفضلُ (^٢) لمن:
- نوى سفرًا (^٣) مباحًا (^٤)،
= القيام والخروج منها جاز له أن يصلي جالسا ويلزمه الاستقبال، وأن يدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة، وتقام الجماعة في السفينة مع العجز عن القيام، كمع القدرة).
(^١) يشترط لجواز قصر الصلاة شروط: (الشرط الأول) كون الصلاة رباعية، فلا يقصر في ثنائية، ولا ثلاثية.
وفعل الرباعية في السفر ركعتين مجمع عليه في الجملة، وسنده: وقوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، وكذا ما تواتر في الأخبار أنه ﷺ كان يقصر.
(^٢) أي: قصر الصلاة أفضل من الإتمام؛ لأن الرسول ﷺ داوم عليه في السفر، لكن لا يُكره الإتمام، والمراد بالأفضلية هنا: أنه سُنة، وهذا هو المذهب - كما صرح بذلك صاحب الزاد -، وإن كان المنتهى والإقناع والغاية لم يعبروا بالسنية.
(^٣) (الشرط الثاني) أن ينوي أنه يسافر، والسفر هو: قطع المسافة.
(^٤) (الشرط الثالث) أن يكون هذا السفر مباحًا، كالسفر للتجارة أو نزهة أو فرجة، فيجوز له فيه أن يقصر، وأَولى منه السفر الواجب، والمستحب، أما السفر المكروه كالسفر لفعل =
[ ١ / ٣٣٠ ]
- لمحلٍّ معيَّنٍ (^١)،
- يبلغُ ستةَ عشرَ فرسخًا (^٢)، وهي: يومانِ قاصدانِ في زمنٍ
= مكروه، أو المحرم كأن يسافر لكي يزني أو يسرق، فلا يجوز فيه القصر، ولا الفطر في رمضان ولا غيرها من رخص السفر؛ لأن الرخص لا تحل مع المعاصي.
(^١) (الشرط الرابع) أن يقصد محلًا معينًا، أي: غير مجهول، أما السائح الذي لا يدري وجهتَه، ولم يقصد مكانًا معينًا، والتائه، والضائع في البَر، والهائم، فلا يجوز لهم أن يقصروا.
(^٢) (الشرط الخامس) أن تبلغ مسافة السفر ذهابا ستة عشر فرسخًا تقريبًا لا تحديدًا، برا أو بحرا أو جوا، في الحواشي السابغات: (والمذهب عندنا - كما في الفروع والإنصاف والإقناع والمنتهى والغاية -: أن الميل =٦٠٠٠ ذراع، وأقل ما وقفت عليه في مقدار الذراع أنه = ٤٨ سم، فإذا ضربناها في ٦٠٠٠ ذراع، أي: ٦٠٠٠ × ٠. ٤٨ = ٢٨٨٠ مترًا، ثم نضرب هذا الناتج في عدد الأميال أي: ٤٨ ميلًا، فالناتج = ١٣٨٢٤٠ مترًا، ونحولها إلى الكيلومتر بقسمتها على ١٠٠٠، والناتج = ١٣٨، ٤ كم تقريبًا، أي: مائة وثمانية وثلاثون كيلو متر ومائتان وأربعون مترًا؛ فهذه إذن هي مسافة القصر، ولم أر، ولم أقف الآن على أحد يقول بهذه المسافة، وهذا الناتج مبني على كون الذراع يساوي ٤٨ سم، وقيل يساوي أكثر من ذلك). =
[ ١ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومن قدَّر المسافة بين ثمانين إلى تسعين كيلومترًا، فهو على قول من جعل الميل = ٣٥٠٠ ذراع، بخلاف المذهب عند الحنابلة، فإن الميل = ٦٠٠٠ ذراع.
ولا أدري من قرر أن المسافة هنا على المذهب ثمانون كيلو متر، اعتمادا على استدلال الأصحاب بكون مسافة القصر هي ما بين مكة والطائف، أو جدة، أو عسفان، كيف سيُقَدِّرون الفرسخَ الذي يذكره الأصحاب في باب الجمعة؟ كم كيلو؟ فإن قالوا بأنه (٥) كيلو متر، فأقول كم جعلتم مقدارَ الميل؟ لأن الفرسخ ثلاثة أميال، فقد وقعوا في إشكال تحديد الميل وأنه يقارب ٣٥٠٠ ذراع، وهو مخالف لتقرير الأصحاب في مسافة القصر هنا، وأنه ٦٠٠٠ ذراع، وإن قالوا بأنه (٩) كيلو متر بناء على أن الميل ٦٠٠٠ ذراع فقد خالفوا تقريرهم في مسافة القصر.
والقول الثاني في المذهب: أنه لا تحديد للمسافة، واختاره الموفق ابن قدامة، وشيخ الإسلام، وبعض العلماء المعاصرين، قال في المغني: «لا حجة للتحديد، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه»، وعليه: كل من عُد مسافرًا في العُرف، فإنه يجوز له القصر؛ لكن يصعب تطبيق هذا القول؛ لأنه لا عُرف عام مطرد بين الناس فيما يُعد سفرًا مما ليس بسفر، خاصة إذا كانت المسافة قليلة، ويشترط للعمل بالعرف أن يكون عامًا بين الناس. =
[ ١ / ٣٣٢ ]
معتدِلٍ، بسَيرِ الأثقالِ، ودبيبِ الأقدامِ (^١)، إذا فارقَ بيوتَ قريتِهِ العامرَةِ (^٢).
ولا يُعيدُ من قَصَرَ، ثم رَجعَ قبلَ استكمالِهِ المسافةَ (^٣).
= (تتمة) الظاهر أن المسافة تعتبر من حين الخروج من بلده لا من بيته؛ لأنه قبل أن يخرج من بلده لا يسمى مسافرا. والله أعلم.
(^١) فمسافة القصر هي المسافة التي تقطعها الدواب المحملة بالأثقال في يومين قاصدين - أي: معتدلين طولًا وقصرًا -، في زمن معتدل، أي: في الطول والقصر، كما قاله عبد الله المقدسي في شرحه لدليل الطالب، والدليل قوله ﷺ: «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد، من مكة إلى عُسفان»، رواه الدارقطني، والصواب أنه موقوف على ابن عباس ﵄.
(^٢) لحديث أنس ﵁ أن النَّبي ﷺ «كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ، صلى ركعتين»، رواه مسلم. والقرية هي ما كان مبنيًا بحجارةٍ، أو لَبِنٍ، أو نحوهما، كما في المطلع، فلا يجوز القصر لمن أراد السفر حتى يفارق القرية أو البلد الذي هو فيه، ويفارق ما يتبع البلد من قُرى ونحوها إذا كانت متصلة بالبلد على ما يظهر، أما لو كانت القرى منفصلة عن البلد فلا يشترط مفارقتها والله أعلم.
(^٣) هذه مبنية على أصل وهو: أن المعتبر لجواز القصر والفطر نية قطع المسافة لا وجود حقيقتها، فمن نوى ذلك قصر، ولو رجع قبل استكمال المسافة لم يلزمه إعادة ما قصر نصا.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ويلزمُهُ إتمامُ الصلاةِ:
- إن دخلَ وقتُها، وهو في الحضر (^١)،
- أو صلى خلفَ من يُتِمُّ (^٢)،
- أو لم ينوِ القصرَ عند الإحرامِ (^٣)،
(^١) هناك أحوال يجب فيها إتمام الصلاة، وهي إحدى وعشرون حالة، ذكر الماتن بعضها: (الحالة الأولى) إن دخل وقت الصلاة، وهو في الحضر، فيجب أن يصليها تامة؛ لأنها وجبت عليه تامة بدخول وقتها، فلو أذَّن المؤذن للظهر مثلًا، ولم يزل الشخص في قريته، ثم سافر، فيجب عليه أن يُصليها أربعًا، هذا هو المذهب، وهو مما انفرد به الحنابلة عن غيرهم.
والرواية الثانية في المذهب: جواز القصر في هذه الحالة، اختاره صاحب الفائق، وحكى ابنُ المنذر الإجماعَ عليه كما في الإنصاف.
(^٢) (الحالة الثانية) إن صلى المسافر خلف من أتم الصلاة، مسافرًا كان الإمام أو مقيمًا، فيجب على المأموم إذَن أن يتم صلاته، ولا يجوز له إن أدرك ركعتين من أربع أن يقتصر عليها، ويسلم مع الإمام، والدليل قوله ﷺ: «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه» متفق عليه، وقال ابن عباس ﵄ في هذه المسألة: «تلك السنة»، رواه مسلم. وعلى هذا القول جماهيرُ أهل العلم، ولم يُخالف فيه إلا القلة.
(^٣) (الحالة الثالثة) يجب الإتمام إن لم ينوِ القصر عند إحرامه =
[ ١ / ٣٣٤ ]
- أو نوى إقامةً مطلَقةً (^١)،
- أو أكثرَ من أربعةِ أيامٍ (^٢)،
= بالصلاة. فيُشترط للقصر أن ينويه قبل أن يُحرم؛ لأن الإتمام هو الأصل وإطلاق النية ينصرف إليه.
(^١) (الحالة الرابعة) أن ينوي أن يقيم في البلد إقامةً مطلقةً، أي: غير مقيدة بزمن، فيلزمه أن يتم صلاته؛ لانقطاع السفر المبيح للقصر.
(^٢) (الحالة الخامسة) أن ينوي الإقامةَ بالبلد أكثر من أربعة أيام، فذلك يخرجه عن حكم السفر، ويلزمه أن يتم صلاته، وعبارة الماتن هنا كعبارة الزاد، أما الإقناع والمنتهى فقدراه بعشرين صلاة، والمعنى متقارب، وأحيانا عند التدقيق قد تخرج بعض الفروق بين التقديرين.
ويحسن في المسائل المشهورة كهذه أن يُعرف مأخذ قول المذهب.
والمذهب الذي ذكرناه - وهو تقدير الإقامة بعشرين صلاة - اختاره الشيخ ابن باز ﵀، ودليله: حديث أنس ﵁ في الصحيحين، قال: «أقمنا مع النبي ﷺ في مكة عشرًا نقصر الصلاة»، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قد أتى مكة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة وقد صلى الفجر خارجها، فأقام بها اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى بها الفجر في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، فهذه عشرون صلاة في مكة، فخرج إلى منى في اليوم =
[ ١ / ٣٣٥ ]
- أو أقامَ لحاجةٍ، وظنَّ أن لا تنقضي إلا بعد الأربعةِ (^١)،
= الثامن، ثم ذهب إلى عرفة في اليوم التاسع، ثم انصرف وبات تلك الليلة في مزدلفة، ثم في اليوم العاشر رجع إلى منى، ثم أفاض إلى مكة، فجلس فيها أقل من أربعة أيام، ثم انطلق إلى المدينة، فلم يُقِم النبي ﷺ في تلك الأيام العشر في محل واحد أكثر من أربعة أيام.
قال في الإنصاف - بعد أن قدم المذهب-: (وقال الشيخ تقي الدين وغيره: إن له القصر والفطر، وإنه مسافر، ما لم يجمع على إقامة ويستوطن)، ومال إليه الشيخ ابن عثيمين فقال: (وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ من أن المسافر مسافر ما لم ينوِ واحدًا من أمرين:
١ الإِقامة المطلقة.
٢ أو الاستيطان.
والفرق: أن المستوطن نوى أن يتخذ هذا البلد وطنًا، والإِقامة المطلقة أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركة فيه كبيرة، أو طلب العلم فيه قوي فينوي الإِقامة مطلقًا بدون أن يقيدها بزمن أو بعمل، لكن نيته أنه مقيم لأن البلد أعجبه إما بكثرة العلم وإما بقوة التجارة أو لأنه إنسان موظف تابع للحكومة وضعته كالسفراء مثلًا، فالأصل في هذا عدم السفر؛ لأنه نوى الإِقامة فنقول: ينقطع حكم السفر في حقه).
(^١) (الحالة السادسة) أن ينوي إقامة- كما في شرح المنتهى - =
[ ١ / ٣٣٦ ]
- أو أخَّرَ الصلاةَ بلا عذرٍ حتى ضاقَ وقتُها عنها (^١).
ويقصر:
- إن أقامَ لحاجةٍ، بلا نيةِ الإقامةِ فوقَ أربعةٍ، ولا يدري متى تنقضِي (^٢)،
= لقضاء حاجته، ويظن، أو يتيقن أنها لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام، فيلزمه أن يتم الصلاة؛ لأنه في معنى نية إقامة أكثر من أربعة أيام فكأنه نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام.
قال البهوتي في شرح المنتهى: (وإن ظن انقضاؤها في الأربعة أيام قصر).
(^١) (الحالة السابعة) أن يؤخر الصلاة بلا عذرٍ حتى يضيق وقتها عنها، فلو أخر الظهر مثلًا حتى لم يبق من وقتها إلا زمنا يكفي أقل من ركعتين، ولم يكن نوى جمع التأخير قبل ذلك، فلا يجوز القصر حينئذ؛ لأنه صار عاصيا بتأخيرها متعمدا بلا عذر، فإن أخرها بعذر كنوم فلا يمتنع عليه القصر.
(^٢) فإن أقام لقضاء حاجة ولم ينو إقامةً فوق أربعة أيام، ولا يدري متى تنقضي، فيجوز له القصر أبدا، أما لو علم أنها تنقضي في أكثر من أربعة أيام، فلا يجوز له أن يقصر، حتى لو لم ينوِ الإقامة.
والفرق بين هذه المسألة الثانية والمسألة الأولى وهي قوله: (أو أقام لحاجة وظن أنها لا تنقضي إلا بعد الأربعة): أن المسألة الأولى: عنده نية إقامة تقطع حكم السفر، وعنده ظن أو علم أن حاجته لا تنقضي في أقل من أربعة أيام فيتم =
[ ١ / ٣٣٧ ]
- أو حُبسَ ظُلمًا، أو بمطرٍ، ولو أقامَ سنينَ (^١).
= وجوبا، وأما المسألةُ الثانيةُ فليس عنده نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي حاجته فيجوز له أن يقصر أبدا. (فرق فقهي)
(^١) أي: لو حُبس في غير بلده مسافة قصر ظلمًا، فله أن يقصر، فإن حبس بحق لم يقصر كما قاله البهوتي في الكشاف، وكذا يقصر لو حُبس بمرض، أو مطر، أو جليد، أو ثلج، فيقصر، كما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه أقام ستة أشهر في أذربيجان يقصر لما حبسته الثلوج، وهو لا يدري متى تذوب وتزول. رواه البيهقي بإسناد صحيح قاله النووي في الخلاصة.
(تتمة) في ثلاث مسائل: ١ - من نوى إقامة ببلد أكثر من أربعة أيام ثم سافر منه إلى بلد آخر ثم عاد إلى البلد الأول بلا نية إقامة تمنع القصر قصر فيه: قال في الإقناع وشرحه: (ومن رجع إلى بلد) كأن (أقام به ما يمنع القصر) ولم ينو حال العود إقامة به تمنع القصر (قصر، حتى فيه، نصا)؛ لأنه مسافر، وليس كمن مر بوطنه).
٢ - من سافر إلى دولة يتنقل فيها بين بلدانها، ولم ينو إقامة أكثر من أربعة أيام في واحدة من تلك البلدان قصر فيها كلها: قال في الإقناع وشرحه: (وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق) أي ناحية من أطراف الإقليم والمراد به: المعاملة المشتملة على أمكنة (ينتقل فيه) أي الرستاق (من قرية إلى قرية لا يجمع) أي لا يعزم من جمع بمعنى نوى (على الإقامة بواحدة منها) أي القرى (مدة تبطل حكم السفر) أي فوق أربعة أيام (قصر)؛ لأن «النبي ﷺ أقام عشرا بمكة وعرفة ومنى =
[ ١ / ٣٣٨ ]