وهوَ سُنَّةٌ (^٢). ويجبُ بالنَّذرِ (^٣).
وشرطُ صحَّتِهِ ستَّةُ أشياءَ: النِّيَّةُ (^٤)، والإسلامُ (^٥)،
(^١) الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، وشرعًا: لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقلٍ - ولو مميزًا -، طاهرٍ مما يوجب غسلًا. وأقل مدة الاعتكاف على المذهب: ساعة، وهي: ما يسمى به معتكفًا لابثًا، ويستحب ألا ينقص اعتكافه عن يوم وليلة.
(^٢) أي: هو سُنة في كل وقت؛ لأن النبي ﷺ فعله وداوم عليه تقربا لله تعالى واعتكف أزواجه معه وبعده، لكنه في رمضان آكد، وآكده: العشر الأخير من رمضان.
(^٣) فالأصل أن الاعتكاف سنة، لكن إذا نذره، وجب عليه؛ لحديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري.
(^٤) يشترط لصحة الاعتكاف: (الشرط الأول) النية؛ لقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)، وإن كان الاعتكاف منذورا لزمه أن يعينه؛ ليتميز المنذور عن التطوع.
(^٥) (الشرط الثاني) الإسلام، فلا يصح من الكافر.
[ ١ / ٥٧٥ ]
والعقلُ (^١)، والتَّمييزُ (^٢)، وعدمُ ما يوجبُ الغُسلَ (^٣)، وكونُهُ بمسجدٍ (^٤).
ويُزادُ في حقِّ مَنْ تلزمُهُ الجماعةُ: أن يكونَ المسجدُ ممَّا تُقامُ فِيهِ (^٥).
(^١) (الشرط الثالث) العقل، فلا يصح الاعتكاف من المجنون.
(^٢) (الشرط الرابع) التمييز، فلا يصح الاعتكاف من الطفل الذي لم يميز، وهو من دون سبع سنين.
(^٣) (الشرط الخامس) عدم ما يوجب الغُسل، فلا يصح من الجنب، ولو توضأ، ولا من الحائض والنفساء.
(^٤) (الشرط السادس) كون الاعتكاف بمسجد، فلا يصح في غير مسجد بغير خلاف، قال البهوتي في شرح المنتهى: (لا يصح إلا بمسجد لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] والمباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا فلولا اختصاصه بالمساجد لما قيد بها ولأن المقام فيه عون على ما يراد من العبادة لأنه مبني لها).
(^٥) أي: يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة ولو من الْمُعْتَكِفِين، وهذا مقيد: بما إذا اعتكف مدة تتخللها صلاة، ولا يشترط كون المسجد مما تقام فيه الجمعة.
قال في الإقناع وشرحه: (وإن لم يكن المعتكف رجلا تلزمه الصلاة جماعة، بأن كان امرأة أو عبدا أو صبيا أو معذورا أو لم يأت عليه زمن اعتكافه فعلُ صلاة، كما لو اعتكف من طلوع الشمس إلى الزوال (صح) اعتكافه (في كل مسجد) =
[ ١ / ٥٧٦ ]
ومِنَ المسجِدِ: ما زِيدَ فِيهِ (^١)، ومِنهُ: سطحُهُ (^٢)، ورَحبتُهُ المحوطَةُ (^٣)،
= ولا يصح الاعتكاف ممن تلزمه الجماعة في مسجد تقام فيه الجمعة دون الجماعة).
(^١) فأي مسجد زيد في بنيانه، فإن الزيادة تأخذ أحكامَ المسجد، حتى في الثواب، فكل ما زيد في المسجد الحرام يأخذ حكمَه في الثواب، ومضاعفة الصلاة.
وقد وقع الخلافُ فيما زيد في المسجد النبوي، والمعتمد في المذهب مضاعفةُ الصلاة فيما يزاد في المسجد النبوي، وذكر ابن رجب أنه لا يعلم عن السلف خلافًا في ذلك، وأنه لم يخالف فيه إلا بعض المتأخرين من أصحابنا كابن الجوزي وابن عقيل؛ لاستعماله ﷺ اسم الإشارة (هذا) في الحديث: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه)، فيتعين المسجد الذي أشار إليه ﷺ، على قولهم. لكن جمهور السلف، والمذهب المعتمد، أن ما زيد في المسجد النبوي فهو منه، حتى في الثواب.
(^٢) فهو من المسجد، ويأخذ أحكامه.
(^٣) المقصود بها: ساحة المسجد المنبسطة، أمامه أو حوله قال البهوتي في الكشاف: (المحوطة من المسجد فحكمها حكمه)، لكن بشرط أن تكون محوطة وعليها باب نصا، قال في الإقناع: (ورحبته المحوطة وعليها باب نصا)، كما هو الحال في المسجد النبوي، فتأخذ أحكامَ المسجد، بخلاف ساحات =
[ ١ / ٥٧٧ ]
ومَنارتُه التي هيَ أو بابُها فيهِ (^١).
ومَن عيَّنَ الاعتكافَ بمسجدٍ غيرِ الثَّلاثةِ: لم يتعيَّن (^٢).
= المسجد الحرام، فهي غير محوطة، فلا تأخذ حكم المسجد.
(^١) فالمنارة التي تكون في المسجد، وبابها يفتح خارج المسجد، وكذا المنارة التي تكون خارج المسجد، لكن بابها يفتح على المسجد، فإنها تأخذ أحكام المسجد.
(تتمة) هل تُضعَّف الصلاة في الحرم المكي، والمدني، مما هو خارج المسجدين، كمن يصلي في فندقه، أو سكنه؟ فيه خلاف كبير جدًا في المذهب على قولين في التضعيف، وعدمه. وظاهر المذهب: أنه لا تضعيف إلا في نفس المسجد المبنيّ فقط، لا بقية الحرم. انظر: الحواشي السابغات ص (٣٠٢)
وقال تقي الدين الجراعي (ت ٨٨٣ هـ) في كتابه تحفة الراكع والساجد (٢٣١): (حرم مكة كالمسجد الحرام في المضاعفة).
(^٢) المراد بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ، والمسجد الأقصى. فمن نذر أن يعتكف في مسجد غير هذه الثلاثة، لم يتعين، وله أن يفي بنذره ويعتكف في غيره. لكن من نذر أن يعتكف في مسجد جامع، لم يتعين ذلك الجامع، وله أن يفي بنذره في غيره، لكن لا بد أن يكون ذلك المسجد الآخر أيضًا جامعًا، ولا يصح في غير الجامع كما قرره الشيخ النجدي.
وقول الماتن: (لم يتعين) هي عبارة المنتهى والغاية، وعبارة =
[ ١ / ٥٧٨ ]
ويبطلُ الاعتكافُ: بالخروجِ مِنَ المسجدِ لغيرِ عذرٍ (^١)، وبنيَّةِ الخروجِ ولو لم يخرج (^٢)، وبالوطءِ في الفرجِ (^٣)، وبالإنزالِ
= الإقناع: (فله فعله في غيره)، قال المرداوي في الإنصاف: (يعني من المساجد).
أما المساجد الثلاثة فإذا نذر أن يعتكف في أحدها فله أن يعتكف في مسجد أفضل، وأفضلُ المساجد: المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم الأقصى. فإن نذر اعتكافًا في الأدنى، جاز فعله فيه وفيما هو أعلى منه، كأن ينذر الاعتكاف في الأقصى، فيجوز أن يعتكف في المسجد النبوي، أو الحرام، لكن إذا عيَّن الأعلى، لم يجز أن يفي بنذره في الأدنى، كمن نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، فلا يجوز أن يفعله إلا فيه.
(^١) يبطل الاعتكاف بما يلي: (المبطل الأول) خروج الجسم كلِّه من المسجد، ولو زمنًا يسيرًا، بشرط أن يكون مختارًا عامدًا، أو مكرهًا بحق، وأن يكون من غير عذر. أما إن كان خروجه لعذر، فإن له أحكامًا تخصه.
(^٢) (المبطل الثاني) نية الخروج، والمراد: أن يقطع نية الاعتكاف، فمن قطع نية الاعتكاف، فقد انقطع، ولو لم يخرج من المسجد؛ لقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات). ومثله من نوى قطع الصلاة، فإن صلاته تبطل، ولو لم يخرج منها في الصورة، قال في الإقناع: (وإن نوى الخروج منه أي: نوى إبطالَه بطل إلحاقًا له بالصلاة والصيام)، وفي الغاية: (أو نواه وإن لم يخرج)
(^٣) (المبطل الثالث) الوطء في الفرج، قال الشارح (ولو ناسيًا)، =
[ ١ / ٥٧٩ ]
بالمباشرةِ دونَ الفرجِ (^١)، وبالرِّدَّةِ (^٢)، وبالسُّكرِ (^٣).
وحيثُ بَطَلَ الاعتكافُ، وَجَبَ استئنافُ النَّذرِ المتتابِعِ غيِر المقيَّدِ بزمنٍ، ولا كفارةَ (^٤).
= قال ابن عوض: (قال الحفيد: (ظاهره: ولو دبرا أو لميت أو بهيمة أو بحائل).
(^١) (المبطل الرابع) الإنزال بالمباشرة دون الفرج، فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه، قال الشارح: (فإن باشر من غير شهوة فلا بأس ولشهوة حرم).
ودليل الوطء والمباشرة قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).
(^٢) (المبطل الخامس) الردة أعاذنا الله منها، وتقدم أن الشيخ منصور ذكر أن الردة تبطل جميع العبادات.
(^٣) (المبطل السادس) السُّكْر، فمن سكر بطل اعتكافه؛ لأنه ينافي مقصود الاعتكاف، وذكر في الإقناع: (أنه إذا شرب ولم يسكر فلا يبطل).
(^٤) مثال النذر المتتابع غير المقيد بزمن: أن ينذر أن يعتكف خمسة أيام متتابعة إما بشرط أو نية، أي: سواء ذكر التتابع بأن يقول: خمسة أيام متتابعة، أو نوى كونها متتابعة، ثم اعتكف يومًا أو يومين، ثم قطع نية الاعتكاف مثلًا أو خرج من معتكفه متعمدا بلا عذر، بطل اعتكافُه، والواجب عليه في هذه الحالة أن يستأنف الاعتكاف من أوله ولا كفارة هذا ظاهر كلام الماتن تبعا للإقناع والغاية هنا، وهم جعلوا هذا فيمن خرج =
[ ١ / ٥٨٠ ]
وإن كانَ مقيَّدًا بزمنٍ معيَّنٍ، استأنفَهُ، وعليهِ كفَّارةُ يمينٍ؛ لفواتِ المحلِّ (^١).
= من المعتكف مختارا عمدا أو مكرها بحق.
وأما على ما في مسلك الراغب للعوفي الصالحي - ونقله عنه ابن عوض في حاشية دليل الطالب - فجعله يخير بين أمرين:
أ- أن يستأنف اعتكافَ الخمسة أيام، ولا كفارة عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه، قال الصوالحي: (وما حصل من الاعتكاف لا يعتد به).
ب- وله أن يبني على ما مضى ويكفر كفارة يمين.
قال الصالحي في مسلك الراغب: (ولا كفارة) عليه إن ابتدأ من أوله، وإن اختار البناء على ما مضى أتى بما بقي وكفر كفارة يمين؛ لعدم فعله على وجهه)، وهذا التقسيم ذكره في الإقناع والغاية والمنتهى وشرحه، ويجعلونه لمن خرج لعذر غير معتاد وتطاول، والعوفي في مسلك الراغب حمل كلامَ صاحبِ الدليل على هذا، ومثله التغلبي في نيل المآرب، وقد لا يمتنع الحمل عليه فالله أعلم.
(^١) ومثال النذر المقيد بزمن معين: أن ينذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فهي أيام متتابعة مقيدة بزمن معين. فلو دخل في الاعتكاف، ثم نوى في اليوم الثالث مثلا الخروج منه مثلًا، أو خرج من المسجد بلا عذر، قال الماتن: (يستأنفه وعليه كفارة يمين؛ لفوات المحل) وهو تركه المنذور في وقته المعين بلا عذر قاله في الكشاف.
=
[ ١ / ٥٨١ ]
ولا يبطُلُ الاعتكافُ إن خرجَ مِنَ المسجدِ: لبولٍ، أو غائطٍ، أو طهارةٍ واجبةٍ، أو لإزالةِ نجاسةٍ، أو لجمعةٍ تلزمُهُ (^١)،
= وقول صاحب المتن: (استأنفه) هي: عبارة الإقناع والغاية، ولعلهم قصدوا: يستأنف - في المثال السابق - في اليوم الرابع بانيا على ما مضى، وعليه كفارة يمين لإفساده اليوم الثالث.
(^١) يجوز للمعتكف الذي نذر أن يعتكف متتابعا أن يخرج لما لابد منه شرعًا أو حسًّا. ومثال ما لا بد منه شرعًا: الطهارة الواجبة كالوضوء، ولم يجد مواضئ إلا خارج المسجد، وإزالة النجاسة، ولصلاة جمعة تلزمه، وشهادة تلزمه، والخروج لمريض وجنازة تعين خروجه إليهما. ومثال ما لا بد منه حسًّا: كالبول والغائط، وما لا يستغنى عنه كالأكل والشرب؛ لعدم من يأتيه بهما.
قالوا: ومثل ما لابد له منه في جواز الخروج: تعين نفير، وإنقاذ غريق، ومرض شديد لا يمكن معه البقاء في المسجد.
(تتمة) الاشتراط في الاعتكاف: وهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يشترط الخروج لقربة لا تجب كزيارة صديق وصلة رحم وجمعة لا تلزمه، وشهود جنازة، فهذا جائز.
القسم الثاني: أن يكون الاشتراط لما له منه بد وليس بقربة كالعشاء والمبيت بمنزله فهذا جائز.
القسم الثالث: أن يكون الاشتراط للخروج إلى تجارة أو الخروج لما شاء فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي الاعتكاف.
وهل يجوز اشتراط الخروج للوظيفة؟ يحتاج لتحرير.
[ ١ / ٥٨٢ ]
ولا إن خرجَ للإتيانِ بمأكلٍ ومشرَبٍ لعَدَمِ خادِمٍ (^١). ولَهُ المشيُ على عادتِهِ (^٢).
وينبغي لمَن قَصَدَ المسجدَ: أن ينويَ الاعتكافَ مدَّةَ لُبثِهِ فيهِ، لا سيَّمَا إن كانَ صائمًا (^٣).
(^١) يُفهم منه أنه إذا كان عنده خادم يأتي له بالأكل والشراب، فليس له أن يخرج.
(^٢) أي: إذا خرج لما لابد منه فله المشي على عادته من غير عجلة.
(^٣) سواء قصد المسجد للصلاة أو غيرها، كما في الإقناع؛ لأن أقل الاعتكاف ساعة. فينوي الاعتكاف مدة لبثه في المسجد؛ ليحصل على الثواب، لا سيما إن كان صائمًا، حتى يجمع بين الصوم والاعتكاف، إذ الحسنات تتضاعف بالأزمنة الفاضلة، وقوله: (لاسيما إن كان صائمًا) زيادة من الإقناع. والله أعلم.
[ ١ / ٥٨٣ ]