يُسنُّ: الاستعدادُ للموتِ (^٢)، والإكثارُ من ذُكرِهِ (^٣).
(^١) الجنائز - بفتح الجيم -: جمع جِنازة، بالكسر، والفتح لغة، كما قال الشارح.
(^٢) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، كما قال الشارح. واستشكل بعضهم ذلك؛ لكونهما واجبة على الفور، وليستا مستحبة. ولذا قال ابن عوض: (المستحب إنما هو ملاحظته في ذلك الخوفَ من الله تعالى، والعرض عليه، والسؤال عنه، وغيره مما يقع له بعد الموت)، ونقله عن الصوالحي. ونقل الاستشكالَ اللبديُّ أيضًا، وقال: (لعل المراد: أن التوبة والخروج من المظالم واجبان، والسنة قصد التهيُّؤ للموت بهما، لا أنهما سُنتان كما قد يُتوهم).
(^٣) قال في المطلع عن ابن مالك في مثلثه: (الذكر بالقلب يُضم ويكسر يعني: ذالَه)، وقال اللبدي: (هو بضم الذال المعجمة بمعنى التذكر، وبكسرها يكون بمعنى النطق به، وليس ذلك مرادًا هنا، لكن ذكر بعض أهل اللغة أنه يصح أن يكون مكسور الذال بمعنى التذكر فعلى هذا يقرأ بهما)، وفي الحديث: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» رواه الترمذي، =
[ ١ / ٣٩٥ ]
ويُكرَه: الأنينُ (^١)، وتمنِّي الموتِ إلا لخوفِ فتنةٍ (^٢).
وتُسنُّ: عيادةُ المريضِ المسلمِ (^٣)، وتلقينُهُ عند موتِهِ
= فالمراد هنا أن يكثر من ذكر الموت في باله، ويستحضره في كل أحواله؛ لأنه يأتي بغتة.
(^١) وهو أن يخرج الإنسان صوتًا بسبب الشكوى، والمرض؛ لأنه يترجم عن الشكوى المنهي عنها، وقيده البهوتي في شرحيه بما إذا لم يغلبه، فإن غلبه لم يكره.
(^٢) يكره تمني الموت سواء نزل به ضر أو لم ينزل، كما قال الشارح. وفي الحديث: «لا يتمنيَّن أحدكم الموت لضر نزل به» متفق عليه، ويستثنى من هذه الكراهة أمران: ١ - لخوف فتنة في دينه، وذكره الماتن، فلا يكره إذَن؛ لقوله ﷺ: (وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون) رواه الترمذي وغيره، وهذا الاستثناء من زوائد الإقناع على المنتهى، لكن ذكره ابن النجار في المعونة. ٢ - وتمني الشهادة في سبيل الله تعالى، بل هو مستحب لا سيما عند حضور أسبابها قاله البهوتي في الكشاف؛ للحديث: «من تمنى الشهادة خالصًا لله من قلبه، أعطاه الله منازل الشهداء» رواه مسلم.
(^٣) قال الشارح: (من أول مرضه)، أي: في بداية المرض، وتكون الزيارة غِبًا. ويستثنى من سنية عيادة المريض المسلم حالتان: ١ - المبتدع الذي يسن هجره، وهو صاحب البدعة المحرمة غير المكفِّرة، وكذا المتجاهر بمعصية، فتكره عيادتهما. ٢ - والمبتدع الذي يجب هجره، وهو صاحب =
[ ١ / ٣٩٦ ]
«لا إلهَ إلا اللهُ» (^١)
= البدعة المكفِّرة، كالرافضي، فتحرم عيادته، ومن قواعد الحنابلة أن البدعة المكفرة يكفر بها الداعي، ويفسق بها التابع المقلِّد، ولا يكفر، وأما عوام الرافضة، فليسوا كفارًا إلا من قامت عليه الحجة، وزالت عنه الشبهة، وصار داعية إلى الرفض، وكذلك تحرم عيادة الكافر مطلقًا، ذميًا كان، أو مرتدًا، أو حربيًا.
(^١) فيسن تلقين المريض عند احتضاره؛ لقوله ﷺ: «من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، دخل الجنة». قال ابن عوض: (ظاهره استحباب التلقين، ولو لغير مكلف)، وقال أيضا: (وأطلق المصنف كغيره التلقين، فظاهره: أنه يقول له: قل لا إله إلا الله، ولعله غير مراد، بل ينبغي قولها بحضرته وهو يسمع؛ ليتفطن فيقولها، إلا إن كان كافرا فيقول له: قل)، وأصل هذا الكلام نقله الصالحي عن العلقمي الشافعي (ت ٩٦٩ هـ) في حاشيته على الجامع الصغير قال: (ولا يقول في التلقين: قل، بل يقول بحضرته؛ ليسمع التلقين فيقولها، إلا أن يكون كافرا، فيقول له: قل، كما قال النبي ﷺ لعمه أبي طالب، وللغلام اليهودي) انتهى.
وفي الحواشي السابغات: ويظهر لي في المذهب هنا احتمالان: ١ - يحتمل جواز أن يقول الملقن عنده: (لا إله إلا الله) فقط، بدون أن يقول له: قل، ٢ - ويحتمل: أن يقال له: (قل: لا إله إلا الله). وكلا الأمرين جائز ووردت به السنة، والله أعلم، واستظهر ابن عوض في تعليقه على دليل =
[ ١ / ٣٩٧ ]
مرةً (^١)، ولم يزِد (^٢)،
= الطالب إلى أنه يقول الملقن عند المحتضر: لا إله إلا الله، إلا أن يكون كافرا فيقول له: قل لا إله إلا الله).
(^١) تحتمل هذه العبارة أن المرة عائدة إلى المحتضر، فيكرر الملقِّن تلقين المحتضر حتى يقولها المحتضر مرة واحدة، لكن الظاهر أنها عائدة إلى الملقِّن، فيقول «لا إله إلا الله» مرة فقط، سواء قالها المحتضِر أو لا.
(^٢) قوله: (ولم يزد) لم أرها لغيره، وهو ظاهر ما قدمه في الغاية، فيكون التلقين مرة واحدة فقط، فإن لم يُجِبْ المحتضرُ يتركه، حتى يتكلم فإذا تكلم أعاد عليه التلقين وهكذا، وقال في الإقناع: (ويلقنه قول لا إله إلا الله مرة فإن لم يجب أو تكلم بعدها أعاد تلقينه بلطف ومداراة)، فعليه: يلقنه مرة فإن لم يجب، أو قالها وتكلم بعدها أعاد تلقينَه وهكذا، وأما في المنتهى - ونحوه في الزاد -، فقال: (وتقلينه لا إله إلا الله مرة، ولم يزد على ثلاث، إلا أن يتكلم)، وعليه: فيقول الملقن للمحتضر: «لا إله إلا الله» مرة، فإن لم يقلها، أعاد، فإن لم يقلها، أعاد، ثم يمسك، فإنه ربما منعه مانعٌ من قولها، نسأل الله العافية والثبات عند الموت، فإن تكلم بعد الثلاث أعاد عليه التلقين، ويحتمل أن يكون المعنى: أن يلقنه ثلاث مرات، أي: يقول الملقنُ للمحتضر (لا إله إلا الله)، ويجعله يرددها ثلاثَ مرات ولا يزيد عليه، إلا إذا تكلم بعد التلقين، فيعيد عليه حتى تكون آخر كلمة يقولها، ومهما يكن المعنى، فالمراد: أنه يستحب للملقن أن يجعل آخر كلمة =
[ ١ / ٣٩٨ ]
إلا أن يتكلمَ (^١)، وقراءةُ الفاتحةِ، و﴿يس﴾ (^٢)، وتوجيهُهُ إلى القبلةِ على جنبِهِ الأيمِن مع سَعةِ المكانِ، وإلا فعلى ظهرِهِ (^٣).
= يقولها المحتضَرُ قبل موته: (لا إله إلا الله). (مخالفة)
(^١) فإن تكلم المحتضر بغيرها أو بعد أن قال: لا إله إلا الله، أعاد تلقينه مرة أو ثلاثًا، على الخلاف السابق.
قال في الإقناع وشرحه: (فإن لم يجب) المحتضر من لقنه (أو تكلم بعدها) أي بعد لا إله إلا الله (أعاد) الملقن (تلقينه) ليكون آخر كلامه ذلك).
(^٢) أي: تسن قراءة السورتين عند المحتضِر، أما الفاتحة فنص الإمام أحمد عليها، ولم أقف على دليل لها، لكن قد يستدل لها بحديث اللديغ، والمحتضرُ كالمريض، وقد قال الله تعالى: (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق)، وأما قراءة سورة (يس) فللحديث: (اقرأوا على موتاكم يس) رواه أبو داود، وقد قال العلماء إن قراءة سورة ﴿يس﴾ يسهل خروج الروح.
(^٣) أي: فإن لم يمكن جعله على جنبه الأيمن لضيق المكان، جُعل على ظهره مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلا؛ ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء.
والرواية الثانية: يوجه مستلقيا على قفاه مطلقا، قال في الإقناع وشرحه بعد حكاية المذهب: (وعنه) يوجه (مستلقيا على قفاه) واسعا كان المكان أو ضيقا (اختاره الأكثر) وعليه العمل، (قال جماعة يرفع رأسه) أي المحتضر إذا كان مستلقيا (قليلا ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء).
[ ١ / ٣٩٩ ]
فإذا ماتَ، سُنَّ: تغميضُ عينيهِ (^١)، وقولُ: «بسمِ اللهِ، وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ (^٢)».
ولا بأسَ: بتقبيلِهِ، والنَّظرِ إليه، ولو بعدَ تكفينِهِ (^٣).
(^١) والمراد: ممن يجوز له مباشرة الميت، كالمحارِم؛ لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ أغمض أبا سلمة. رواه مسلم، لكن يكره كون المغمِّض حائضًا، أو جنبًا، وأن يقربا الميت، بل يبتعدان عنه.
وفي حاشية ابن عوض عن الحفيد: (وظاهره: لا يباح من غير محرم، ولعله: إن أدى إلى لمس أو نظر ما لا يجوز ممن لعورته حكم، بخلاف طفل وطفلة، وظاهره: أنه يجوز أن يغمض زوجته، وأن تغمضه كالغسل).
(^٢) أي: يسن أن يقول هذا الذكر عند تغميضه للميت نص عليه، أما في الدفن، فيقول: «بسمِ اللهِ، وعلى ملة رسولِ اللهِ»، وسيأتي إن شاء الله.
(^٣) فيباح ولو بعد تكفينه نص عليه، ويقيد بكونه ممن يباح له ذلك حال حياته، كما ذكر الشارح. ولعل ذلك: ما دام الميت في المغتسل، أما ما يفعله بعض الناس من نقل الميت من مكان التغسيل إلى البيت حتى يأتي الناس ويقبلوه وينظروا إليه، فهو مخالف للأمر بالإسراع بدفن الميت.
(تتمة) مما يشرع بعد الموت: قال في الإقناع: (ويجب أن =
[ ١ / ٤٠٠ ]