وهُوَ واجبٌ معَ العمرةِ في العُمُرِ مرَّةً (^٢).
وشرطُ الوجوبِ خمسةُ أشياءَ: الإسلامُ (^٣)، والعقلُ (^٤)،
(^١) الحج -بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان- لغة: القصد، وحكي عن الخليل أنه: كثرة القصد إلى من تعظمه قاله في المطلع، واصطلاحًا: قصد مكة، لعمل مخصوص، في زمن مخصوص. والعمرة لغة: الزيارة، وشرعًا: زيارة البيت على وجه مخصوص.
(^٢) لقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)، ومرة؛ لقوله ﷺ: (الحج مرة فمن زاد فهو تطوع) رواه أحمد والنسائي، وكذلك العمرة واجبة في العمر مرة على المذهب، وأقوى دليل حديث: (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) رواه أحمد وابن ماجه، وتدخل في قوله تعالى: (ولله على الناس …) وهي الحج الأصغر، والوجوب على الفور.
(^٣) يشترط لوجوب الحج شروط: (الشرط الأول) الإسلام، فلا يجب على الكافر، لكنه يعاقب في الآخرة على ما تركه من فروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]، مع كونهم كفارًا.
(^٤) (الشرط الثاني) العقل: فلا يصح الحج من المجنون، ولو =
[ ١ / ٥٨٥ ]
والبلوغُ (^١)، وكمالُ الحرِّيَّةِ (^٢).
لكن يصحَّانِ مِنَ الصَّغيرِ والرَّقيقِ (^٣)، ولا يجزئَانِ عن حجَّةِ الإسلامِ وعمرتِهِ (^٤).
= عقده له وليه. وقلة من العلماء يقولون بصحة حجه إن عقده له وليه قياسًا على الصبي، لكن ابن جاسر ذكر أن حج الصغير الذي عقده له وليه إنما صحَّ للنص الوارد في المرأة التي رفعت صبيها للرسول ﷺ، وقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) متفق عليه.
(^١) (الشرط الثالث) البلوغ، فإذا بلغ الإنسانُ، وجب عليه الحج.
(^٢) (الشرط الرابع) كمال الحرية، فلا يجب الحج على العبد، ولا المبعض. فهذه أربعة شروط، وسيأتي الشرط الخامس - وهو الاستطاعة - قريبًا إن شاء الله.
(تتمة) يقسم الشارحُ وغيرُه الشروطَ إلى أقسام: قسم للوجوب والصحة وهي الإسلام والعقل، وقسم للوجوب والإجزاء وليس للصحة وهي البلوغ وكمال الحرية، وقسم يشترط للوجوب دون الإجزاء وهو الاستطاعة.
(^٣) ولا يجبان عليهما.
(^٤) فإذا حجَّ الرقيق أو الصغير، صحَّ ذلك منه، وله ثواب - كما ذكر في الإقناع -، لكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل إذا بلغ لزمه أن يحج حجة أخرى ومثله العبد إذا عتق؛ لقول ابن عباس إن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» رواه =
[ ١ / ٥٨٦ ]
فإن بلغَ الصَّغيرُ، أو عَتَقَ الرَّقيقُ قبلَ الوقوفِ، أو بعدَهُ إن عادَ فوقَفَ في وقتِهِ، أجزأَهُ عن حجَّةِ الإسلامِ، ما لم يكن أحرمَ مفرِدًا أو قارِنًا، وسعى بعدَ طوافِ القدومِ (^١).
= الشافعي والبيهقي، قال البهوتي في الكشاف: (ولأنهم فعلوا ذلك قبل وجوبه فلم يجزئهم إذا صاروا من أهله كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت، وهذا قول عامة العلماء إلا شذوذا، بل حكاه ابن عبد البر إجماعا).
(^١) لو بلغ الصغير أو عتق الرقيق قبل الوقوف بعرفة، وكذا لو بلغ أو عتق بعد الوقوف وكان وقت الوقوف باقيًا، فإنه يجب عليه الرجوع إن كان متمكنًا قاله في الإقناع؛ لأن الحج واجب على الفور قاله البهوتي وابن جاسر، ويشترط ليجزئه حجه عن حجة الإسلام: ١ - أن يقف بعرفة في وقته، ٢ - وألا يكون قد سعى بعد طواف القدوم إن كان مفردًا أو قارنًا؛ لأن السعي لا يشرع تكراره، ولا يجوز التطوع به في غير حج أو عمرة، وقال الشيخ مرعي: (ويتجه: ولو بعد سعي إن فسخ حجه عمرة ولم يسق هديا أو يقف بعرفة) ووافقاه وابن جاسر، والمراد: أنه يسن على المذهب لمن أحرم مفردا أو قارنا وطاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج أن يقلب هذا الإحرام عمرة ثم يحرم بالحج لكي يكون متمتعا - بشرط عدم سوق الهدي، ولم يقف بعرفة - وهو أفضل الأنساك كما سيأتي، فإذا كان الصبي قد أحرم مفردا أو قارنا فيصح منه أن يفسخ هذا الإحرام إلى عمرة ويحرم بالحج لكن ما لم يسق هديا أو يقف بعرفة وهنا عدة مسائل:
المسألة الأولى: إن وقف بعرفة ودفع منها ووقت الوقوف باق =
[ ١ / ٥٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فهل يجوز له أن يرجع ويفسخ؟ والمراد هل قيدهم ما لم يقف بعرفة يشمل ما إذا وقف ودفع، وما إذا وقف ورجع إليها في وقت الوقوف؟ وحينئذ لا يجوز له أن يفسخ، أو يشمل فقط ما إذا وقف، أما إن وقف ودفع ثم رجع إليها في وقت الوقوف صح فسخه؟ تحتاج لتحرير.
المسألة الثانية: ما حكم هذا الفسخ إلى عمرة؟ هل هو واجب أم مباح؟
الظاهر: أنه واجب؛ لوجوب الحج على الفور، وهو قد تيسر له فيجب عليه فعله بأن يفسخ حجه عمرة، ليحرم بالحج. فليحرر، والله أعلم.
المسألة الثالثة: ما حكم هذه العمرة التي فسخها الصبي، هل هي عمرة فريضة أم نافلة؟
الظاهر: أنها نافلة لأنه لم يفسخها إلا بعد شروعه في طوافها، ولذا قال المؤلف هنا: (وكذا تجزئ العمرة إن بلغ أو عتق قبل طوافها) فيفهم منه: أنه إن بلغ بعد الشروع في طوافها أنها لا تجزئ عن عمرة الإسلام.
المسألة الرابعة: بناءً على المسألة الثانية، وهي أن عمرته المفسوخة تكون نافلة، إذا تحلل من العمرة فهل يلزمه أن يحرم بالحج فقط أم بالحج والعمرة؟ =
[ ١ / ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الظاهر: أنه يلزمه أن يحرم بالحج والعمرة؛ لوجوبهما على الفور، فيحرم بواحد من الأنساك الثلاثة بما فيها من حج وعمرة، فليحرر، والله أعلم.
(تتمة) الأنساك ثلاثة أنواع: تمتع، وإفراد، وقران. أما المفرد والقارن: فإنه إذا أتى مكة طاف استحبابًا للقدوم، ثم له أن يتبعه بسعي الحجّ، وله أن يؤخر سعي الحج، فيسعى بعد طواف الإفاضة، أما المتمتع، فيلزمه أن يطوف ويسعى ويحلق ويقصر ويتحلل من العمرة، ثم يُحرِم بالحج في اليوم الثامن، ثم إذا جاء يوم النحر طاف للحج طواف الإفاضة، وسعى سعي الحج. فيلزمه طوافان وسعيان، بخلاف القارن والمفرد، فيلزمهما طواف واحد، وسعيٌ واحد.
ولا بد من دليل قوي لإثبات التداخل بين العبادات، بحيث يعمل الإنسان عملًا واحدًا، ويكتب له ثواب عملين، والدليل على أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة يكفيان عن الحج والعمرة: قوله ﷺ لعائشة لما حاضت، وأدخلت الحج على العمرة: (طوافكِ بالبيت وسعيكِ بين الصفا والمروة يكفيكِ لحجكِ وعمرتكِ).
ويختلف المفرد عن القارن في عدة أمور: ١ - في وجوب الهدي على القارن، دون المفرِد، ٢ - وأن عمرة المفرد متميزة عن حجه؛ لأنها بعده، بينما عمرة القارن داخلة في الحج فيُحسب للقارن ثواب العمرة مع الحج، مع كونه لم يأت بأفعال العمرة، ويقولون إن عمرته تختفي وتتلاشى وتدخل في =
[ ١ / ٥٨٩ ]
وكذا تجزئُ العمرةُ إن بلغَ، أو عتَقَ قبلَ طوافِها (^١).
الخامسُ: الاستطاعةُ، وهي: ملكُ زادٍ وراحلةٍ تصلُحُ لمثلِهِ، أو ملكُ ما يقدِرُ بِهِ على تحصيلِ ذلكَ (^٢)، بشرطِ كونِهِ
= الحجّ، فيأتي بأفعال الحج، ويأخذ معه ثواب العمرة. وعمرة القارن تجزئ عن عمرة الإسلام. والدليل على جواز القران بين الحج والعمرة كونه ﷺ حجّ قارنًا.
(^١) فلو أحرم الصبي بالعمرة، ثم بلغ قبل أن يشرع في طوافها، فإنها تجزئه عن عمرة الإسلام. وكذا من عتق قبل الشروع في الطواف، أما لو شرع الصبي أو العبد في الطواف، ثم بلغ أو عتق، فإنهما يتمانها نفلًا، ثم يلزمهما أن يأتيا بعمرة أخرى للفريضة؛ لأن من شرع في الطواف فقد شرع في أسباب التحلل من العمرة، فلا تجزئه تلك العمرة عن عمرة الإسلام.
(^٢) (الشرط الخامس) الاستطاعة: ولابد فيها من عدة أمور: الأمر الأول: ملك الزاد والراحلة: والمراد بالزاد لغة - كما في المطلع -: الطعام الذي يُتخذ للسفر، وفي الاصطلاح: قال في الإقناع: (والزاد ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة)، والزاد يشترط مطلقا سواء كانت المسافة قريبة أم بعيدة،. والراحلة: كالناقة، ويقوم مقامها الآن السيارات، ويشترط في الراحلة أن تصلح لمثله، ويشترطون الراحلة إذا كان بينه وبين مكة مسافة قصر، أما إذا لم تكن مسافة قصر فلا تشترط الراحلة، إلا أن يكون عاجزًا عن المشي، أو ملك ثمن ذلك، فلا يشترط أن يكون مالكًا للسيارة والطعام، بل إن كان =
[ ١ / ٥٩٠ ]
فاضلًا عمَّا يحتاجُهُ مِنْ كتبٍ، ومسكنٍ، وخادمٍ (^١)، وأن يكونَ فاضلًا عن مؤنتِهِ ومؤنةِ عيالِهِ على الدَّوامِ (^٢).
= عنده من المال ما يستطيع به أن يشتري الطعام، ويؤجر سيارة، ويذهب مع حملة، فإنه يعتبر مستطيعًا.
(تتمة) الأمر الثاني: سعة الوقت لذهابه: بأن يكون متسعا يمكن الخروج والمسير فيه حسب العادة. الأمر الثالث: أمن طريق يمكن سلوكه بلا خفارة، ويوجد فيه الماء والعلف على المعتاد. الأمر الرابع: الدليل للجاهل. الأمر الخامس: القائد للأعمى.
(^١) فيشترط في النفقة أو الأموال التي يحصّل بها الزاد والراحلة أن تكون فاضلة وزائدة عن ثلاثة أشياء: الشيء الأول: أن تكون فاضلة عما يحتاجه عرفا كما في الغاية من الحوائج الأصلية ككتب، ومسكن فلا يلزم أن يبيع مسكنه وكتبه التي يحتاجها ليحج، لكن إذا كان عند الإنسان كتب لا يحتاجها، ولا يقرؤها أصلًا، وإنما هي للزينة، فإنه يلزمه بيعها إذا كان قد تملكها بالشراء. وكذا لو كان له نسختان من كتاب، واستغنى بإحداهما عن الأخرى، فإنه يلزمه بيع الأخرى، كما ذكر الشارح.
(^٢) الشيء الثاني: أن يكون فاضلا عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام: والمراد بقوله: (على الدوام): نحو عقَار يؤجره، ويدرّ عليه دخلًا شهريًا أو سنويًا كافيا له ولعياله، أو له وظيفة براتب مستمر، فيجب عليه إذَن أن يحج، وإلا فلا يلزمه، =
[ ١ / ٥٩١ ]
فمن كمُلت لَهُ هذهِ الشُّروطُ، لزمَهُ السَّعيُ فورًا، إن كانَ في الطَّريقِ أَمنٌ (^١).
= والرواية الثانية: يشترط أن يجد ما يقوم بكفايته وكفاية عياله مدة ذهابه ورجوعه فقط لا على الدوام، وهو الذي فسره به في المطلع ونقله عن المغني قال: (قوله: "على الدوام" الدوام: مصدر دام يدوم، إذا ثبت واستمر، والمراد ههنا: مدة ذهابه ورجوعه. هكذا ذكر المصنف ﵀ في "المغني")، ورحجه ابن جاسر في مفيد الأنام وقال: (لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعًا للحج إلا إذا كان عنده من النفقة بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، أي دوام حياته يقضي بأن لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده من المال ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، هذا ما ظهر لي والله أعلم)
(تتمة) الشيء الثالث: أن يكون فاضلا عن الواجبات والديون التي لله تعالى، أو للآدميين سواءً كانت حالة أو مؤجلة.
(^١) فمن شروط الاستطاعة- وتقدم -: أن يكون الطريقُ آمنًا بلا خفارة - بتثليث الخاء -: اسم لجُعْل الخفير، والمراد: بلا جعل يدفعه لمن يحميه في الطريق، سواء كانت يسيرة أو كثيرة كما هو ظاهر المنتهى، وإلا لم يجب عليه الحجّ، بخلاف الإقناع الذي أوجب الحج مع الخفارة اليسيرة. (مخالفة)
(تتمة) قال اللبدي في حاشيته على نيل المآرب: (ظاهره أن أمن الطريق شرط للزوم السعي، لا لوجوب الحج والعمرة، =
[ ١ / ٥٩٢ ]
فإن عَجَزَ عنِ السَّعيِ لعذرٍ ككبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ: لزمَهُ أن يقيمَ نائبًا حُرًّا (^١) - ولو امرأة (^٢) -، يحجُّ ويعتمرُ عنهُ مِنْ بلدِهِ (^٣)، ويجزئُهُ ذلكَ، ما لم يزُلِ العذرُ قبلَ إحرامِ نائبِهِ (^٤).
= فعليه لو مات ولم يحج أُخرِج من تركته مَنْ يحج عنه ويعتمر وجوبا والذي ذكره المصنف في الغاية أن أمن الطريق من الاستطاعة فيكون كسعة الوقت. انتهى).
قلت: المذهب أن أمن الطريق شرط للوجوب فإذا عدم في حياته لم يلزمه الحج، وعليه فلا يلزم الورثة أن يخرجوا من تركته حجة عنه.
(^١) لا عبدًا.
(^٢) فيجوز أن ينيب الرجل امرأةً، والعكس ولا كراهة كما في الإقناع، والدليل على جواز حج المرأة عن الرجل حديث الخثعمية التي قالت للنبي ﷺ: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على راحلة، أفأحج عنه؟ قال: (حجي عنه) متفق عليه، فإن لم يجد من يحج عنه ويعتمر سقطا.
(^٣) أي: بلد المستنيب، ويكفي النائب أن ينوي النسك عن المستنيب، ولا يشترط تسميته لفظًا، والاستنابة تكون فورا.
(^٤) فحج النائب يجزئ المستنيب، ما لم يزل عذرُ المستنيب قبل إحرام النائب، كمن به مرض لا يرجى برؤه أناب شخصًا ليحج عنه، ثم برأ المريض قبل أن يحرِم وكيله، فلا يجزئ حجه عنه إذَن. أما لو برأ بعد إحرامه فإنه يجزئه.
=
[ ١ / ٥٩٣ ]
فلو ماتَ قبلَ أن يستنيبَ، وجبَ أن يُدفعَ مِنْ تركتِهِ لمن يحجُّ ويعتمرُ عنهُ (^١).
= (تتمة) في الحواشي السابغات: (مسألة: لو برئ المستنيب قبل إحرام النائب فحَجَّ النائبُ غيرَ عالمٍ برءَ من أنابه:
أولا: تحرير محل النزاع: اتفق علماء المذهب على أن هذا الحج لا يصح فرضًا عن المستنيب.
ثانيًا: اختلف الحنابلة في صحة هذا الحج نفلًا عن المستنيب.
القول الأول: صحة الحج نفلًا عن المستنيب وثوابه له، اختاره ابن نصر الله والنجدي والشطي في حاشيته على الغاية وعبد الرحمن السعدي. فعلى هذا القول لا يلزمه أن يرد النفقة.
القول الثاني: عدم صحة الحج نفلًا عن المستنيب؛ وإنما يصح نفلًا عن النائب وثوابه له، اختاره مرعي الكرمي ومنصور البهوتي في شرح المفردات. وعلى هذا القول يلزمه رد النفقة.
ولعل هذا القول هو المذهب لأمرين: ١ - أنه لا يصح نفل الحج ممن لم يحج الفرض، ٢ - ولأن الوكيل ينعزل بعزل الموكل له - ولو لم يعلم -، فكل تصرف تصرفه الوكيل بعد عزله لا يصح؛ والعزل هنا هو برء المستنيب.
(^١) المراد: إن مات من توفرت فيه جميع الشروط المتقدمة قبل أن يستنيب، وَجَبَ أن يُدفَع من تركته لمن يحجّ ويعتمر عنه. ويكون ذلك من حيث وجب - كما ذكر الشارح -، أي: من بلد الميت، أو مسافة قصر فأقل من بلد الميت. أما لو أُنيب =
[ ١ / ٥٩٤ ]
ولا يصحُّ ممَّن لم يحجَّ عن نفسِهِ: حجٌّ عن غيرِهِ (^١).
وتزيدُ الأنثى شرطًا سادسًا (^٢)، وهُوَ: أن تجدَ لها زوجًا، أو محرَمًا مكلَّفًا (^٣)، وتقدِرُ على أجرتِهِ، وعلى الزَّادِ والرَّاحلةِ لها
= شخص من غير بلده، أو من أبعد من مسافة قصر من بلده، فلا يجزئ كما نص عليه في الإقناع، كميت من الأحساء لا يناب عنه شخص في مكة أو جدة.
(^١) أي: لا يصح أن يحج الوكيل عن المستنيب إن كان الوكيل لم يحج عن نفسه حج فرض أو قضاء أو نذر فيبدأ بالحج عن نفسه حج الفريضة أو القضاء أو النذر ثم يحج عن غيره، فإن حجّ عن غيره، فإن الحج يكون عن الوكيل نفسه على المذهب، ويرُدُّ المبلغ للمستنيب.
(^٢) منطوق المتن أن المحرم شرط مستقل يضاف للشروط المتقدمة، وظاهر صنيع الإقناع والمنتهى أنه ليس شرطا سادسا، بل هو شرط داخل في الاستطاعة، وصرح بهذا الخلوتي وقال: (ويدل لذلك قول الإمام: المحرم من السبيل) (مخالفة الماتن).
(^٣) المحرَم هو: الزوج أو من تحرُم عليه على التأبيد بنسبٍ - كالأب والابن والأخ -، أو سببٍ مباح من رضاع أو مصاهرة، كابن زوجها أو ابنها من رضاع. ويشترط في المحرَم أن يكون ذكرا، مُكلفًا، أي: بالغًا عاقلًا، ويشترط أيضًا أن يكون مسلمًا، بصيرا.
(تنبيه) ذكرُ الماتن للزوج أولا ثم عطف المحرم عليه فيه =
[ ١ / ٥٩٥ ]
ولَهُ (^١)،
= شيء، وكأنه يفيد أن الزوج ليس محرما، وأن المحرم يختلف عن الزوج، والأصح عبارة الإقناع والمنتهى والغاية: وشرط لوجوب الحج على أنثى محرم .. وهو زوج أو من تحرم عليه على التأبيد .. إلخ. (مخالفة الماتن)
(^١) أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة أن تجد محرمًا، وأن يكون عندها أجرة ذلك المحرم؛ حتى يسافر معها. ويشترط أيضًا: أن تقدر على الزاد والراحلة لها وله، حتى زوجها، فيجب عليها أن تنفق عليه ليحج معها؛ لكن يجب عليه نفقة زوجته بقدر نفقة الحضر، وما زاد فعليها.
(تنبيه) المحرم في وجوب الحج شرط لكل امرأة تريد النسكَ ولو كان بينها وبين الحرم أقل من مسافة قصر، وإلا فلا يجب عليها الحج، قال في الإقناع وشرحه (٦/ ٥٢): (ويشترط لوجوب الحج على المرأة، شابة كانت أو عجوزًا مسافة قصر، ودونها وجود محرم): لحديث ابن عباس مرفوعا «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها إلا ومعها محرم فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج فقال: اخرج معها» رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي هريرة مرفوعا «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم» رواه البخاري، ولمسلم ذو محرم منها وله أيضا " ثلاثا "، وهذا مخصص لظاهر الآية؛ ولأنها أنشأت سفرا في دار الإسلام =
[ ١ / ٥٩٦ ]
فإن حجَّت بلا محرَمٍ، حرُمَ، وأجزأَها (^١).
= فلم يجز بغير محرم كحج التطوع والزيارة والتجارة)، وقال البهوتي في المنح الشافيات (١/ ٣٤٧): (وامنع من الحج بغير محرم … لامرأة لو في جوار الحرم أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها، ولا يجوز لها السفر بدونه ولو كانت جوار الحرم، أي: ليس بينها وبينه مسافة قصر). لكن هل يجوز لها إذا كانت من أهل مكة أن تحج وتعتمر بدون محرم، وهل يجب عليها؟ الظاهر: نعم يجوز، بل يجب عليها؛ إلا إذا قيل: إن الذهاب إلى عرفة سفر، فلا يجب عليها، لكن سيأتي أن السفر القصير هو ما يعد في العرف سفرًا، والذي بين مكة وعرفة مسافة قصيرةٌ لا تعد سفرًا. والله أعلم.
(تتمة): مسائل في محرم المرأة:
الأولى: لو وجدت المرأة محرمًا في سنة من السنوات مع توفر بقية شروط الوجوب ثم فرطت فلم تذهب، ثم عدمت المحرم بعدُ، وجب عليها حينئذ أن تستنيب.
الثانية: يجب المحرم للمرأة في السفر الطويل والقصير، قال في الإقناع وشرحه: (وكذا يعتبر) المحرم (لكل سفر يحتاج فيه إلى محرم) أي: لكل ما يُعد في العرف سفرًا)، وهذه من المواضع التي أرجعوا السفر فيها إلى العرف، وفيه إشارة: إلى أن السفرَ القصيرَ هو الذي دون مسافة القصر وما عد في العرف سفرا.
الثالثة: المحرم معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين فأكثر؛ لأنها محل الشهوة.
(^١) فيحرم عليها أن تحج بلا محرَم، لكن حجها يجزئها. وليس =
[ ١ / ٥٩٧ ]