يجبُ صومُ رمضانَ برُؤيةِ هلالِهِ (^٢) على جميعِ
(^١) الصيام لغة: الإمساك، وشرعًا: إمساكٌ بنية من شخصٍ مخصوص في وقتٍ مخصوص عن أشياء مخصوصة. قال النجدي: (شخص مخصوص: أي مسلم عاقل مميز غير حائض ونفساء). وفُرِض صيامُ شهر رمضان في السنة الثانية ويكون بذلك قد صام النبي ﷺ تسعَ رمضانات.
ودليل فرض صيام رمضانَ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ.
(^٢) بدأ المؤلف بالأمور التي يثبت بها دخول شهر رمضان فيجب صوم رمضان - على المذهب - بأحد ثلاثة أمور: (الأمر الأول): رؤية هلال رمضان، لحديث: (صوموا لرؤيته). متفق عليه، ويجب الصوم به بالإجماع، ويطلق الهلال - كما في المطلع نقلًا عن الجوهري - على ما يكون في أول ليلة وكذا الثانية والثالثة، ثم بعد ذلك يُسمى قمرًا. ويترتب على ذلك مسائل هنا، وفي الطلاق، وغيره.
(تتمة) يشترط لاعتبار رؤية هلال رمضان أن تكون بعد غروب الشمس، فلو رؤي الهلال نهارًا، لم يثبت به دخول الشهر، ولم تعتبر رؤيةً شرعيةً.
[ ١ / ٥٣٩ ]
النَّاسِ (^١)، وعلى مَنْ حالَ دونَهم ودونَ مطلعِهِ غَيمٌ أو قترٌ، ليلةَ الثَّلاثينَ مِنْ شعبانَ (^٢)، احتياطًا بنيَّةِ أنه من رمضانَ (^٣).
(^١) المذهب أن الهلال إذا رؤي في مكان ما - ولو في المغرب الأقصى -، فإنه يلزم جميع المسلمين في الكرة الأرضية الصيامُ ولو اختلفت المطالع؛ لقوله ﷺ: «صوموا لرؤيته»، وهو خطابٌ للأُمَّة كافة. أما شيخ الإسلام، فيرى أنه إذا رؤي الهلال في بلد؛ فإنَّ لزوم الصيام يقتصر على أهل ذلك البلد، ومن قارَبَ مطلعهم في زمن يبلغهم فيه رؤية الهلال.
(^٢) (الأمر الثاني) من حال دونهم ودون مطلع الهلال - أي: حجبهم عن رؤية هلال رمضان - غيمٌ أو قتر، فيجب عليهم الصوم. وإنما يكون هذا ليلة الثلاثين من شعبان فقط، وهو من المفردات، أي: انفرد به الحنابلة عن سائر المذاهب.
والغيم: هو السحاب، والقتر: هو الغبار الذي يكون مرتفعًا في السماء. أما الغبار الذي يكون أسفل - أي: في الأرض -، فيسمى غبرة كما في المطلع.
(^٣) فوجوب الصوم على من حال دونهم ودون مطلع الهلال غيم أو قتر إنما يكون احتياطًا - لا يقينًا - بنية أنه من رمضان بناء على غلبة الظن فلعله طلع الهلالُ لكن لم يُر، لحديث (إذا رأيتموه فأفطروا فان غم عليكم فاقدِروا له). متفق عليه، أي: ضيقوا عليه وهو أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما، وفسره ابن عمر بفعله؛ لأنه كان إذا حال دون منظره سحاب أو قتر =
[ ١ / ٥٤٠ ]
ويُجزئُ إن ظهرَ منهُ (^١)، وتصلَّى التَّراويحُ (^٢). ولا تثبتُ بقيَّةُ الأحكامِ: كوقوعِ الطَّلاقِ، والعتقِ، وحلولِ الأجلِ (^٣).
= أصبح صائما، وهو راوي الحديث وأعلم بمعناه فوجب الرجوع في تفسيره إليه، ولأنه يحتاط لرمضان ويجب بخبر الواحد، وللحنابلة أدلة أخرى على هذا، بل صنفوا في هذه المسألة التصانيف - كما قال المرداوي -، منهم من ينصر المذهب، ومنهم من يرد عليه، وطُبع منها ثلاثة أو أربعة رسائل. والمذهب المعتمد: وجوب الصيام.
(^١) أي: يجزئ صيام ذلك اليوم إن ظهر أنه من رمضان، وذلك بأن تثبت رؤيته بمكان آخر.
(^٢) أي: تلك الليلة. فإذا حكمنا بدخول شهر رمضان بهذا الطريق، ثبتت أحكامه الخاصة بصيام رمضان فقط، ومنها: استحباب صلاة التراويح في تلك الليلة، ووجوب صوم اليوم الذي يليها، ووجوب الإمساك لمن بلغ فيه، وغير ذلك من الأحكام التي تتعلق بصيام رمضان.
(^٣) فلا تثبت الأحكام التي لا تتعلق بصوم رمضان. فلو علَّق طلاقَ زوجتِه على دخول رمضان، ثم حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر، فيُحكم بدخول شهر رمضان احتياطًا، لكن لا يقع الطلاق، وكذلك لو علق العتق على دخول رمضان، فلا يقع حتى يُرى الهلالُ، أو يكمل شهر شعبان ثلاثين يومًا. ومثله أيضًا ديون مؤجلة مؤقتة بدخول رمضان، فلا تحل إن حكمنا بدخول رمضان بهذا الطريق. =
[ ١ / ٥٤١ ]
وتثبتُ رؤيةُ هلالِهِ بخبرِ (^١)
= (تتمة) الرواية الثانية في هذه المسألة: لا يجب صوم رمضان إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر، ولا تثبت توابع الصيام. وقدَّمه صاحب الإقناع، واختاره شيخ الإسلام، وقال: (لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من أصحابه). وردَّ ابنُ مفلح في الفروع جميعَ ما احتج به الأصحاب للوجوب، وقال: (ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب - أي: بوجوب صيام ذلك اليوم إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر - ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه).
والرواية الثالثة في هذه المسألة: الناس تبع للإمام.
(تتمة) يثبت دخول الشهر أيضًا ب: (الأمر الثالث) وهو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وهذا بالإجماع فإذا أكمل الناس شعبان ثلاثين يوما حكم بعده بدخول رمضان وإن لم يُر الهلال.
(تنبيه) لا يعمل بدخول رمضان بغير ما تقدم من الأمور الثلاثة كالحساب والنجوم ولو كثرت إصابتُهما، بل لو كان صحوا وصام ذلك اليوم وبان من رمضان لم يجزئه؛ لأنه لم يستند على ما يعول عليه شرعًا، وهو يوم الشك الذي يكره صومه على المذهب.
(^١) فلا يشترط لفظ الشهادة - بأن يؤدي الرائي الخبرَ بقوله: «أشهد» -، بل يكفي الإخبار بقوله: «رأيتُ هلال رمضان».
[ ١ / ٥٤٢ ]
مسلمٍ (^١) مكلَّفٍ (^٢) عدلٍ (^٣)، ولو عبدًا أو أنثى (^٤). وتثبتُ بقيةُ الأحكام تبعًا (^٥).
(^١) يشترط لقبول خبر رؤية هلال رمضان: (الشرط الأول) أن يكون المخبِر مسلمًا، لا كافرًا.
(^٢) (الشرط الثاني) أن يكون مكلَّفًا، فخرج بذلك الصبي والمجنون.
(^٣) (الشرط الثالث) أن يكون عدلًا، والمقصود بالعدالة هنا: الظاهرة والباطنة فلا يكفي مستور الحال أو مجهوله.
ويكفي واحد يخبر برؤية هلال رمضان؛ لحديث ابن عمر ﵄: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود وصححه ابن حزم والنووي.
(تتمة) يقول الحنابلة هنا: (ولا يختص بحاكم)، والمراد منه: أنه لا يلزم من رأى الهلال أن يشهد عند الحاكم. فمن سمع عدلًا استوفى ما تقدم من الشروط يخبرُ أنه رأى هلال رمضان، وجب عليه - أي: السامع - صيام رمضان، ولو رد الحاكم خبرَه، والرائي من باب أولى.
(^٤) أي: امرأة.
(^٥) فإذا أخبر شخصٌ عدل بدخول شهر رمضان، وقد استوفى الشروط المتقدمة، فإن بقية الأحكام تثبت تبعًا للصوم كحلول الدَّين، ووقوع الطلاق، والعتق المعلقَين بدخول رمضان.
[ ١ / ٥٤٣ ]
ولا يُقبل في بقيَّةِ الشُّهورِ إلا رجلانِ عدلانِ (^١).
(^١) وهذه المسألة من زيادات الإقناع على المنتهى، فيشترط في دخول رمضان واحد وفي خروجه اثنان، فكل الشهور - ومنها شوال - لا يقبل في دخولها إلا رجلان عدلان، فلا يقبل فيها قول الإناث، بخلاف رمضان. ويشترط أيضًا أن يكون بلفظ الشهادة، فيقول كل واحد منهما: أشهد أني رأيت هلال شوال مثلًا، بخلاف رمضان، فيكفي فيه الإخبار - أي: أن يقول: رأيتُ هلال رمضان -، ولا يشترط أن يقول: أشهد. وإنما سهلوا في دخول رمضان لحديث ابن عمر ﵄: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه»، واحتياطًا للعبادة، كما قال الشيخ منصور في كشاف القناع وشرح المنتهى.
[ ١ / ٥٤٤ ]