وهي: رفع الحدث (^٢)
(^١) الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسيّة - كالبول -، والمعنويّة - كالحسد -. وسيأتي تعريفها اصطلاحًا في كلام المؤلف.
(^٢) الحَدَث: وصف يقوم بالبدن يمنع الإنسان من الصلاة ونحوها، وهو باختصار - كما في المنتهى -: ما أوجب وضوءًا أو غسلًا. وما يوجب الوضوء هو: نواقض الوضوء، وما يوجب الغسل هو: موجبات الغسل. وقوله: (رفع الحدث): خالف به جمهور المصنفين من الحنابلة، فإنهم يقولون: ارتفاع الحدث - كما في الأصول الثلاثة: الإقناع والمنتهى والغاية -؛ ليحصل التطابق بين المفسِّر - وهو الارتفاع -، والمفسَّر - وهو الطهارة -. والتعبير بالرفع - كما قال الشيخ منصور -: هو تعريف للتطهير لا للطهارة، لكنه إنما استعمل ذلك الأسلوب؛ لأن الطهارة أثر ذلك الرفع وناشئة عنه، لكن الأَولى ما مشى عليه الجمهور؛ لأن الحدث وصف معنويٌّ لا يملك الشخص رفعه بنفسه، وإنما هو أثر للوضوء أو الغسل. (مخالفة الماتن) =
[ ١ / ٢٥ ]
وزوال الخبث (^١).
وأقسام الماء ثلاثة (^٢):
أحدها: طَهور، وهو الباقي على خِلقته، يرفعُ الحدث ويزيلُ الخَبَث (^٣).
= (تتمة) التيمم طهارة لكنه لا يرفع الحدث على المذهب، بل هو مبيح لفعل العبادات التي يشترط لها الطهارة كالصلاة ونحوها.
(^١) الخَبَث: هو النجاسة الطارئة على محل طاهر سواء زالت بفعل فاعل أو بنفسها كزوال تغيّر الماء الكثير بنفسه. أما النجاسة العينيّة كالبول والدم، فلا يمكن تطهيرها.
(^٢) يُقسم الحنابلة المياه - باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع - إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، ويقولون: إن هذه قسمة عقلية: فالماء إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فالأول هو الطهور، والآخر إما أن يجوز تناوله وشربه أو لا، فالأول طاهر، والآخر نجس. وهذا هو المذهب المعتبر.
والقول الآخر في المذهب: انقسام الماء إلى قسمين: طهور ونجس، وهو اختيار شيخ الإسلام، وذكره الشيخ منصور في كشاف القناع.
(^٣) المراد بالطهور: الطاهر في نفسه المطهّرُ لغيره. وتعريفه: الباقي على خِلقته، أي: التي خلقه الله عليها إما حقيقة بأن لم يطرأ عليه شيء، وإما حُكمًا كالمتغير بسبب طول المكث. وحُكمه: يرفع الحدث ويزيل الخبث، ولا يحصل أحدُهما بغير =
[ ١ / ٢٦ ]
وهو أربعةُ أنواع (^١):
١ - ماء يحرم استعمالُهُ (^٢)، ولا يرفع الحدثَ (^٣)، ويزيل الخبثَ (^٤)، وهو: ما ليس مباحًا (^٥).
٢ - وماء يرفع حدثَ الأنثى لا الرجلِ البالغِ والخنثى، وهو: ما خلت به (^٦)
= الماء الطهور. أما التيمم بالتراب فلا يرفع الحدث، كما تقدم.
(^١) وكذا في غاية المنتهى، قال ابن عوض عن هذه القسمة للماء الطهور: (هذا تقسيم باعتبار الأوصاف … وهذا السبك والتلخيص على هذا الأسلوب لم يُر لغيره). قلت: وهو تقسيم صحيح مبني على استقرائه للإقناع والمنتهى.
(^٢) مطلقًا سواء للأكل أو الشرب أو إزالة الخبث.
(^٣) أي: لو توضأ به مثلًا لم يرتفع حدثه؛ لأن النهي يقتضي الفساد.
(^٤) أي: لو غسل به محل متنجس حكم بطهارته مع حرمة الاستعمال.
(^٥) كالمسروق والمنهوب؛ لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد، ويُلحق به الحنابلة الماء الموقوف للشرب - كالماء الذي في البرادات التي في الشوارع -، فلا يجوز الوضوء والغسل به، ولا يرتفع به الحدث؛ لأنه موضوع لجهة معينة، فلا يجوز صرفها في غيرها. والظاهر أن ذلك لا يشمل ماء البرادات في الحرم، فيصح الوضوء منها.
(^٦) أهمل المؤلف قيدًا مهمًا: وهو كونه ماءً قليلًا كما في الإقناع =
[ ١ / ٢٧ ]
المرأةُ المكلَّفَةُ (^١) لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ (^٢).
٣ - وماء يُكره استعمالُه مع عدمِ الاحتياجِ إليه (^٣)،
= والمنتهى وغيرهما، وإلا لم تؤثر فيه خلوة المرأة به. والمراد بالخلوة هنا وفي النكاح: عدم مشاهدة مميز - ولو كان الباب مفتوحًا -، وبالغ أَولى. والمقصود بالمشاهدة: الحضور، فيدخل في ذلك الأعمى. (مخالفة الماتن)
(^١) ولو كانت كافرة.
(^٢) تعبدًا - كما في المنتهى -، أي: هو حكم غير معلَّل، فلا يقاس عليه. فإذا خلت المرأة المكلفة بالماء القليل لطهارة كاملة - لا بعضها - عن حدث أصغر أو أكبر - لا لإزالة الخبث، ولا لطهارة مستحبة -، فإن ما يفضل من الماء - لا المتقاطر - لا يرفع حدث الرجل البالغ مع كونه طهورًا؛ لنهيه ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الخمسة. وفي مسلم أنه ﷺ توضأ بفضل ميمونة ﵂، لكن حمله الحنابلة على عدم خلوتها به، بل كان يشاهدها وهي تتوضأ به.
(تتمة) فإن لم يجد الرجل غير هذا الماء استعمله وجوبًا وتيمم.
(^٣) والقاعدة في المذهب: أن الكراهة تزول مع الحاجة، ذكرها الشيخ منصور في الكشاف عن شيخ الإسلام في الاختيارات. وهذه القاعدة أغلبية وإلا فثمَّ مسائل قالوا فيها بالكراهة مع وجود الحاجة كالكلام من مقيم الصلاة حال إقامته، وكراهة ذوق الصائم للطعام مع الحاجة.
وقد ذكر المؤلف تسعة أشياء من المياه يكره استعمالها.
[ ١ / ٢٨ ]
وهو: ماءُ بئرٍ بمقبرةٍ (^١)، وما اشتد حرُّه أو بردُه (^٢)، أو سُخِّن بنجاسة (^٣)، أو سُخِّن بمغصوب (^٤)، أو استُعْمِلَ في طهارة لم تجب (^٥)، أو في غسلِ كافرٍ (^٦)، أو تغيَّر بملحٍ
(^١) المقبرة بتثليث الباء. فيكره استعمال ماء بئر بمقبرة في الوضوء والأكل والشرب وكل شيء - كما ذكر الشيخ منصور في شرح المنتهى-؛ لإمكان اختلاطه بما يتحلل من أجساد الأموات.
(^٢) أي: أو اشتد حرُّه أو بردُه، فيكره استعماله؛ لأنهما يمنعان من كمال الطهارة.
(^٣) فيُكره إن كان قليلًا، لا إن كان كثيرًا، وإن تحقق وصول دخان النجاسة إلى الماء وكان قليلا تنجس.
(^٤) أي: أو سُخن بمغصوب، كحطب أو غاز مغصوب، فيكره؛ لأنه أثر محرم.
(^٥) كتجديد وضوء، وغسلة ثانية وثالثة. وقوله: (لم تجب): ظاهره يشمل الطهارةَ المستحبةَ والمباحةَ، لكن المراد: المستحبة فقط، فاستعماله في طهارة مباحة لا يجعله مكروهًا.
وقد تابع المؤلف في هذه المسألة - هنا وفي الغاية - الإقناعَ، أما المنتهى فلم يجعل الماء القليل المستعمل في طهارة لم تجب مكروهًا، لكن الشيخ منصور مال في الكشاف إلى الكراهة تبعًا للإقناع والغاية، ومثله عثمان النجدي في هداية الراغب. (مخالفة الماتن)
(^٦) أي: استُعمل في غسل كافر، وهو المتقاطر منه، فلا يسلبه الطهورية؛ لأنه لم يرفع حدثا.
[ ١ / ٢٩ ]
مائيٍّ (^١)، أو بما لا يمازجه كتَغيُّرِه بالعود القَماريِّ (^٢) وقِطَعِ الكافورِ والدُّهنِ (^٣).
ولا يُكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالة الخبث (^٤).
(^١) الملح المائي: هو المعقود من نفس الماء، أي: يخرج من البحر. فإذا تغير الماء بملح مائي كُره استعماله. أما الملح المعدني المستخرج من الجبال وباطن الأرض، فإن غيّر الماء سلبه الطهورية.
(^٢) المراد بالممازجة: المخالطة، فإن تغيّر الماء بما لم يختلط به لم يسلبه الطهورية. والعود القَماري - بفتح القاف: نسبة إلى منطقة في الهند.
(^٣) الكافور: مادة فيها رائحة عطرية معروفة توضع للميت، فإن تغيّرت رائحة الماء مثلًا بقطع الكافور كُره. وقوله: (قِطَع) يفهم منه أنه: فلو دُقّ الكافور فصار طحينًا ووضع في الماء فغيّره، فإنه يسلبه الطهورية.
(تتمة) وإنما لم يسلب قطع الكافور والدهن الماءَ الطهورية وإن تغير بهما الماء لأن التغير بذلك تغير مجاورة لا ممازجة واختلاط، وينضبط المجاور بما يمكن فصله، والمخالط والممازج بما لا يمكن فصله قاله ابن عوض عن الدنوشري.
(^٤) فقط؛ تشريفًا له. وثبت عن النبي ﷺ أنه توضأ من ماء زمزم رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح قاله في المبدع والكشاف، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح.
[ ١ / ٣٠ ]
٤ - وماء لا يُكره (^١) كماء البحرِ (^٢)، والآبارِ (^٣)، والعيونِ، والأنهارِ (^٤)، والحمَّامِ (^٥)، والمسخَّنِ بالشمس، والمتغيِّرِ بطول المكث (^٦)، أو بالرِّيح من نحو مَيْتَة (^٧)، أو بما يشق صونُ الماءِ عنه (^٨) كطُحْلُبٍ (^٩)،
(^١) أي: مطلقًا.
(^٢) للحديث: «هو الطهور ماؤه» رواه أبو داود وغيره.
(^٣) لأن النبي ﷺ توضأ من بئر بضاعة، أخرجه النسائي.
(^٤) لأن ماءهما كماء الآبار.
(^٥) المراد به: الحمام الموجود في الشام وبعض بلاد المغرب والأندلس، ويشبه الساونا، وهو مبنى كبير يدخل الشخص في غرفة باردة منه، ثم في أخرى دافئة، ثم في ثالثة حارة قليلًا …
(^٦) الماء إذا طال بقاؤه في مكان، فربما يتغيّر لونه أو رائحته أو طعمه، لكن ذلك لا يضر فلا يكره.
(^٧) أي: انتقلت رائحة الميتة إلى الماء، فلا يسلبه ذلك الطهورية باتفاق - كما في المبدِع -؛ لأن التغير هنا عن مجاورة لا مخالطة. أما الشيخ ابن سعدي فيقول: إن ذلك يسلبه الطهورية، وهو قول غريب مخالف للاتفاق المحكيّ.
(^٨) أي: لو تغيّر الماء بشيء يشق على الناس أن يمنعوا وقوعه في الماء وأن يصونوا الماء عنه، فإنه لا يضره ولا يسلبه الطهورية.
(^٩) الطحلب: هو الخضرة التي تعلو على وجه الماء.
[ ١ / ٣١ ]
وورق شجر (^١) ما لم يُوضَعَا (^٢).
الثاني: طاهرٌ (^٣) يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث (^٤). وهو: ما تغيَّر كثيرٌ من لونه، أو طَعمِه، أو ريحه (^٥)
(^١) فلا يكره ماء تغيّر بوقوع ورق شجر فيه.
(^٢) فإذا وُضع في الماء ما يشق صونه عنه عمدًا وقصدًا، فإنه يسلبه الطهورية، ويُقيد ذلك الوضع بثلاثة شروط: ١ - أن يكون قصدًا، ٢ - وأن يكون الواضع آدميًا، ٣ - وأن يكون عاقلًا.
(^٣) وهو الطاهر في نفسه، غير المطهر لغيره. وليس للطاهر ضابط في المذهب، بل يذكرون له صورًا.
(^٤) فيجوز استعمال الماء الطاهر للشرب والطبخ مثلًا، لكنه لا يرفع الحدث، ولا تزول به النجاسة.
(^٥) التغيّر هنا ثلاثة أقسام كلها تسلب الماء الطهورية: ١ - تغيّرٌ كثير في إحدى صفات الماء الثلاث بمخالط طاهر، واقتصر عليه الماتن، قال البهوتي في الكشاف في التعليل لهذا القسم: (فيسلبه الطهورية؛ لأنه ليس بماء مطلق)، ومن باب أولى لو غير الطاهرُ المخالطُ أحدَ أوصافه الثلاثة ٢ - تغيّرٌ أزال ورفع عنه اسم الماء كأن صار يسمى شايًا أو خلا، فلا يرفع حدثًا ولا يزيل خبثًا، خلافًا لشيخ الإسلام الذي يرى زوال النجاسة بأي مزيل مائعًا كان أو جامدًا. ٣ - تغيّرٌ لم يُزِل اسمَ الماء عنه، لكن قيّده، حيث غلبت أجزاءُ الواقع في الماء عليه حتى يقال - كذا في الكشاف - مثلًا: حِبر فيه ماء، أو خل فيه ماء، ويفهم من كلامهم في هذا القسم: أنه لو تغير بشيء طاهر لكن =
[ ١ / ٣٢ ]
بشيء طاهر (^١)، فإن زال تغيُّرُه بنفسه عاد إلى طَهُوريته (^٢).
ومن الطاهرِ: ما كان قليلًا واستُعملَ في رفعِ حدثٍ (^٣)، أو انغمست فيه كلُّ يدِ المسلمِ المكلفِ النائمِ ليلًا نومًا ينقض الوضوءَ قبل غسلِها ثلاثًا بنيةٍ وتسميةٍ (^٤)،
= لم يقل الناسُ عنه: هذا حبر فيه ماء، بل قالوا عنه هذا ماء فيه حبر، أو هذا ماء فيه خل لم يسلبه الطهورية، فليحرر. والله أعلم. وهذه (الصورة الأولى) من صور الماء الطاهر.
(^١) كزعفران.
(^٢) أي: إن زال تغيّر الماء الطاهر - من طعم أو لون أو رائحة - بنفسه أو بضم شيء إليه عادت طهوريته، ويصير طهورًا، فيرتفع به الحدث، ويزول به الخبث. وذكر الشيخ عثمان أنه لو أُضيف إليه ماء فزال تغيّره، فإنه يعود إلى طهوريته أيضًا، وأصله للبهوتي في الكشاف.
(^٣) (الصورة الثانية) الماء القليل - وهو ما كان أقل من قُلَّتين، وسيأتي - المستعمل في رفع حدث، أما الكثير فلا يُسلب الطهورية. والمراد بالماء المستعمل: الذي يجري على العضو ويتقاطر، ولا يحكم بأنه مستعمل إلا بانفصاله، أما الماء الباقي في الإناء بعد الوضوء فليس مستعملًا.
(^٤) وهذه (الصورة الثالثة) من صور الماء الطاهر، فإذا نام مسلم مكلف في الليل - لا النهار - نومًا ينقض الوضوء، ثم غمس كل يده - لا بعضها - في ماء قليل، فإنه يُسلب الطهورية، فإن لم يجد من يريد الوضوءَ غيرَ هذا الماء استعمله وتيمم وجوبًا. =
[ ١ / ٣٣ ]
وذلك واجبٌ (^١).
= ولها حالتان:
١ - أن يغمسها كلها في الماء القليل، أو يحصل الماء اليسير فيها كلها فإن ذلك يسلب الماء الطهورية، سواء نوى غسلها أو لا.
٢ - أن يغمس بعضها في الماء القليل ناويا غسلها من نوم الليل فإنه يسلبه الطهورية، وإن لم ينو غسلها فلا يسلب الماء الطهورية.
لكن لو نوى وسمّى وغسلها ثلاثًا قبل غمسها في الماء، فإنه إذا غمسها بعد ذلك في الماء القليل فلا يسلب الطهورية.
ومن صور الماء الطاهر أيضًا: (الصورة الرابعة) أن يُطبخ في الماء الطهور شيءٌ طاهر فغيره، فإنه يسلبه الطهورية، فإن لم يغيره كما لو سلق فيه بيض فطهور كذا في الإقناع وشرحه.
(^١) أي: الغسل ثلاثًا بنية وتسمية، فإن نسي غَسْلَ يديه سقط عنه.
قال في الإقناع وشرحه: (ويسقط) غسل اليدين من قيام الليل (سهوا) قال في المبدع إذا نسي غسلهما سقط مطلقا لأنها طهارة مفردة وإن وجبت، ومقتضاه: أنه لا يستأنف ولو تذكر في الأثناء، بل ولا يغسلهما بعد، بخلاف التسمية في الوضوء؛ لأنها منه.
(تنبيه): نقل ابن تميم عن النكت أن غسل اليدين على القول بوجوبه شرط لصحة الصلاة واقتصر عليه، وكذا حكاه الزركشي عن ابن عبدوس وغيره واقتصر عليه أيضا، ولم يوجد في كلام أحد ممن تأخر عن هؤلاء ما يخالفه، وحيث كان كذلك فكيف يسقط بالنسيان قاله شيخنا عبد الرحمن البهوتي). =
[ ١ / ٣٤ ]
الثالث: نَجِسٌ يحرم استعمالُه (^١) إلا لضرورةٍ (^٢)، ولا يَرفَع الحدثَ، ولا يُزيل الخبثَ، وهو: ما وقعت فيه نجاسة وهو قليلٌ (^٣)، أو كان كثيرًا وتغيَّر بها أحدُ أوصافِه (^٤).
= انتهى من الكشاف، وقد نبه المحقق أن من قوله: (تنبيه) إلى آخره ليس من كلام البهوتي.
(^١) سواء في رفع الحدث أو زوال الخبث أو غير ذلك.
(^٢) كعطس ودفع لقمة غص بها، وضابط الضرورة في المذهب: أن يخشى التلف - من موت أو سقوط عضو - إن لم يتناول المحرَّم، فيباح المحرَّم إذَن.
(^٣) الماء النجس قسمان: القسم الأول: الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة: فالماء القليل - أي: أقل من قلَّتين - إذا وقعت فيه نجاسة، فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها سواء تغيّر أو لم يتغيّر، ومثله المائع الطاهر، والماء الطاهر إذا وقعت فيهما نجاسة فإنهما ينجسان بمجرد الملاقاة ولو كثرا.
(^٤) القسم الثاني: الماء الكثير المتغير بالنجاسة: أي: بأن تغير أحد أوصافه الثلاثة التي هي الطعم أو اللون أو الريح بالنجاسة، فالماء الكثير لا ينجس إلا إن تغيّر بالنجاسة الواقعة فيه. والدليل قوله ﷺ لمّا سئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض، وما ينوبه - أي: يرِدُ عليه - من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قُلتين لم يحمل الخبث»، وفي رواية: «لم ينجّسه شيء» رواه الخمسة، ومفهومه: أنه إن كان أقل من قلتين، فإنه ينجس بمجرد الملاقاة.
[ ١ / ٣٥ ]
فإن زال تغيُّره بنفسِه، أو بإضافةِ طَهورٍ إليهِ، أو بنَزْحٍ منه ويبقى بعده كثيرٌ طَهُر (^١).
والكثيرُ قُلتان تقريبًا (^٢)، واليسيرُ ما دونهما، وهما خمسمُائة رِطل بالعراقي (^٣)، وثمانون رِطلًا وسُبعان ونصف سُبع
(^١) فهناك ثلاث طرق لتطهير الماء النجس الكثير: ١ - أن يزول تغيّره بنفسه، فتزول منه رائحة النجاسة وطعمها ولونها. أما طعمها، فيكفي أن يغلب على ظنه زواله - كما ذكر اللبدي في حاشيته -، فلا يشترط أن يذوق. ٢ - أن يُضاف إليه طهور كثير - قلتان فصاعدًا - حتى يزول التغير. ٣ - أن ينزح ويُسحب من النجس، ويبقى بعد النزح ماء كثير قد زال عنه التغيّر، فيطهُر إذَن، أي: يصير طهورًا.
(تتمة) أما الماء القليل النجس، فلا يمكن تطهيره إلا بإضافة ماء كثير فقط، ويُحكم بطهارته بمجرد ذلك إلا أن يكون متغيّرًا، فحتى يزول تغيّره.
(^٢) المراد بالقُلة هنا: القُلة من قلال هَجَر - بفتح الهاء والجيم -، وهي قرية قريبة من المدينة. وقوله: (تقريبًا): الأَولى الإتيان به بعد قوله: (وهما خمسمائة رطل عراقي)؛ لأن الكثير قلتان تحديدًا، فإن نقص عن القلتين يسيرًا صار دونهما، وأما كون القلتين خمسمئة رطل عراقي فهو تقريب لا تحديد، كما نبه عليه اللبدي في حاشيته.
(^٣) وهو الغالب فيما نذكره من أرطال؛ لأن الإمام أحمد كان في العراق. والرطل - بفتح الراء وكسرها - وحدة وزن، =
[ ١ / ٣٦ ]
رطل بالقدسي. ومساحتُهُما: ذراعٌ ورُبع طولًا وعَرضًا وعُمقًا (^١).
فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا، ولم يتغيَّر بالنجاسةِ، فهو طهورٌ ولو مع بقائِها فيه (^٢). وإن شُكَّ في كثرته فهو نَجِس (^٣).
= وهو: ٩٠ مثقالًا، والمثقال - وهو الدينار الإسلامي -: ٤، ٢٥ جم، إذَن الرطل: ٩٠ × ٤، ٢٥ = ٣٨٢، ٥ جم. ثم يُضرب ذلك في ٥٠٠ رطل، فالقلتان إذَن: ١٩١، ٢٥ كجم، أي: ١٩١، ٢٥ لتر؛ لأن من خاصيات الماء أن ١ كجم = ١ لتر من الماء.
(تتمة) معرفة الرطل مفيد هنا، وفي الغسل، والزكاة، وغير ذلك. وذكر العلماء أنه ينبغي لطالب العلم أن يتخذ لنفسه صاعًا أو مُدًا، وهو رُبع الصاع.
(^١) المراد بالذراع: ذراع اليد من الآدمي، وأقصى ما ذُكر في قدره - فيما وقفت عليه -: ٥٤ سم.
(^٢) حتى لو كانت ظاهرة للناظر؛ لأن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغيّر، بخلاف الماء القليل فإنه ينجس بمجرد الملاقاة. وهذا الحكم فيما لو تيقن أن الماء كثير.
(^٣) أي: لو وقعت نجاسة في ماء وشك في كميته هل هو قليل أو كثير؟
وللمسألة ثلاث صور: الأولى: تيقن أنه ماء قليل ثم شك في كثرته فهو نجس؛ لأن الأصل أنه قليل. الثانية: تيقن أنه كثير وشك في قلته فهو طهور؛ لأن الأصل أنه كثير، الثالثة: لا يعلم هل هو كثير أم قليل؟ فيعمل بالاحتياط وهو الأقل فيجعله قليلا.
[ ١ / ٣٧ ]
وإن اشتبه ما تجوز به الطهارةُ بما لا تجوز، لم يتحر (^١) ويتيمم بلا إراقةٍ (^٢).
ويلزم مَنْ عَلِم بنجاسة شيءٍ إِعلامُ مَنْ أرادَ أن يستعمَلَه (^٣).
(^١) أبهم الماتن الحكم هنا، والمذهب: أنه لا يجوز له أن يتحرى أيهما تجوز به الطهارة وأيهما لا تجوز به.
(^٢) في العبارة خلل؛ لأن ما لا تجوز به الطهارة يشمل الطاهرَ والنجسَ، والمراد هنا: الثاني فقط، ومثله في الحكم الماء المغصوب ونحوه، فيحرم التحري ويتيمم، أما لو اشتبه ما تجوز به الطهارة - وهو الطهور - بالطاهر، فإنه لا يتحرى، بل يتوضأ منهما وضوءًا واحدًا بنية واحدة من هذا غَرفة ومن هذا غَرفة، فيتمضمض من أحدهما ثم من الآخر، وهكذا، ولا يتوضأ من كل واحد وضوءًا مستقلًا، وإلا لم تكن النية جازمة في كليهما. (مخالفة الماتن)
(تتمة) الخلل في العبارة: أن يُعبّر الماتن عن مسألة بعبارة فيها قصور، ولا تفيد كل صور المسألة، وهذا قليل في الدليل، ولله الحمد. وقد ذكر صاحب (قصد السبيل) بعض العبارات المنتقدة على الدليل، بعضها مسَلَّم وبعضها غير مسلّم.
(^٣) فإن علم شخص بنجاسة شيء - ماء كان أو غيره -، وجب عليه أن يُعلِم من أراد استعماله مطلقًا، أي: سواء لوضوء أو شُرب أو غير ذلك؛ للحديث: «الدِّين النصيحة» رواه مسلم.
(تنبيه) ظاهر كلام المؤلف يلزم الإعلام ولو كانت النجاسة يعفى عنها في الصلاة، وهو ظاهر المنتهى والتنقيح، وذهب =
[ ١ / ٣٨ ]