الحمدُ لله منزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، ورازق عباده النِّعمَ والألباب، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ خير مَنْ عمل بالكتاب، وشرع الأخلاق والآداب، وقرر الأحكامَ التي تُصلح الناسَ في الدنيا والمآب، صلى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه والتابعين له بإحسان إلى يوم الحساب، وبعد:
فإن من أجلِّ العلوم وأشرفها علمَ الفقه، فبه يُعلم الحلالُ والحرامُ، وبه الشريعة تُقام، وبه يُحفظُ الإسلام، وقد أسهم علماؤنا الحنابلة الكرامُ في الكتابة في هذا العلم العظيم، وتفننوا فيه ونوَّعُوا، وشرحُوا وفرَّعُوا، ومما سطَّرُوا فيه وكتبُوا متنُ: (دليل الطالب لنيل المطالب) للعلامة مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي (ت ١٠٣٣ هـ) رحمه الله تعالى، وهو متن مختصر جليل، متينٌ أصيل، أسأل اللهَ تعالى أن يعاملَ مُؤلِفَه باللُّطف الجميل، والأجر الجزيل.
وقد منَّ اللهُ تعالى عليَّ بأن شرحتُ متنَ (دليل الطالب) أكثرَ مِنْ مرةٍ، وكتبتُ عليه حاشيةً، شارحًا ومقيدًا تارة، ومفرعًا ومستدلًا تارة، ثم يسر اللهُ - بمنه وكرمه - كتابةَ هذه الحاشية،
[ ١ / ٧ ]
فحررتُها، وراجعتُها مرارا، وأودعتُها بحوثًا وتحريراتٍ كثيرةً، وضوابطَ وقواعدَ ولله الحمد والمنة، وسرتُ فيها على المذهب المشهورِ عند الحنابلة، وقد أُشيرُ إلى الرواية أو القول الثاني في المذهب، وهي حاشيةٌ أشبه بالشرح، تفيد المبتدي والمنتهي، وسميتُها: (فيض الجليل على متن الدليل).
وقد عمل معي في هذه الحاشية بعضُ طلاب العلم الفضلاء، ومن أبرزهم: الشيخُ حمزة بن مصطفى يعقوب نزيل المدينة المنورة، وهو فقيهٌ فرضيٌّ ناظمٌ حافظٌ لكتاب: (قصد السبيل في الجمع بين الزاد والدليل)، وراجع الحاشيةَ كلَّها، ونظرَ فيها، ونبَّه، وأَصْلَحَ: الشيخُ عبد الكريم بن سفير القثامي العتيبي المدني إقامة، والطائفي أصلا، وهو متقنٌ ضابطٌ حافظٌ لمتن: (زاد المستقنع)، والشيخ خليل بن علي بن محمد، أسأل الله أن يحفظهم، وأن يثبتنا وإياهم على دينه، والعلم والعمل، وأن يخلص لنا النيات له وحده.
وقد عملتُ في هذه الحاشية مثل ما في كتابي: (الحواشي السابغات على أخصر المختصرات)، لكني زدتُ هنا مسائلَ وتحريراتٍ كثيرةً لم تذكر في (أخصر المختصرات) ولا في حواشيه، وذلك بسبب زيادة مسائل متن (دليل الطالب) على مسائل (أخصر المختصرات).
وأود أن أنبه في هذه المقدمة على عدة أمور:
الأمر الأول: ينبغي لطالب العلم الحنبلي أخذ الفقه على أصوله وطريقة أهله، فلا يَحِد عن طريقتهم في دراسة المذهب
[ ١ / ٨ ]
من كتبه المعتمدة والمقررة عندهم، ويبدأ في حفظ متن ودراسته ومعاهدته، وأن يتتلمذ على شيخ، خاصة في بلده التي هو مستوطن فيها؛ فإن في هذا من الخير والبركة ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
الأمر الثاني: ينبغي لمن أراد أن يَدْرسَ متنًا فقهيًا أن يراعي سبعةَ أمور: وهي:
- تقييد المطلق، وتخصيص العموم.
- الاهتمام بالحدود والضوابط.
- الاهتمام بالأدلة.
- بيان مخالفات المذهب.
- بيان المبهم.
- بيان الخلل في العبارة.
- الاهتمام بترتيب المسائل.
وقد جمعها الناظم بقوله:
بَيِّن مُقيَّدًا وَحدًا ضابطًا … واذكرْ دليلًا كي تصيرَ ضابطًا
ومَذْهبًا ومُبْهمًا مَعَ الخَلَلْ … مُرَتِّبًا أبوابَه بِلا ملَلْ
الأمر الثالث: يجب على طالب العلم أن يتفقه قبل أن يتكلم في المسائل العلمية، ولابد أن يدرس - على الأقل - ثلاثَ متونٍ فقهية، من أولها إلى آخرها، ولا يقتصر على بعض الأبواب، فالفقه مترابط وطويل، يحتاج لوقوف كثير مع مسائله،
[ ١ / ٩ ]
ولا يقتصر على بعض الكتب، بل يترقى حتى يدرس ما هو أكبر منها، ويجعل الفقه جزءا من حياته ووظيفته، ولا يستعجل الثمرةَ والظهورَ حتى يقوى فهمُه، وتكمل ملكتُه.
الأمر الرابع: ليحذر طالبُ العلم من التعصب للمذهب، فيوالي ويعادي عليه، فهذا ليس من شأن العلماء، ومما يحزنني كثيرا ما أسمعه من بعض طلاب العلم المتمذهبين من الكلام على العلماء غير المتمذهبين، أو غير المتقيدين بالمذهب، مع ما نفع الله بكثير منهم في خدمة دين الله ﷿، وما قدموه للأمة الإسلامية من تعليم، ونشرٍ للعلم، والدعوة إلى الله وتوحيده، إلى أن توفاهم الله تعالى، وما زلنا في المملكة العربية السعودية الآن نعيش الشريعة الإسلامية في حياتنا بفضل الله تعالى، ثم بفضل حكامنا، وجهود هؤلاء العلماء الراسخين العاملين، أسأل الله برحمته أن يرحم من مات منهم، ويحفظ من بقي، ولا ريب عندي أن المتقيد بمذهب محتاج لما عند هؤلاء العلماء، كما أن غير المتقيد بمذهب محتاج لما في المذاهب، فلا غنى لأحدهما عن الآخر، وليكن حالنا جميعًا ما قاله الله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الحاشية كما نفع بالمتن، وأن يغفر لي خطيئتي، وجهلي وإسرافي في أمري، وأستغفر الله
[ ١ / ١٠ ]
تعالى أن أكون قد ذكرتُ معنى أو مفهومًا لم يقصده الفقهاءُ لجهلي وقلة اطلاعي، فمن وجد في هذه الحاشية ما يخالف كلامَ الأصحاب صراحة فليأخذ به، ويترك ما كتبته وقررته.
جزى اللهُ خيرا كلَّ من تعلمتُ منه شيخًا أو صاحبًا أو طالبًا، وأدعو الله تعالى وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى أن يدخلني في قول النبي ﷺ: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم، فأسأله سبحانه أن تكون هذه الحاشية من العلم النافع الذي ينتفع به المسلمون، وأن يجعلها من العمل الصالح، وأن يخلص لي نيتي، وأن يختم لي بالحسنى، ويرزقني ووالِدَّيَّ وأهلي وأولادي وإخواني ومشايخي وطلابي وكل المسلمين الفردوسَ الأعلى من الجنة، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبها
أحمد بن ناصر القعيمي
الأحساء - المبرز.
السبت ٣/ ٦/ ١٤٤٢ هـ
[ ١ / ١١ ]