الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل الله ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
الحاجة إلى هذه المسألة.
١- فهذه مسألة يحتاج إليها المؤمنون عموما، والمجاهدون منهم خصوصا، وإن كان١ الإيمان لا يتم إلا بالجهاد٢.
٢- وكما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: من الآية١٥) .
٣- ولكن الجهاد يكون للكفار والمنافقين أيضا.
٤- كما قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: من الآية٧٣) .
_________________
(١) ١ في الأصل: "جاز". ٢ يقول المصنف ﵀: "والجهاد تمام الإيمان وسنام العمل" "مجموع الفتاوى" (١٠/٤١٠) .
[ ١٧ ]
جهاد النفس والمال
٥- ويكون الجهاد بـ: النفس والمال١.
٦- كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية٤١) ٢.
٧- ويكون بـ: غير ذلك وبنفقة.
٨- لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال:" من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" ٣.
_________________
(١) ١ قال المصنف ﵀: "الغزو يحتاج إلى جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، فإذا بذل هذا بدنه وهذا ماله مع وجود الإرادة الجازمة في كل منهما؛ كان كل منهما مجاهدا بإرادته الجازمة ومبلغ قدرته وكذلك لا بد للغازي من خليفة في الأهل، فإذا خلفه في أهله بخير فهو أيضا غاز". "مجوع الفتاوى" (١٠/٧٢٢) . ٢ في الأصل: وقع خطأ في الآية: ﴿وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ !! ٣ البخاري (٢٨٤٣) ومسلم (١٨٩٥) (١٣٥) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁. قال الإمام النووي ﵀: "أي حصل له الأجر لأجل الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهاد وسواء قليله وكثيره، ولكل خالف له في أهله بخير من قضاء حاجة لهم، وإنفاق عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته. وفي هذا الحديث: الحث على الإحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين، أو قام بأمر من مهامهم". وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله: "فقد غزا" قال ابن حبان: معناه أنه مثله في الأجر وإن لم يغزو حقيقة ثم أخرجه من وجه آخر عن بسر بن سعيد بلفظ: "كتب له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شيء، ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ: "من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع"، وأفادت فائدتين: إحداهما: أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز وهو المراد بقوله: "حتى يستقل"، وثانيهما: أنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة" "فتح الباري" (٦/٥٠) .
[ ١٨ ]
جهاد اليد والقلب واللسان
٩- ويكون الجهاد بـ: اليد والقلب واللسان.
١٠- كما قال ﷺ: "جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم" ١.
١١- وكما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" ٢.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود (٢٥٠٤)، والدارمي (٢/٢٨٠) وأحمد (٣/١٢٤، ٢٥١) والبيهقي (٢/٦، ٩/٢٠) والحاكم (٢/٩١) وقال: "صحيح على شرط مسلم" عن أنس بن مالك ﵁ بلفظ: "بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" وفي لفظ لأحمد (٣/١٥٣): "بألسنتكم وأنفسكم وأموالكم وأيديكم" ورواه النسائي في "الكبرى" (٣/٦) والمجتبى (٦/٧) بلفظ: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم" ورواه ابن حبان (٤٧٠٨) وأبي يعلى (٦/٤٦٨) بلفظ: "بأيديكم وألسنتكم". فائدة: قال المنذري ﵀: "يحتمل أن يريد بقوله: بألسنتكم الهجاء، ويؤيده قوله: "فلهو أسرع فيهم من نضح النبل"، ويحتمل أن يريد به حض الناس على الجهاد وترغيبهم فيه وبيان فضائله لهم". شرح السيوطي للنسائي (٦/٧) . قال العلامة شمس الحق أبادي ﵀: "قال في السبل: الحديث دليل على وجوب الجهاد بالنفس وهو بالخروج والمباشرة للكفار، وبالمال وهو بذله لما يقوم به من النفقة في الجهاد والسلاح ونحوه، وباللسان بإقامة الحجة عليهم ودعائهم إلى الله تعالى والزجر ونحوه من كل ما فيه نكاية للعدوا ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ " عون المعبود (٧/١٨٢) . ٢ البخاري (٤٤٢٣) ومسلم (١٩١١) (١٥٩) عن أنس بن مالك ﵁. قال المصنف ﵀: "فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه إلا العذر هو مثل من معهم في هذه الغزوة، ومعلوم أن الذي معه في الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز على قدر نيته فكذلك القاعدون الذين لم يحبسهم إلا العذر، ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح=
[ ١٩ ]
١٢- فهؤلاء كان جهادهم بقلوبهم ودعائهم.
١٣- وقد قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٩٥) .
١٤- وقال النبي ﷺ: "الساعي١ على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله" ٢.
_________________
(١) =مقيم"؛ فإنه إذا كان يعمل في الصحة والإقامة عملا ثم لم يتركه إلا لمرض أو سفر ثبت أنه إنما ترك لوجود العجز والمشقة لا لضعف النية وفتورها فكان له من الإرادة الجازمة التي لم يتخلف عنها الفعل إلا لضعف القدرة ما للعامل، والمسافر وإن كان قادرا مع المشقة كذلك بعض المرض إلا أن القدرة الشرعية هي التي يحصل بها الفعل من غير مضرة راجحة كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ونحو ذلك ليس المعتبر في الشرع القدرة التي يمكن وجود الفعل بها على أي وجه كان بل لا بد أن تكون المكنة خالية عن مضرة راجحة بل أو مكافئة" مجموع الفتاوى (١٠/٧٢) . قال النووي ﵀: "وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه والله أعلم" "شرح النووي لمسلم" (٥/٥٧) . ١ رواه أبو داود (٢٩٣٦) وابن ماجه (١٨٠٩) والترمذي (٦٤٥) وقال: "حديث حسن صحيح" وصححه ابن خزيمة (٢٣٣٤) والحاكم (١/٥٦٤) وقال: "صحيح على شرط مسلم" من حديث رافع بن خديج ﵁ بلفظ: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته". ٢ في الأصل: "الساعين" وكتب بالهامش لعله "الساعي" وهو الموافق أيضا لما جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٨/٣٦٠) .
[ ٢٠ ]
١٥- وقال أيضا: "المجاهد من جاهد نفسه في الله"١.
١٦- كما قال: "المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٢.
١٧- والجهاد في سبيل الله أنواع متعددة ٣
_________________
(١) ١ رواه أحمد (٢٠، ٢٢) والترمذي (١٦٢١) وقال: "حسن صحيح" وابن حبان (٤٧٠٦) والطبراني (١٨/٣٠٩) برقم (٧٩٧) والقضاعي في مسند الشهاب (١٨٤) وابن أبي عاصم في الجهاد (١٧٥) من حديث فضالة بن عبيد ﵁. وقد جاءت هذه الجملة أيضا ضمن حديث فضالة بن عبيد الآتي عند أحمد (٣/١٥٤) وابن حبان (٥١٠) . ٢ الحديث بهذا اللفظ: "صحيح بعضه في الصحيحين وبعضه صححه الترمذي" كما قال المصنف في السياسة الشرعية (٤٢) . فرواه البخاري (١٠) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" والترمذي (٢٦٢٧) عن أبي هريرة: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم" وقال: "حديث حسن صحيح". وقد رواه أحمد (٦/٢١، ٢٢) والحاكم (١/١٠، ١١) وابن حبان (٤٨٦٢) وأبو يعلى (٧/١٩٩) برقم (٤١٨٧) من حديث فضالة بن عبيد قال قال رسول اله ﷺ في حجة الوداع: "ألا أخبركم بالمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب". ورواه ابن حبان (٥١٠) والحاكم (١/١١) وصححه الحافظ في الفتح (١/٥٤) من حديث أنس بلفظ: " والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من هجر السوء". ٣ بياض بالأصل وعليه كلمة "كذا".
[ ٢١ ]
١٨- سبيل الله، ويفرق بينهما النية وإتباع الشريعة.
الغزو غزوان
١٩- كما في "السنن" عن معاذ عن رسول الله ﷺ قال: "الغزو غزوان:
فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة واجتنب الفساد؛ كان نومه [ونبهه] ١ كله أجر.
وأما من غزا فخر ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض؛ فإنه لم يرجع بالكفاف" ٢.
_________________
(١) ١ رواه أحمد (٥/٢٣٤) وأبو داود (٢٥١٥) والنسائي في الكبرى (٨٧٣٠) وفي المجتبى (٦/٤٩، ٧/١٥٥) والطبراني في الكبير (٢٠/٩١-٩٢) وفي مسند الشاميين (١١٥٩) والحاكم (٨٥١٢) والبيهقي في السنن (٩/١٦٨) وفي الشعب (٤٢٦٥) وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣٣) وقد رواه مالك في الموطأ (٢/٤٦٦) برقم (٩٩٨) عن يحي بن سعيد عن معاذ بن جبل موقوفا على معاذ بن جبل ﵁. وقد حسنه الألباني في الصحيحة (١٩٩٠) . فائدة: قال العلامة الزرقاني ﵀: "تنفق فيه الكريمة: يريد كرائم الأموال، ويحتمل أن يريد به: حلال المال دون خبيثه ودون ما فيه شبهة ويحتمل أن يريد به: كثيره إذا أراد بالنفقة النفقة على نفسه والصدقة، ويحتمل أن يريد بالكريمة أفضل المتاع مثل: أن يغزوا على أفضل الخيل وأسبقها ويقتنيها لذلك، وكذلك يغزوا بأفضل السلاح والآلة؛ فيكون إنفاقها في سبيل الله ابتياعها لذلك، ويكون استعمالها في ذلك حتى يعطب الفرس وتفنى الآلة والسلاح، وقد يحتمل أن يريد بالإنفاق الغازي ذلك في سبيل الله أن يحبس في سبيل الله أفضل ما يغزو به معه من ذلك " المنتقى شرح الموطأ. ٢ في الأصل: "يومه" بدل "نومه" والتصويب وما بين المعقوفتين أيضا أثبته من مصادر التخريج.
[ ٢٢ ]
٢٠- وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية؟ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ١.
٢١- وقد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية١٩٣) .
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٩٠٤) (١٥٠) . فائدة: قال المصنف ﵀: "الناس أربعة أصناف:
(٢) من يعمل لله بشجاعة وسماحة، فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة.
(٣) ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة، فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق.
(٤) ومن يعمل لله لكن لا بشجاعة ولا سماحة، فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك.
(٥) ومن لا يعمل لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة، فهذا ليس له دنيا ولا آخرة" مجموع الفتاوى (٢٨/١٤٧) . ٢ في الأصل: "ضعيفهم" وما أثبته هو الموافق للسياق وسيأتي ص (٥٨) على الصواب ما يؤكد ما أثبته.
[ ٢٣ ]