" تَتِمَّةٌ " إذَا أَطْلَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ وَالِاخْتِيَارَاتِ وَغَيْرِهِمْ الشَّيْخَ أَرَادُوا بِهِ الشَّيْخَ الْعَلَّامَةَ مُوَفَّقَ الدِّينِ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيَّ، وَإِذَا قِيلَ الشَّيْخَانِ فَالْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ، وَإِذَا قِيلَ الشَّارِحُ فَهُوَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ
[ ١ / ٢٠ ]
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْمُوَفَّقِ وَتِلْمِيذُهُ، وَإِذَا أُطْلِقَ الْقَاضِي فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ خَلَفِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَّاءُ وَإِذَا قِيلَ وَعَنْهُ، أَيْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵀ -، وَقَوْلُهُمْ نَصًّا: مَعْنَاهُ لِنِسْبَتِهِ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵀ - (وَعَلَى اللَّهِ) لَا عَلَى غَيْرِهِ.
(أَعْتَمِدُ) أَيْ أَتَّكِلُ (وَمِنْهُ) دُونَ مَا سِوَاهُ (الْمَعُونَةُ) أَيْ الْإِعَانَةُ (أَسْتَمِدُّ) أَيْ أَطْلُبُ الْمَدَدَ (هُوَ رَبِّي) دُونَ غَيْرِهِ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ مَالِكُهُ، وَالرَّبُّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِالْإِضَافَةِ وَقَدْ قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ (لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) قَالَ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أَيْ فَوَّضْتُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ (وَإِلَيْهِ مَتَابٌ) أَيْ تَوْبَتِي وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ مُقَدِّمَة لَمْ يُؤَلِّفْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْفِقْهِ كِتَابًا وَإِنَّمَا أَخَذَ أَصْحَابُهُ مَذْهَبَهُ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَجْوِبَتِهِ وَغَيْرِ ذَاكَ، وَإِذَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ.
وَفِي الْأَصَحِّ وَلَوْ بِحَمْلِ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ وَمُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ فَهُمَا مَذْهَبُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَعُلِمَ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ الثَّانِي لَا غَيْرَ صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ أَقْرَبُهُمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَيَخُصُّ عَامُّ كَلَامِهِ بِخَاصَّةٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ وَالْمَقِيسُ عَلَى كَلَامِهِ مَذْهَبُهُ فِي الْأَشْهَرِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي أَوْ لَا يَصْلُحُ، أَوْ أَسْتَقْبِحُهُ، أَوْ هُوَ قَبِيحٌ، أَوْ لَا أَرَاهُ: لِلتَّحْرِيمِ، لَكِنْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ لَا يَنْبَغِي: فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَوْلُهُ: أَكْرَهُ أَوْ لَا يُعْجِبُنِي، أَوْ لَا أُحِبُّهُ، أَوْ لَا أَسْتَحْسِنُهُ: لِلنَّدْبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَوْلُهُ لِلسَّائِلِ: يَفْعَل كَذَا احْتِيَاطًا لِلْوُجُوبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَآدَابِ الْمُفْتِي: الْأَوْلَى النَّظَرُ إلَى الْقَرَائِنِ فِي الْكُلِّ فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ أَوْ إبَاحَةٍ حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ
[ ١ / ٢١ ]
تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ أَوْ تَوَسَّطَتْ.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى وَأُحِبُّ كَذَا، أَوْ يُعْجِبُنِي أَوْ أَعْجَبُ إلَيَّ: لِلنَّدْبِ وَقَوْلُهُ: أَخْشَى، أَوْ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ، أَوْ أَنْ لَا يَجُوزَ أَوْ لَا يَجُوزُ وَأَجْبُنُ عَنْهُ مَذْهَبُهُ كَقُوَّةِ كَلَامٍ لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى وَقَوْلُ أَحَدِ صَحْبِهِ فِي تَفْسِيرِ مَذْهَبِهِ وَإِخْبَارِهِ عَنْ رَأْيِهِ وَمَفْهُومِ كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ مَذْهَبُهُ فِي الْأَصَحّ كَإِجَابَتِهِ فِي شَيْءٍ بِدَلِيلٍ وَالْأَشْهَرُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ أَوْ قَوْلُ فَقِيهٍ.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَقْرُبُ إلَى الصَّوَابِ، وَيُعَضِّدُهُ مَنْعُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ اتِّبَاعِ آرَاءِ الرِّجَالِ وَمَا انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ وَقَوَّى دَلِيلَهُ، أَوْ صَحَّحَ الْإِمَامُ خَبَرًا، أَوْ حَسَّنَهُ أَوْ دَوَّنَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ فَهُوَ مَذْهَبُهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ وَحَسَّنَ أَحَدَهُمَا أَوْ عَلَّلَهُ: فَهُوَ مَذْهَبُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَرَّعَ عَلَى أَحَدِهِمَا.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالْمَذْهَبُ لَا يَكُونُ بِالِاحْتِمَالِ وَإِلَّا فَمَذْهَبُهُ أَقْرَبُهُمَا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِذَا أَفْتَى بِحُكْمٍ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ وَنَحْوُهُ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، قَدَّمَهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَجْوِبَةِ وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَوْلَى وَمَا عَلَّلَهُ بِعِلَّةٍ تُوجَدُ فِي مَسَائِلَ فَمَذْهَبُهُ فِيهَا كَالْمُعَلَّلَةِ، وَيُلْحَقُ مَا تَوَقَّفَ فِيهِ بِمَا يُشْبِهُهُ وَإِنْ اشْتَبَهَتْ مَسْأَلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ.
فَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: الْأَوْلَى الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِمَنْ هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَالْأَظْهَرُ عَنْهُ هُنَا التَّخْيِيرُ.
(فَائِدَةٌ) اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ التَّرْجِيحَ إذَا اُخْتُلِفَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ قَالَ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ إمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنْ كَانَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ مَقِيسٌ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَنُصُوصِهِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.