فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس.
أو تقول: إما أن يكون مأذونًا في استعماله أو لا، الثاني: النجس.
والأول: إما أن يكون مطهرًا لغيره أو لا. الأول: الطهور، والثاني: الطاهر.
وزاد ابن رزين: المشكوك فيه.
وطريقة الشيخ تقي الدين (^١): أنه ينقسم إلى طاهر ونجس. وقال: إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة.
القسم الأول: ماء (طهور) قدمه لمزيته بالصفتين وهو الطاهر في ذاته المطهر لغيره، فلهذا قال: (بمعنى المطهر) مثل: الغسول الذي يغسل به فهو من الأسماء المتعدية، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (^٢) وقال - ﷺ -: "وجعلتْ لي الأرضُ مسْجِدًا وطَهُورًا" (^٣). ولو أراد به الطاهر لم يكن له مزية على غيره لأنه طاهر في حق كل أحد. وروى مالك والخمسة وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة: "أن رجلًا سأل النَّبيَّ - ﷺ - عن الوضوءِ بماءِ البحرِ، فقال: هو الطّهورُ ماؤُه" (^٤) ولو لم يكن متعديًا بمعنى
_________________
(١) ينظر مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٦).
(٢) سورة الأنفال، الآية: ١١.
(٣) رواه البخاري في التيمم، باب ١، حديث ٣٣٥، وفي الصلاة، باب ٥٦، حديث ٤٣٨، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديت ٥٢١. من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٤) مالك في الطهارة حديث ١٢، وأبو داود في الطهارة، باب ٤١، حديث ٨٣، والترمذي في الطهارة، باب ٥٢، حديث ٦٩، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطهارة، باب ٤٧، حديث ٥٩، وابن ماجه في الطهارة، باب ٣٨، حديث ٣٨٦، وأحمد: (٢/ ٢٣٧، ٣٦١)، والدارمي في الطهارة، باب الوضوء من =
[ ١ / ٣٤ ]
المطهر لم يكن ذلك جوابًا للقوم حين سألوه عن الوضوء به، إذ ليس كل طاهر مطهرًا. وأما قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (^١).
فقال ابن عباس: أي: مطهرًا من الغل والغش.
قال في "الشرح": والنزاع في هذه المسألة لفظي. وقد ذكرت بقية كلامه في الحاشية.
قال في "الاختيارات" (^٢): وفصل الخطاب في المسألة أن صيغة التعدي واللزوم أمر مجمل يراد به [اللزوم الظاهر والتعدي] (^٣) النحوي، ولم تفرق فيه العرب بين فاعل وفعول (^٤). والفقهي: الحكمي. وقد فرق الشرع فيه بين طاهر وطهور. هذا ملخص كلامه.
وقال القاضي: فائدة الخلاف أن النجاسة لا تزال بشيء من المائعات غير الماء عندنا، ويجوز عندهم أي: الحنفية (^٥).
قال الشيخ تقي الدين (^٦): ولا تدفع النجاسة عن نفسها والماء يدفعها
_________________
(١) = ماء البحر، حديث ٧٢٨، ٧٢٩، وابن خزيمة (١/ ٥٩)، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٤٩، ١٢/ ٦٢) حديث ١٢٤٣، ٥٢٥٨، والحاكم: (١/ ١٤٠)، وصححه. ووافقه الذهبي، والبيهقي (١/ ٣)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٥٥). وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) سورة الإنسان، الآية: ٢١.
(٣) ص/ ٦.
(٤) ما بين المعكوفتين زيد من الاختيارات.
(٥) في (ح): ومفعول، والمثبت هو الصواب.
(٦) انظر مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ١٥٥)، بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٨٣)، الهداية شرح بداية المبتدى للمرغيناني (١/ ٣٤)، تبيين الحقائق للزيلعي (١/ ٦٩).
(٧) الاختيارات ص/ ٧.
[ ١ / ٣٥ ]
لكونه مطهرًا. قال (^١): وليس "طهور" معدولًا عن "طاهر" حتى يلزم موافقته له في التعدي واللزوم، بل هو من أسماء الآلات كالسحور والوجور. اهـ.
وظاهر هذا أن الخلاف معنوي لا لفظي. والطُهور بضم الطاء المصدر قاله اليزيدي (^٢).
وحكي الضم فيهما والفتح فيهما (^٣).
(لا يرفع الحدث) (^٤) وما في معناه غيره (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) أي: غير الماء الطهور. وأما التيمم فمبيح لا رافع كما يأتي في بابه، وكذلك الحجر ونحوه في الاستجمار مزيل للحكم فقط.
(وهو) أي: الماء الطهور (الباقي على خلقته) أي: صفته التي خلق عليها من حرارة، أو برودة، أو عذوبة، أو ملوحة، أو غيرها. (حقيقة) بأن لم
_________________
(١) انظر الاختيارات ص/ ٦.
(٢) اليزيدي: هو يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، أبو محمد اليزيدي، بصري سكن بغداد، كان عالمًا بالعربية والأدب والقراءات، أدب أولاد يزيد بن منصور الحميري فنسب إليه، أخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء البصري والخليل بن أحمد وحدث عنهما. كان ثقة، صحيح الرواية، صدوق اللهجة، من مصنفاته "النوادر" في اللغة و"المقصور والممدود" و"مختصر في النحو" وغيرها. مات بخراسان في خلافة المأمون سنة ٢٠٢ هـ عن ٧٤ سنة رحمه الله تعالى. انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطى (٤/ ٣١ - ٣٩)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (٢/ ٣٤٠).
(٣) انظر طلبة الطلبة ص/ ٦٩ ولسان العرب (٤/ ٥٠٥) وتاج العروس (١٢/ ٤٤٦).
(٤) إن قلت فيه تقديم التعبد على التصور وهو خلاف الأولى؛ قلت: أجيب بأن الحكم هنا هو المقصود لذاته بخلاف التصور. فإن قلت: المقصود لذاته هو الصلاة دون غيرها، فلا مقصود لذاته؛ قلت: أجيب بأن الشيء قد يكون مقصودًا لذاته من وجه ومقصودًا لغيره من وجه آخر فلا تنافي بينهما (ش).
[ ١ / ٣٦ ]
يطرأ عليه شيء، (أو حكمًا) كالمتغير بمكث، أو طحلب، والمتصاعد من بخارات الحمام ثم يقطر. والماء الطهور ما نزل من السماء كالمطر، وذوب الثلج، والبرد لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (^١) وقوله - ﵇ -: "اللهم طهِّرني بالثلجِ والبردِ" رواه مسلم (^٢). وماء الأنهار والعيون والآبار.
(ومنه) أي: من الطهور (^٣) (ماء البحر) (^٤) لحديث أبي هريرة السابق (^٥).
(و) من الطهور (ما استهلك فيه مائع طاهر) بحيث لم يغير كثيرًا من لونه أو طعمه أو ريحه، كما يعلم مما يأتي في أقسام الطاهر.
(أو) استهلك فيه (ماء مستعمل يسير) ولم يغيره، فهو باق على طهوريته، لأن ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق. أشبه الباقي على خلقته (فتصح الطهارة به. ولو كان الماء الطهور لا يكفي لها) أي: للطهارة (قبل الخلط) لأن المائع استهلك في الماء فسقط حكمه، أشبه ما لو كان يكفيه فزاده مائعًا وتوضأ منه وبقي قدر المائع.
وعنه لا تصح الطهارة به، اختاره القاضي في "الجامع". وحمله ابن
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ١١.
(٢) في الصلاة، حديث ٤٧٦ (٢٠٤)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - مطولًا. وقد رواه البخاري في الأذان، باب ٨٩، حديث ٧٤٤، ومسلم في المساجد حديث ٥٩٨ من حديث أبي هريرة - ﵁ - بنحوه.
(٣) في (ح) و(ذ): الماء الطهور.
(٤) أي المالح للحديث السابق، وكره جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر الوضوء بماء البحر. قالا (*): هو نار، قاله في "المبدع" (١/ ٣٤)، وفي "الشرح" رُوي عن ابن عمرو أنه قال في البحر: لا يجزئ. (ش).
(٥) ص/ ٣٤. (*) في المبدع: "وقال".
[ ١ / ٣٧ ]
عقيل على أن المائع لم يستهلك. وفرض الخلاف في "الرعايتين" و"الفروع" في زوال طهورية الماء وعدمه، ورده ابن قندس في "حواشي الفروع" برد حسن.
(ومنه) أي: الطهور غير المكروه ماء (مشمس) مطلقًا. وما رُوي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال لعائشة، وقد سخنت ماء في الشمس: "لا تفعلي فإنه يورثُ البرصَ" (^١)، قال النووي (^٢): هو حديث ضعيف باتفاق المحدثين، ومنهم من يجعله موضوعًا. وكذا حديث أنس أنه سمع النَّبيَّ - ﷺ - يقول: "لا تغتسلوا بالماء الذي سُخن بالشمس فإنه يُعدِي من البرصِ" (^٣) قال ابن المنجا: غير صحيح، ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن ذلك لا أثر له في البرص، وأنه لو أثر لما اختلف بالقصد وعدمه، ولما اختص تسخينه في الأواني المنطبعة دون غيرها.
(و) منه (متروِّح بريح ميتة إلى جانبه) قال في "الشرح" و"المبدع": بغير خلاف نعلمه لأنه تغير مجاورة.
(و) منه (مسخن بطاهر) كالحطب نصًّا لعموم الرخصة. وعن عمر:
_________________
(١) رواه الدارقطني: (١/ ٣٨)، وقال: غريب جدًّا، والبيهقي: (١/ ٦)، وقال: هذا لا يصح. وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٣٥٦).
(٢) المجموع ١/ ١٣٥.
(٣) أخرجه العقيلي في "الضعفاء": (٢/ ١٧٦) في ترجمة سوادة وقال: سوادة عن أنس مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ، وليس في الماء المشمس شيء يصح منه إنما يروى فيه شيء عن عمر - ﵁ -، وقال الذهبي في ترجمة سوادة بن إسماعيل راوي الحديث: خبره هذا كذب. ميزان الاعتدال (٢/ ٢٤٥)، وانظر التلخيص الحبير (١/ ٢١).
[ ١ / ٣٨ ]
أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به. رواه الدارقطني (^١) بإسناد صحيح، وعن ابن عمر أنه كان يغتسل بالحميم. رواه ابن أبي شيبة (^٢)، ولأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه. قاله في "المبدع"، قال: ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعيم به.
(و) منه (متغير بمكثه) أي: الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره باق على إطلاقه، لأنه - ﵇ - توضأ بماء آجن (^٣)، ولأنه تغير عن غير مخالطة؛ أشبه المتغير بالمجاورة، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين فإنه كره ذلك (^٤)، وجزم به في "الرعاية".
(أو) أي: ومن الطهور متغير (بطاهر يشق صون الماء عنه كنابت فيه) أي: في الماء، (و) كـ (ورق شجر) يسقط في الماء بنفسه، (و) كـ (طحلب، و) كـ (سمك ونحوه من دواب البحر، وجراد ونحوه مما لا نفس له سائلة) كالخنفساء، والعقرب، والصراصر - إن لم تكن من كنف ونحوها - لأن ذلك يشق الاحتراز عنه؛ أشبه المتغير بتبن أو عيدان.
(و) من المتغير بما يشق صون الماء عنه المتغير في (آنية أدم) أو جلد (و) آنية (نحاس ونحوه) كحديد (و) متغير بـ (مقر، وممر) من كبريت ونحوه (فكله غير مكروه) لمشقة التحرز من ذلك (كماء الحمام) لما تقدم من أن الصحابة
_________________
(١) في الطهارة: (١/ ٣٧)، وقال: هذا إسناد صحيح. ومن طريقه البيهقي في "سننه": (١/ ٦)، ورواه ابن أبي شيبة في الطهارة: (١/ ٢٥) وقد علقه البخاري في صحيحه جازمًا به، كتاب الوضوء، باب ٤٣. قال الحافظ في الفتح (١/ ٢٩٨): وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق [١/ ١٧٤] وغيرهما بإسناد صحيح.
(٢) (١/ ٢٥).
(٣) لم نقف على تخريجه.
(٤) الإجماع: ص/ ٣٣.
[ ١ / ٣٩ ]
دخلوا الحمام ورخصوا فيه. وظاهره ولو كان وقودها نجسًا. قال في "المبدع": لأن الرخصة في دخول الحمام تشمل الموقودة (^١) بالطاهر والنجس.
(وإن غيّره) أي: الماء طاهر (غير ممازج كدهن، وقطران، وزفت، وشمع) فطهور؛ لأن تغيره عن مجاورة مكروه للاختلاف في سلبه الطهورية، لكن القطران قسمه بعض العلماء إلى قسمين ما لا يمازج، - والكلام فيه لأنه في معنى الدهن -، وما يمازج الماء فيسلبه الطهورية، كسائر الطاهرات الممازجة. ولم أره لأصحابنا لكن كلامهم يدل عليه. (وقطع كافور، وعود قماري) بفتح القاف منسوب إلى قَمَار موضع ببلاد الهند، (و) قطع (عنبر إذا لم يستهلك في الماء ولم يتحلل فيه) فطهور مكروه لما تقدم. ومفهوم كلامه: أنه إذا استهلك في الماء أو انماع فيه وذاب وغير كثيرًا من صفة من صفاته أنه يسلبه الطهورية لممازجته له.
وقال في "المبدع": "مفهوم كلامه في "المغني" و"الشرح": إن تحلل من ذلك شيء فطاهر وإلا فطهور، فلو خالط الماء بأن دق أو انماع فأقوال". اهـ. وقد أوضحت ذلك في الحاشية.
(أو) غيّره (ملح مائي) فطهور، وهو الماء الذي يرسل على السباخ فيصير ملحًا؛ لأن المتغير به منعقد من الماء، أشبه ذوب الثلج، واقتضى ذلك أن الملح المائي لو انعقد من طاهر غير مطهر فحكمه كباقي الطاهرات، وأن الملح المعدني كذلك كما صرح به في الثانية في "المغني" وغيره، لأنه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء؛ أشبه الزعفران.
(أو سخن بمغصوب) فطهور؛ لأنه ماء مطلق لم يطرأ عليه ما يسلبه الطهورية، مكروه لاستعمال المغصوب فيه.
_________________
(١) في (ح): الموقود.
[ ١ / ٤٠ ]
(أو اشتد حره) فطهور، لعموم الأدلة، مكروه لأنه يمنع كمال الطهارة. وعليه يحمل النهي عن الوضوء بالماء الحميم إن ثبت، لكونه مؤذيًا أو يمنع الإسباغ.
(أو) اشتد (برده فطهور مكروه) لما تقدم.
(وكذا مسخن بنجاسة) وإن برد كما في "الرعاية" فيكره مطلقًا. لحديث "دع ما يَرِيبُكَ" (^١)، ولأنه لا يسلم غالبًا من دخانها صعوده بأجزاء لطيفة منها (^٢). وإن تحقق وصول النجاسة إليه وكان يسيرًا نجس كما في "المغني" وغيره (إن لم يحتج إليه) أي: إلى المسخن بالنجس. فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة لأن الواجب لا يكون مكروهًا.
قلت: وكذا حكم كل مكروه احتيج إليه كما يدل عليه كلامه في "الاختيارات" (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي في صفة القيامة، باب ٦٠، حديث ٢٥١٨، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الأشربة، باب ٥٠، حديث ٥٧٢٧، وعبد الرزاق: (٣/ ١١٧)، وأحمد (١/ ٢٠٠)، والدارمي، في البيوع، باب ٢، حديث ٢٥٣٢، وأبو يعلى (١٢/ ١٣٢)، حديث ٦٧٦٢. وابن حبان "الإحسان" (٢/ ٤٩٨) حديث ٧٢٢، والطبراني في "الكبير"، حديث ٢٧٠٨، ٢٧١١، والحاكم في "المستدرك": (٢/ ١٣)، (٤/ ٩٩)، وصححه، ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية": (٨/ ٢٦٤)، والبغوي في "شرح السنة": حديث ٢٠٣٢ من حديث الحسن بن علي - ﵄ -.
(٢) تتمة: قال الشيخ تقي الدين: وللكراهة مأخذان: أحدهما: احتمال وصول النجاسة. والثاني: كونه سخن بإيقاد النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه، والحاصل بالمكروه مكروه، فإنه إذا وصل دخان النجاسة إلى مائع نجسه، ذكره في "الشرح" لأن الاستحالة لا تطهر على المذهب، قاله م ص في الحاشية (ش).
(٣) ص/ ١٠.
[ ١ / ٤١ ]
(ويكره إيقاد النجس) في تسخين الماء وغيره؛ لأنه لا يؤمن تعديه إلى المسخن فينجسه.
(و) كذا (ماء بئر في مقبرة) فيكره استعماله مطلقًا في أكل وغيره، وكره الإمام أحمد بَقل المقبرة وشوكها.
(و) كذا (ماء بئر في موضع غصب، أو) ماء بئر (حفرها) غصب، (أو أجرته) أي: الحفر (غصب) فيكره الماء؛ لأنه أثر غصب محرم.
(و) كذا (ما ظن تنجيسه) فيكره، بخلاف ما شك في نجاسته فلا يكره، كما صرح به في "الشرح".
(و) كذا يكره (استعمال ماء زمزم في إزالة النجس فقط) تشريفًا له، ولا يكره استعماله في طهارة الحدث، لقول علي: "ثم أفاضَ رسول الله - ﷺ - فدعا بسجلٍ من ماءِ زمزم فشربَ منهُ وتوضَّأ" رواه عبد الله بن أحمد (^١) بإسناد صحيح.
وما رُوي عن زِرّ بن حبيش قال: "رأيت العباسَ قائمًا عند زمزم يقول: ألا لا أُحِلُّه لمغتسلٍ، ولكنه لكل شاربٍ حلٌّ وبل (^٢)" (^٣)، وروى أبو عبيد في "الغريب" (^٤): أن عبد المطلب بن هاشم قال ذلك حين احتفره، محمول على
_________________
(١) "مسند أحمد": (١/ ٧٦) في حديث طويل في حجة النبي - ﷺ -. وقد حسنه الحافظ في الفتح (١/ ٢٤٠).
(٢) أي: مباح وقيل: شفاء (ش).
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه": (٥/ ١١٤)، من طريق طاووس عن أبيه، قال: أخبرني من سمع العباس بن عبد المطلب يقول وهو قائم عند زمزم وهو يرفع ثيابه بيده، وهو يقول: اللهم إني لا أحلها لمغتسل ولكن هي لشارب - أحسبه قال:- ومتوضئ حِلٌّ وبلٌّ.
(٤) (٤/ ٢٦).
[ ١ / ٤٢ ]
من يضيق على الشراب، وكونه من منبع شريف لا يمنع منه، كعين سلوان (^١)، إلا أن يقال له خصوصية انفرد بها، وهي كونه يقتات به، كما أشار إليه أبو ذر في بدء إسلامه (^٢).
(ولا يكره ما جرى على الكعبة في ظاهر كلامهم) وصرح به بعضهم، قاله في "الفروع"، وفي "المبدع"، وصرح به غير واحد.
(فهذا كله يرفع الأحداث) لما تقدم، وهي (جمع حدث، وهو ما) أي: وصف يقوم بالبدن (أوجب وضوءًا) أي: اعتبره الشرع سببًا لوجوب الوضوء، ويسمى أصغر، (أو) أوجب (غسلًا) ويسمى أكبر، و"أو" لمنع الخلو لا الجمع؛ لأن ما أوجب الغسل أوجب الوضوء غير الموت، ويطلق الحدث على نفس الخارج. قال في "الرعاية": والحدث والأحداث ما اقتضى وضوءًا أو غسلًا أو هما، أو استنجاء أو استجمارًا، أو مسحًا أو تيممًا قصدًا، كوطء، وبول، ونجو، ونحوها، غالبًا أو اتفاقًا، كحيض، ونفاس، واستحاضة، ونحوها، واحتلام نائم، ومجنون، ومغمى عليه وخروج ريح منهم غالبًا.
(إلا حدث رجل وخنثى) بالغ فلا يرتفع (بماء) قليل (خلت به امرأة) مكلفة لطهارة كاملة عن حدث (ويأتي) في القسم الثاني مفصلًا.
(والحدث ليس نجاسة، بل معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة)؛ لأن الطهارة شرط لها مع القدرة
_________________
(١) قال في "معجم البلدان": (٤/ ١٧٨): سلوان: محلة في ربض مدينة بيت المقدس، تحتها عين عذبة تسقي جنانًا عظيمة، وقفها عثمان بن عفان - ﵁ - على ضعفاء البلد. اهـ.
(٢) انظر صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، حديث ٢٤٧٣.
[ ١ / ٤٣ ]
(و) يمنع معه (الطواف) بالبيت لأنه صلاة، ويمنع معه أيضًا مس المصحف، ويمنع أيضًا قراءة آية فأكثر إن كان أكبر.
(والمحدث ليس نجسًا) من حيث كونه محدثًا؛ لأن الحدث ليس نجاسة (فلا تفسد الصلاة بحمله)؛ لأنه لم يحمل نجسًا. (وهو) أي: المحدث (من لزمه للصلاة ونحوها) كالطواف ومس المصحف (وضوء أو غسل) مع القدرة، (أو) لزمه لذلك (تيمم لعذر) من عدم الماء أو عجزه عن استعماله ونحوه مما يأتي في بابه مفصلًا.
(والطاهر) شرعًا (ضد النجس والمحدث) إذ الطهارة ارتفاع الحدث وزوال النجس كما تقدم، فالطاهر الخالي منهما.
(ويزيل الأنجاس الطارئة) معطوف على: يرفع الأحداث لقوله - ﷺ -: "صبوا على بول الأعرابي ذَنُوبًا من ماء" (^١).
والأنجاس (جمع نجس، وهو) لغة: ما يستقذره ذو الطبع السليم، وعرفًا: (كل عين حرم تناولها) لذاتها (مع إمكانه) أي: إمكان التناول، خرج به ما لا يمكن تناوله كالصوان (^٢) لأن المنع من الممتنع مستحيل (لا لحرمتها)
_________________
(١) رواه البخاري في الوضوء، باب ٥٨، حديث ٢٢٠، وفي الأدب، باب ٨٠، حديث ٦١٢٨، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه البخاري في الوضوء، باب ٥٧، حديث ٢١٩، وباب ٥٨، حديث ٢٢١، وفي الأدب، باب ٣٥، حديث ٦٠٢٥، ومسلم في الطهارة حديث ٢٨٤، ٢٨٥، من حديث أنس - ﵁ -.
(٢) قال في "المصباح المنير": (١/ ٤٢٦): (والصوان ضرب من الحجارة فيه صلابة، الواحدة صوانة، وهو فعال من وجه، وفعلان من وجه) اهـ.
[ ١ / ٤٤ ]
مخرج لصيد الحرم والإحرام، (ولا لاستقذارها) كالبزاق والمخاط فالمنع (^١) لاستقذاره لا لنجاسته (ولا لضرر بها في بدن) احتراز عن السميات من النبات، (أو) ضرر بها في (عقل) خرج به نحو البنج (قاله في المطلع (^٢). وهي) أي: النجاسة المعرفة في كلامه (النجاسة العينية ولا تطهر بحال) لا بغسل ولا باستحالة.
قلت: فلا يرد نحو الخمرة، والماء المتنجس، لأنه عين حرم تناولها لكن لِمَا طرأ كما يأتي (^٣).
(وإذا طرأت النجاسة على محل طاهر فنجسته) لبللهما أو بلل أحدهما (ولو بانقلاب) الطاهر (بنفسه كعصير تخمر)، ومني صار نطفة (فمتنجس، ونجاسته حكمية يمكن تطهيرها) كانقلاب الخمرة بنفسها خلًّا، وصيرورة النطفة حيوانًا طاهرًا، (ويأتي) ذلك في باب إزالة النجاسة.
(ولا يباح ماء آبار) ديار (ثمود غير بئر الناقة) لقول ابن عمر: "إن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - على الحجر أرض ثمود فاسْتَقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ -: أن يُهرِيقوا ما استقوا من آبارها، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يَسْتَقُوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة" متفق عليه (^٤) (قال الشيخ: وهي البئر الكبيرة التي يردها الحجاج في هذه الأزمنة. انتهى).
قال في "الهدي" (^٥) في غزوة تبوك: بئر الناقة استمر علم الناس بها قرنًا
_________________
(١) في (ح): زيادة (منه).
(٢) ص / ٧.
(٣) في (ح): زيادة (تفصيله).
(٤) البخاري في الأنبياء، باب ١٧، حديث ٣٣٧٨، ٣٣٧٩، ومسلم في الزهد، حديث ٢٩٨١، من حديث ابن عمر ﵄ .
(٥) زاد المعاد (٣/ ٥٦٠).
[ ١ / ٤٥ ]
بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا ترد الركوب بئرًا غيرها، وهي مطوية، محكمة البناء، واسعة الأرجاء، آثار العفو عليها بادية لا تشتبه بغيرها.
(فظاهره) أي: ظاهر القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود (لا تصح الطهارة) أي: الوضوء والغسل (به) لتحريم استعماله (كماء مغصوب، أو) ماء (ثمنه المعين) في البيع (حرام) فلا يصح الوضوء بذلك ولا الغسل به، لحديث "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (^١) قال في "المبدع": "لا تصح الطهارة بماء مغصوب، كالصلاة في ثوب مغصوب انتهى".
قلت: فيؤخذ منه تقييده بما إذا كان عالمًا ذاكرًا كما يأتي في الصلاة، وإلا صحت لأنه غير آثم إذن.
(فيتيمم معه) أي: مع ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود، ومع المغصوب، وما ثمنه المعين حرام (لعدم غيره) من المباح، ولا يستعمله لأنه ممنوع منه شرعًا، فهو كالمعدوم حسًّا.
(ويكره ماء بئر ذروان) وهي التي ألقي فيها سحر النَّبيِّ - ﷺ - بالمدينة (^٢)، وهي الآن مطمومة تلقى فيها القمامة والعذرات، ذكره في الحاشية.
(و) يكره ماء (بئر برهوت) -بفتح الباء والراء ويقال: برهوت بضم الباء
_________________
(١) البخاري معلقًا مجزومًا به في البيوع، باب ٦٠، وفي الاعتصام، باب ٢٠، ورواه موصولًا في الصلح، باب ٥، حديث ٢٦٩٧ بلفظ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد. من حديث عائشة ﵂ . ورواه مسلم في الأقضية حديث ١٧١٨ موصولًا باللفظين المذكورين.
(٢) رواه البخاري في بدء الخلق، باب ١١، حديث ٣٢٦٨، وفي الطب باب ٤٧ و٤٩، حديث ٥٧٦٣ و٥٧٦٥، و٥٧٦٦، وفي الأدب باب ٥٥، حديث ٦٠٦٣، وفي الدعوات باب ٥٧، حديث ٦٣٩١، ومسلم في السلام حديث ٢١٨٩ من حديث عائشة ﵂ .
[ ١ / ٤٦ ]
وسكون الراء- رُوي عن علي: "شر بئر على الأرض برهوت" وهي بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. أخرجه أبو عبيد عن علي (^١) وأخرجه الطبراني في "المعجم" (^٢) عن ابن عباس مرفوعًا. ذكره ابن الأثير في "النهاية" (^٣). وهي البئر التي تجتمع (^٤) فيها أرواح الفجار، ذكره ابن عساكر (^٥) (^٦).
_________________
(١) لم نجده في كتبه المطبوعة.
(٢) المعجم الكبير (١١/ ٩٨)، ورواه -أيضًا- في الأوسط (٣/ ٥٤٢، ٩/ ٦٠) حديث ٣٩٢٤، ٨١٢٥، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٤١)، ودكره المنذري في الترغيب (٢/ ١٦٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات، وابن حبان في صحيحه، وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٨٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان، وقال المناوي في فيض القدير (٣/ ٤٨٩): وقال ابن حجر: رواته موثوقون وفي بعضهم مقال لكنه قوي في المتابعات.
(٣) (١/ ١٢٢).
(٤) في (ح): تجمع.
(٥) تاريخ دمشق (٤١/ ٤٦٨) عن علي ﵁ موقوفًا. ولفظه: خير بئر بئر زمزم، وشر بئر بحضرموت برهوت، فيها أرواح الكفار. ورواه -أيضًا- بنحوه عبد الرزاق (٥/ ١١٦)، حديث ٩١١٨، والأزرقي (٢/ ٥٠)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٤٣).
(٦) لم يثبت في هذا ما يعتمد عليه.
[ ١ / ٤٧ ]