أي: تطهير موارد الأنجاس، وذكر النجاسات، وما يعفى عنه منها. وتقدم تعريف النجاسة في أول كتاب الطهارة.
(وهي) أي: النجاسة الحكمية (الطارئة على محل طاهر) بخلاف العينية.
(ولا تصح إزالتها) أي: النجاسة الحكمية (بغير ماء طهور) لحديث أسماء قالت: "جاءتْ امرأةٌ إلى النَّبىِّ - ﷺ - فقالت: إحدانَا يصيبُ ثوبها من دمِ الحيضَةِ، كيفَ تصنعُ؟ قال: تحتّهُ، ثم تقرصُه بالماءِ، ثم تنضحُهُ، ثم تصلِّي فيهِ" متفق عليه (^١). و"أمرَ بصبِّ ذنوبٍ من ماءٍ فأهريقَ على بولِ الأعرَابيِّ" (^٢) ولأنها طهارة مشترطة، فأشبهت طهارة الحدث (ولو) كان الماء الطهور (غير مباح) لأن إزالتها من قسم التروك، ولذلك لم تعتبر له النية.
(و) النجاسة (العينية لا تطهر بغسلها بحال، وتقدم) في الطهارة. ولا يعقل للنجاسة معنى، ذكره ابن عقيل، وغيره.
(والكلب، والخنزير نجسان) وكذا ما تولد منهما، وسؤر ذلك، وعرقه، وكل ما خرج منه، لا يختلف المذهب فيه، قاله في "الشرح" (يطهر متنجس بهما، و) متنجس (بمتولد منهما، أو من أحدهما، أو بشيء من أجزائهما) أو أجزاء ما تولد منهما، أو من أحدهما (غير أرض، ونحوها) كصخر،
_________________
(١) البخاري في الوضوء، باب ٦٣، حديث ٢٢٧، وفي الحيض، باب ٩، حديث ٣٠٧، ومسلم في الطهارة، حديث ٢٩١.
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٤ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وحيطان (بسبع غسلات منقية، إحداهن بتراب طهور وجوبًا) لحديث أبي هريرة مرفوعًا قال: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدكم فليغْسلْه سبعًا" متفق عليه (^١)، ولمسلم: "فليرِقْه، ثم ليغسلْه سبعَ مراتٍ" (^٢).
وله أيضًا: "طهورُ إناءِ أحدكم إذا ولغَ الكلبُ فيه أن يغسِلَهُ سبعَ مراتٍ، أولاهُنَّ بالترابِ" (^٣).
ولو كان سؤره طاهرًا لم يأمر بإراقته، ولا وجب غسله. والأصل: أن وجوب الغسل لنجاسته، ولم يعهد التعبد إلا في غسل البدن، والطهور لا يكون إلا في محل الطهارة، ولأنه لو كان تعبدًا لما (^٤) اختص الغسل موضع الولوغ، لعموم اللفظ في الإناء كله.
وإذا ثبت هذا في الكلب، فالخنزير شر منه، لنص الشارع على تحريمه، وحرمة اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه، لأنهم لم يكونوا يعتادونه، ولم يذكر أحمد في الخنزير عددًا.
وعلم من كلامه: أنه لا يكفي التراب غير الطهور، كما صرح به في "المبدع" و"الإنصاف"، وقدماه، وأنه إذا لم تنق النجاسة بالسبع، زاد حتى تنقى. كسائر النجاسات، وأنه لا تتعين إحدى الغسلات للتراب (و) لكن الغسلة (الأولى أولى) بجعل التراب فيها للخبر، وليأتي الماء بعده، فينظفه.
(ويقوم أُشنان، وصابون، ونخالة، ونحوها) من كل ما له قوة في الإزالة
_________________
(١) البخاري في الوضوء، باب ٣٣، حديث ١٧٢، ومسلم في الطهارة، حديث ٢٧٩ (٩٠).
(٢) مسلم في الطهارة، حديث ٢٧٩ (٨٩).
(٣) مسلم في الطهارة، حديث ٢٧٩ (٩١).
(٤) في "ح": "بدون (لما) ".
[ ١ / ٤٢٨ ]
(مقامه) أي: التراب (ولو مع وجوده) وعدم تضرر المحل به؛ لأن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف.
و(لا) تقوم (غسلة ثامنة) مقام التراب، لأن الأمر بالتراب معونة للماء في قطع النجاسة، أو للتعبد، فلا يحصل بالماء وحده.
(ويعتبر استيعاب المحل به) أي: بالتراب، بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس، يتحقق معنى قوله - ﷺ -: "أولاهنَّ بالترابِ".
(إلا فيما يضر) ه التراب (فيكفي مسماه) أي: أقل شيء يسمى ترابًا يوضع في ماء إحدى الغسلات. لحديث: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فائْتُوا منهُ ما استَطَعْتُمْ" (^١) وللنهي عن إفساد المال.
(ويعتبر مزجه) أي: التراب (بماء يوصله إليه) أى: إلى المحل المتنجس فلا يكفي مائع غير الماء كما نبه عليه المصنف في "حاشية التنقيح". وعبارة "الفروع": فيعتبر مائع يوصله إليه. ذكره أبو المعالي و"التلخيص". وجزم بمعناه في "التنقيح" و"المنتهى".
فـ (ـــلا) يكفي (ذره) أى: التراب على المحل المتنجس (وإتباعه الماء) لقوله - ﷺ -: "أولاهُنَّ بالتراب" إذ الباء فيه للمصاحبة. قال في "الفروع": ويحتمل يكفي ذره، ويتبعه الماء، وهو ظاهر كلام جماعة. وهو أظهر.
"تتمة" إذا ولغ في الإناء كلاب، أو أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم، فهي كنجاسة واحدة، وإلا، فالحكم لأغلظها، لأنه إذا أجزأ عما يماثل، فعما دونه أولى. ولو ولغ فيه فغسل دون السبع، ثم ولغ فيه مرة أخرى، غسل للنجاسة الثانية، واندرج فيها ما بقي من عدد الأولى.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٣٩٧ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٢٩ ]
(وتطهر بقية المتنجسات بسبع منقية) لقول ابن عمر: "أمرنا أن نغسلَ الأنجاسَ سبعًا" (^١) ذكره صاحب "المبدع" وغيره. فينصرف إلى أمره - ﷺ - وقد أمر به في نجاسة الكلب. فيلحق به سائر النجاسات، لأنها في معناها. والحكم لا يختص بمورد النص. بدليل إلحاق البدن، والثوب به. فعلى هذا يغسل محل الاستنجاء سبعًا كغيره، صرح به القاضي، والشيرازي، وابن عقيل. ونص عليه أحمد في رواية صالح.
لكن نص في رواية أبي داود، واختاره في "المغني" أنه لا يجب فيه عدد، اعتمادًا على أنه لم يصح عن النَّبيِّ - ﷺ - في ذلك شيء، لا في قوله، ولا في فعله (^٢).
(ولا يشترط لها) أي: لبقية النجاسات (تراب) قصرًا له على مورد النص. (فإن لم ينق) المحل المتنجس (بها) أي: بالسبع (زاد) في الغسل
_________________
(١) لم نجد من أخرجه بهذا السياق. وروى أبو داود في الطهارة، باب ٩٨، حديث ٢٤٧، وأحمد (٢/ ١٠٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥)، والبيهقي (١/ ١٧٩، ٢٤٤ - ٢٤٥)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٣٢) حديث ٥٤٣، كلهم من طريق أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عصمة، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل الثوب من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يسأل حتى جعل الصلاة خمسًا، وغسل الجنابة مرة، وغسل الثوب من البول مرة. قال المنذري في مختصر السنن (١/ ١٦٤): عبد الله بن عصم، ويقال: ابن عصمة. . . تكلم فيه غير واحد، والرواى عنه أيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي، ولا يحتج بحديثه. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. وضعفه النووى في الخلاصة (١/ ١٧٨).
(٢) كذا في الأصول. والأقرب: "لا من قوله، ولا من فعله" كما في المبدع (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ٤٣٠ ]
(حتي ينقى) المحل (في الكل) أي: كل النجاسات، من نجاسة الكلب وغيره.
(ولا يضر بقاءُ لونِ) النجاسة (أو ريحها أو هما) أي: اللون، والريح (عجزًا) عن إزالتهما، لحديث أبي هريرة "أن خولةَ بنتَ يسار قالتْ: يا رسولَ اللهِ، ليسَ لي إلا ثوبٌ واحدٌ، وأنا أحيضُ فيهِ؟ قال: فإذا طهرْتِ فاغسلي موضع الدم، ثم صلِّي فيه، قالت: يا رسولَ اللهِ، إنْ لم يخرُجْ أثرُهُ؟ قال: يكفيك الماءُ، ولا يضرُّكِ أثرُه" رواه أحمد (^١).
(ويطهر) المحل مع بقائهما، أو بقاء أحدهما.
(ويضر) بقاء (طعم) لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته، فلا يحكم بطهارة المحل مع بقاء أجزاء النجاسة فيه.
(وإن استعمل في إزالته) أي: أثر النجاسة (ما يزيله كالملح، وغيره، فحسن) لما روي أبو داود عن امرأة من غفار أن النَّبيَّ - ﷺ - "أردفَها على حقيبته،
_________________
(١) المسند (٢/ ٣٨٠)، ورواه -أيضًا- أبو داود في الطهارة، باب ١٣٢، حديث ٣٦٥، والبيهقي (٢/ ٤٠٨)، وضعفه. وضعفه -أيضًا- النووي في الخلاصة (١/ ١٨٤)، والحافظ في بلوغ المرام حديث ٣٥، وفي الفتح (١/ ٣٣٤). لكن له شاهد من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄مرفوعًا- قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ -، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه. رواه البخاري في الوضوء، باب ٦٣، حديث ٢٢٧، ومسلم في الطهارة حديث ٢٩١، واللفظ له. ومن حديث عائشة ﵂ قالت لها امرأة: الدم يكون في الثوب، فأغسله فلا يذهب أثره، فأقطعه؟ قالت: الماء طهور. رواه الدارمي في الطهارة، باب ١٠٤، حديث ١٠١٧، والبيهقي (٢/ ٤٠٨)، ورواه -أيضًا- أبو داود في الطهارة، باب ١٣٢، حديث ٣٥٧، بنحوه.
[ ١ / ٤٣١ ]
فحاضت، قالت: فنزلتُ، فإذا بها دمٌ منِّي، فقال: مالك، لعلّكِ نُفستِ؟ قلتُ: نعمْ. قال: فأصلحي من نَفْسِكِ، ثم خذي إناءً من ماء، فاطرحي فيه مِلحًا، ثم اغسِلي ما أصابَ الحقيبة من الدَّمِ" (^١).
(ولا يجب) ذلك لما سبق من حديث أبي هريرة (^٢).
(ويحرم استعمال طعام وشراب في إزالة النجاسة، لإفساد المال المحتاج إليه، كما ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها، والبقر التي يحرث عليها، ونحو ذلك، لما في ذلك من الحاجه إليها. قاله الشيخ) وفي "الاختيارات" (^٣) في آخر كتاب الأطعمة: ويكره ذبح الفرس الذي ينتفع به في الجهاد، بلا نزاع.
(ولا بأس باستعمال النخالة الخالصة) من الدقيق (في التدلك، وغسل الأيدي بها، وكذا) التدلك، وغسل الأيدي (ببطيخ، ودقيق الباقلاء) -وهى الفول- إن شددت اللام قصرت، وإن خففت مددت. ذكره في حاشيته (وغيرها مما له قوة الجلاء، لحاجة).
وفي "المستوعب": يكره أن يغسل جسمه بشيء من الأطعمة، مثل دقيق الحمص، أو العدس، أو الباقلاء، ونحوه (ويغسل ما نجس ببعض الغسلات بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة) لأنها نجاسة تطهر في محلها بما
_________________
(١) رواه أبو داود في الطهارة، باب ١٢٢، حديث ٣١٣، ورواه -أيضًا- الواقدي في مغازيه (٢/ ٦٨٥ - ٦٨٦)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٩٣)، وأحمد (٦/ ٣٨٠)، والبيهقي (٢/ ٤٠٧)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٨٤٧، ٧٤٨). قال المنذرى في مختصر السنن (١/ ١٩٧): في إسناده محمد بن إسحاق ابن يسار، وقد تقدم الاختلاف فيه. ا هـ. وضعفه النووي في الخلاصة (١/ ١٨٥).
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٣١ تعليق ٢.
(٣) ص/ ٤٦٧.
[ ١ / ٤٣٢ ]
بقي من الغسلات، فطهرت به في مثله، قياسًا عليه. فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلًا، غسل ثلاث غسلات إحداهن (بتراب إن لم يكن) التراب (استعمل) فيما سبق من الغسلات (حيث اشترط) التراب، بأن كانت نجاسة كلب، أو خنزير، أو ما تولد منهما أو من أحدهما. فإن كان استعمل فيما قبل كفى.
(ويعتبر العصر في كل مرة) خارج الماء (مع إمكانه) أي: العصر (فيما تشرب نجاسة، ليحصل انفصال الماء عنه) أي: عن المحل المتنجس (ولا يكفي تجفيفه بدل العصر.
وإِن لم يمكن عصره، كالزلالي، ونحوها) من كل ما لا يمكن عصره (فبدقها أو دوسها، أو تقليبها، أو تثقيلها بما يفصل الماء عنها) لقيامه مقام العصر لتعذره.
(ولو عصر الثوب في ماء ولو جاريًا، ولم يرفعه منه لم يطهر) لعدم انفصال الماء عنه (فإذا رفعه منه) ولو بعد عصره مرات (فهي غسلة واحدة، يبني عليها) ويتم السبع.
(ولا يكفي في العدد تحريكه) أي: الإناء (في الماء، وخضخضته) ولو غمس الإناء في ماء كثير لم يطهر، حتى ينفصل عنه، ويعاد إليه العدد المعتبر.
(وإن وضعه) أي: الثوب، ونحوه (في إناء وصب عليه الماء، فغسله واحدة يبني عليها) بعد عصره، حتى يحصل العدد المعتبر (ويطهر) الثوب ونحوه بذلك (نصًا) لأن الماء وارد على محل التطهير. أشبه ما لو صبه عليه في غير إناء.
وإن غمس النجس في ماء قليل، نجس الماء، ولم يطهر النجس. ولا
[ ١ / ٤٣٣ ]
يعتد بها غسلة.
(وعصر كل ثوب) ونحوه (على قدر الإمكان، بحيث لا يخاف عليه الفساد) للنهي عن إضاعة المال.
(وما لم يتشرب) النجاسة (كالآنية: يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله) عنه سبع مرات على ما تقدم.
(ولا يكفي مسحه) أي: المتنجس (ولو كان صقيلًا، كسيف ونحوه) كمرآة، لعموم ما سبق من الأمر بغسل الأنجاس. والمسح ليس غسلًا.
(فلو قطع به) أي: بالسيف المتنجس ونحوه بعد مسحه (قبل غسله مما فيه بلل، كبطيخ، ونحوه نجسه) لملاقاة البلل للنجاسة.
(فإن كان) ما قطعه به (رطبًا لا بلل فيه، كجبن ونحوه، فلا بأس به) كما لو قطع به يابسًا لعدم تعدي النجاسة إليه.
(وإن لصقت النجاسة) في الطاهر (وجب في إزالتها الحت) أي: الحك بطرف حجر أو عود (والقرص) أي: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار دلكًا شديدًا، ويصب عليه الماء حتى تزول عينه، وأثره. ذكره في حاشيته عن الأزهري (^١). (إن لم تزل) النجاسة (بدونهما) أي: الحت والقرص. لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
وفي "المغني" و"الشرح": إذا أصاب ثوب المرأة حيضها استحب أن تحته بظفرها، حتى تذهب خشونته، ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل، ثم تغسله بالماء (قال في التلخيص وغيره: إن لم يتضرر المحل بهما) أي: بالحت والقرص، فإن تضرر سقطا.
(ويحسب العدد في إزالتها) أي: النجاسة (من أول غسلة، ولو قبل
_________________
(١) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي ص/ ١٢٨.
[ ١ / ٤٣٤ ]
زوال عينها) لعموم ما سبق (فلو لم تزل) النجاسة (إلا في الغسلة الأخيرة أجزأ) ذلك؛ لحصول الإنقاء، والعدد المعتبر.
"فائدة" لو غسل بعض الثوب النجس، طهر ما غسل منه. قال الموفق: ويكون المنفصل نجسًا لملاقاته غير المغسول. قال ابن تميم وابن حمدان: وفيه نظر اهـ فإن أراد غسل بقيته غسل ما لاقاه، قاله في "الإنصاف".
[ ١ / ٤٣٥ ]