(وهو) لغة: القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^١) يقال يممت فلانًا، وتيممته، وأممته، إذا قصدته، ومنه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (^٢) وقول الشاعر (^٣):
وما أدري إذا يممت أرضًا … أريد الخير أيهما يليني؟
أالخير الذي أنا مبتغيه … أم الشر الذي هو مبتغيني؟
وشرعًا: (مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص) يأتي تفصيله.
وهو ثابت بالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. . . الآية﴾ (^٤) وحديث عمار (^٥)، وغيره.
وهو من خصائص هذه الأمة؛ لأن الله تعالى لم يجعله طهورًا لغيرها، توسعة عليها وإحسانًا إليها.
والتيمم (بدلٌ عن طهارة الماء) لأنه مترتب عليها، يجب فعله عند عدم الماء، ولا يجوز مع وجوده إلا لعذر، وهذا شأن البدل.
(ويجوز) التيمم (حضرًا وسفرًا، ولو) كان السفر (غير مباح، أو) كان (قصيرًا) دون المسافة؛ (لأن التيمم عزيمة لا يجوز تركه) عند وجود شروطه.
_________________
(١) سورة البقرة الآية: ٢٦٧.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٣) هو المثقب العبدي. انظر خزانة الأدب (١١/ ٨٠).
(٤) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٥) يأتي تخريجه ص/ ٤١٢ تعليق رقم ٢.
[ ١ / ٣٨٥ ]
(قال القاضي: لو خرج إلى ضيعة له تقارب البنيان والمنازل، ولو بخمسين خطوة، جاز له التيمم) أي: بشرطه (و) جاز له (الصلاة) النافلة (على الراحلة، وأكل الميتة للضرورة) لأنه مسافر عرفًا.
(ويجوز) وعبارة "المبدع": وهو مشروع. والمعنى أنه يجب حيث يجب التطهر بالماء، ويسن حيث يسن ذلك، فيشرع (لكل ما يفعل بالماء) أي: بطهارته (عند العجز عنه) أي: عن استعمال الماء، لعدم، أو مرض، ونحوهما (شرعًا، من) بيان لما يفعل بالماء (صلاة) فرض، أو نفل (وطواف) فرض، أو نفل (وسجود تلاوة، وشكر، وقراءة قرآن، ومس مصحف) وقال الموفق: إن احتاج إليه (ووطء حائض انقطع دمها) ولو لم يكن بالواطئ جراح، أو لم تصل (^١) به ابتداء (ولبث في مسجد) إذا تعذر الوضوء عاجلًا، وأراد اللبث للغسل فيه.
(سوى جنب، وحائض، ونفساء انقطع دمهما -في مسألة تقدمت في الباب قبله-) وهي: ما إذا تعذر الوضوء واحتاجوا للبث فيه، فإنه يجوز بلا تيمم، وتقدم أنه به أولى.
(و) سوى (نجاسة على غير بدن) وهو (^٢) النجاسة على الثوب، وفي البقعة، فلا يصح التيمم لهما، بخلاف نجاسة البدن وتأتي.
(ولا يكره الوطء لعادم الماء) ولو لم يخف العنت، إذ الأصل في الأشياء الإباحة إلا لدليل.
(والتيمم مبيح) للصلاة، ونحوها، و(لا يرفع الحدث) لقوله - ﷺ - في
_________________
(١) في "ذ": "أو لم يصل".
(٢) في "ح" و"ذ": "وهي".
[ ١ / ٣٨٦ ]
حديث أبي ذر: "فإذا وجدت الماءَ فأمسّهُ جلدَكَ، فإنه خيرٌ لكَ" (^١) صححه الترمذي. ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده.
(ويصح) التيمم (بشرطين أحدهما: دخول وقت ما يتيمم له، فلا يصح) التيمم (لفرض، ولا لنفل معين، كسنة راتبة، ونحوها) كوتر (قبل وقتهما نصًا) لحديث أبي أمامة مرفوعًا قال: "جعِلَتْ الأرضُ كلُّها لي ولأمَّتِي مسجِدًا وطَهُورًا، فأينمَا أدركتْ رجلًا من أمَّتِي الصَّلاةُ فعندَهُ مسجِدُهُ وعندَهُ طَهُورُه" رواه أحمد (^٢).
والوضوء إنما جاز قبل الوقت، لكونه رافعًا للحدث بخلاف التيمم. فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.
(ولا) يصح التيمم (لنفل في وقت نهي عنه) لأنه ليس وقتًا له. وعلم
_________________
(١) رواه الترمذي في الطهارة، باب ٩٢، حديث ١٢٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود في الطهارة، باب ١٢٥، حديث ٣٣٢، والطيالسي (٦٦) حديث ٤٨٤، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٧) حديث ٩١٢، ٩١٣، وابن أبي شيبة: (١/ ١٥٦)، وأحمد (٥/ ١٤٦)، والبزار في مسنده (٩/ ٣٨٧) حديث ٣٩٧٣، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ١٣٥) حديث ١٣١١، ١٣١٢، والدارقطني (١/ ١٧٨، ١٨٧)، والحاكم (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، والبيهقي (١/ ٢١٢، ٢٢٠)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، وصححه النووي في المجموع (٢/ ٢٢٠، ٢٤٤)، وقوى إسناده الحافظ في الفتح (١/ ٢٣٥)، وقال في التلخيص الحبير (١/ ١٥٤): وصححه -أيضًا- أبو حاتم. وانظر لمزيد من التفصيل نصب الراية (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، وبيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٧، ٥/ ٢٦٦).
(٢) (٥/ ٢٤٨، ٢٥٦)، ورواه -أيضًا- الآجري في الشريعة (٣/ ١٥٥٧) حديث ١٠٤٨، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٠٨) حديث ٨٠٠١، والبيهقي (١/ ٢٢٢، ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) في حديث طويل. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٤٩): وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣٨٧ ]
منه أنه يصح التيمم لركعتي فجر بعده، ولركعتي طواف كل وقت، لإباحتهما إذن.
(ويصح) التيمم، (لفائتة إذا ذكرها وأراد فعلها) لصحة فعلها كل وقت لا قبله.
(و) يصح التيمم (لكسوف عند وجوده) إن لم يكن وقت نهي، وإلا فإذا خرج.
(و) يصح التيمم (لاستسقاء إذا اجتمعوا) لصلاته.
(ولـ) ـصلاة (جنازة إذا غسل الميت) أى: تم تغسيله، كما في "المبدع" (أو يمم لعذر).
ويُعايا بها، فيقال: شخص لا يصح تيممه حتى ييمم غيره؟.
(ولعيد إذا دخل وقته.
ولمنذورة) مطلقة (كل وقت) فإن كانت منذورة بمعين اعتبر دخوله، كالمفروضة.
(و) يصح التيمم (لنفل عند جواز فعله) لأن ذلك وقته.
الشرط (الثاني): العجز عن استعمال الماء) لأن غير العاجز يجد الماء على وجه لا يضره، فلم يتناوله النص (فيصح) التيمم لمن عجز عن الماء (لعدمه) حضرًا كان أو سفرًا، قصيرًا كان أو طويلًا، مباحًا أو غيره، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (^١).
ويتصور عدم الماء في الحضر (بحبس) للمتيمم عن الخروج في طلب الماء، أو حبس للماء عن المتيمم، بحيث لا يقدر عليه، ولا يجد غيره.
_________________
(١) سورة النساء الآية: ٤٣.
[ ١ / ٣٨٨ ]
(أو غيره) أي: غير الحبس، كقطع عدو ماء بلده، لعموم حديث أبي ذر أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "الصعيدُ الطيبُ طهورُ المسلم، وإن لم يجدْ الماءَ عشرَ سِنينَ، فإذا وجَده فليمسَّهُ بشرتَه؛ فإن ذلك خيرٌ" رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه (^١).
والتقييد بالسفر خرج مخرج الغالب، لأنه محل العدم غالبًا.
(و) يصح التيمم (لعجز مريض عن الحركة، وعمن يوضئه إذا خاف فوت الوقت، إن انتظر من يوضئه. و) عجزه (عن الاغتراف ولو بفمه) لأنه كالعادم للماء، فإن قدر على اغتراف الماء بفمه، أو على غمس أعضائه في الماء الكثير لزمه ذلك، لقدرته على استعمال الماء.
(أو) أي: ويصح التيمم (لخوف ضرر باستعماله) أي: الماء (في بدنه من جرح) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢) ولحديث جابر في قصة صاحب الشجة رواه أبو داود، والدارقطني (^٣). وكما لو خاف من عطش، أو سبع. فإن لم يخف من استعمال الماء لزمه كالصحيح.
(أو) من (برد شديد) لحديث عمرو بن العاص قال: "احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ في غزوةِ ذاتِ السَّلاسلِ، فأشفَقْتُ إن اغتسَلتُ أن أهلكَ، فتيمَّمْتُ، ثم صليتُ بأصحابي صلاةَ الصبحِ، فذكر ذلكَ للنَّبيِّ - ﷺ - فقال: يا عمْرو، صليتَ
_________________
(١) أحمد (٥/ ١٥٥، ١٨٠)، والنسائي في الطهارة، باب ٢٠٣، حديث ٣٢١، والترمذي في الطهارة، باب ٩٢، حديث ١٢٤، وقال: حسن صحيح. انظر ص/٣٨٧ تعليق رقم ١.
(٢) سورة النساء، الآية: ٢٩.
(٣) أبو داود في الطهارة، باب ١٢٧، حديث ٣٣٦، والدارقطني: (١/ ١٩٠)، وانظر ص/ ٢٦٢ تعليق ٥.
[ ١ / ٣٨٩ ]
بأصحابِكَ وأنتَ جنُبٌ؟ قلت: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) فضحك ولم يقل شيئًا" رواه أحمد، وأبو داود (^٢).
(ولو) كان خوفه على نفسه من البرد (حضرًا) فيتيمم دفعًا للضرر، كالسفر، وليس المراد بخوف الضرر أن يخاف التلف، بل يكفي أن (يخاف منه نزلة، أو مرضًا، ونحوه) كزيادة المرض، أو تطاوله، فيتيمم (بعد غسل ما يمكنه) غسله بلا ضرر. والمراد أنه يغسل ما لا يتضرر بغسله، ويتيمم لما سواه، مراعيًا للترتيب، والموالاة في الحدث الأصغر، كما يأتي.
_________________
(١) سورة النساء الآية ٢٩.
(٢) أحمد: (٤/ ٢٠٣)، وأبو داود في الطهارة، باب ١٢٦، حديث ٣٣٤، ورواه -أيضًا- الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦/ ٢٤٨) حديث ٢٤٥٧، والدارقطني (١/ ١٧٨)، والحاكم: (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، والبيهقي (١/ ٢٢٥) من طريق ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، وأعله البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٨٠) بالإرسال، وقوى إسناده الحافظ في الفتح (١/ ٤٥٤). ورواه -أيضًا- أبو داود حديث ٣٣٥، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٧) حديث ٥٢٨، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ١٤٢) حديث ١٣١٥، والدارقطني (١/ ١٧٩)، والحاكم (١/ ١٧٧)، والبيهقي (١/ ١٢٦) من طريق عمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قبيس مولى عمرو بن العاص -بنحوه- ولكن بلفظ: "فغسل مكانه -وفي لفظ مغابنه- وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وصححه النووي في المجموع (٢/ ٢٢٠) وقال في الخلاصة (١/ ٢١٦): حسن أو صحيح. ورجح عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ٢٢٣)، وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٨٨)، والحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٣٥) رواية الوضوء على رواية التيمم. وقال بإمكان الجمع بينهما البيهقي فقال في سننه (١/ ٢٢٦): ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا: غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي. اهـ.
[ ١ / ٣٩٠ ]
(و) إنما يتيمم للبرد إذا (تعذر تسخينه) أي: الماء في الوقت. قال في الشرح وغيره: متى أمكنه تسخين الماء، أو استعماله على وجه يأمن الضرر، كأن يغسل عضوًا عضوا، كلما غسل شيئًا ستره، لزمه ذلك.
(أو) أي: ويصح التيمم (لخوف بقاء شين) أي: فاحش في بدنه بسبب استعمال الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (^١) ولأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شيء من ماله. فهنا أولى.
(أو) أي: ويصح التيمم لـ (مرض يخشى زيادته، أو تطاوله) لما تقدم، فإن لم يخف ضررًا باستعمال الماء، كمن به صداع، أو حمى حارة، أو أمكنه استعمال الماء الحار بلا ضرر، لزمه ذلك، ولا يتيمم لانتفاء الضرر.
(و) يصح التيمم (لـ) ـخوف (فوات مطلوبه) باستعمال الماء، كعدو خرج في طلبه، أو آبق، أو شارد يريد تحصيله، لأن في فوته ضررًا، وهو منفي شرعًا.
(أو) أي: ويصح التيمم لـ (ـعطش يخافه على نفسه، ولو) كان العطش (متوقعًا) لقول علي في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة، ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش: "يتيمم ولا يغتسل" رواه الدارقطني (^٢).
ولأنه يخاف الضرر على نفسه، أشبه المريض، بل أولى.
(أو) يخاف العطش على (رفيقه المحترم) لأن حرمته تقدم على الصلاة بدليل ما لو رأى غريقًا عند ضيق وقتها، فيتركها، ويخرج لإنقاذه. فلأن تقدم على الطهارة بالماء بطريق الأولى. قال أحمد (^٣): عدة من الصحابة تيمموا
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٢) (١/ ٢٠٢). رواه ابن أبي شيبة: (١/ ١٠٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٨) حديث ٥٢٩، والبيهقي (١/ ٢٣٤) بنحوه.
(٣) مسائل ابن هانئ (١/ ١٣).
[ ١ / ٣٩١ ]
وحبسوا الماء لشفاههم (^١).
(ولا فرق) في الرفيق المحترم (بين المزامل له، أو واحد من أهل الركب) لأنه لا يخل بالمرافقة.
(ويلزمه) أي: من معه الماء (بذله) (^٢) أي: لعطشان يخشى تلفه.
وفي حبس الماء لعطش الغير المتوقع روايتان، اختار الشريف وابن عقيل وجوبه، وصوبه في "تصحيح الفروع".
وقيل: يستحب. قال المجد: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. وقدمه في "الرعاية الكبرى" و"مجمع البحرين".
ولو خاف على نفسه العطش بعد دخول الوقت، ففيه وجهان.
قال في "تصحيح الفروع": الصواب الوجوب، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. منهم الشيخ الموفق.
والقول بعدم الوجوب ضعيف جدًا فيما يظهر.
و(لا) يلزم بذل الماء (لطهارة غيره بحال) سواء كان يجد غيره أو لا، طلبه بثمنه أو لا، كسائر الأموال، لا يلزم بذلها إلا لضرورة ولا ضرورة هنا.
وأخرج بقوله: المحترم: الزاني المحصن، والمرتد، والحربي. فلا يلزم بذله له إذا عطش، وإن خاف تلفه.
(أو) عطش يخافه (على بهيمته، أو بهيمة غيره المحترمتين) لأن للروح
_________________
(١) جاء هذا عن عدد من الصحابة والتابعين فمن الصحابة: علي، وابن عباس ﵃، ومن التابعين مجاهد، وعطاء، وطاؤس، وقتادة، والضحاك. ينظر مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٠٥)، ومصنف عبد الرزاق (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٨ - ٢٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٣٤).
(٢) في "ح" و"ذ" زيادة: "له".
[ ١ / ٣٩٢ ]
حرمة، وسقيها واجب. ودخل في ذلك كلب الصيد. وخرج عنه العقور والخنزير ونحوه، لعدم احترامه.
(قال) أبو الفرج عبد الرحمن (ابن الجوزي: إن احتاج الماء للعجن، والطبخ، ونحوهما، تيمم وتركه) أي: الماء لذلك، اقتصر عليه في "الفروع". وجزم به في "المنتهى"، وحكاه في "الرعاية" بصيغة التمريض.
(وإذا وجد الخائف من العطش ماء طاهرًا، وماء نجسًا) وكان (يكفيه كل منهما لشربه، حبس الطاهر) لشربه (وأراق النجس إن استغني عن شربه) سواء كان في الوقت، أو قبله، لعدم حاجته إليه.
(فإن خاف حبسهما) للحاجة، وكما لو انفرد النجس.
(ولو مات رب الماء) وبقي ماؤه (يممه رفيقه العطشان) كما يتيمم لو كان حيًا لذلك (وغرم) العطشان (ثمنه) أي: قيمة الماء (في مكانه) أي: مكان إتلافه (وقت إتلافه لورثته) لانتقاله إليهم كسائر أمواله، وإنما غرمه بقيمته مع أنه مثلي، دفعًا للضرر عن الورثة، إذ الماء لا قيمة له في الحضر غالبًا، وإن كانت فشيء تافه بالنسبة لما في السفر. وظاهر "النهاية": إن غرمه في مكانه أي: التلف، فبمثله.
(ومن أمكنه أن يتوضأ، ويجمع الماء) الذي توضأ به ويشربه (لم يلزمه، لأن النفس تعافه) أي: تعاف شربه.
(ومن خاف فوت رفقته) باستعمال الماء (ساغ له التيمم) قال في "الفروع": وظاهر كلامه، ولو لم يخف ضررًا بفوت الرفقة، لفوت الإلف والأنس.
(وكذا لو خاف على نفسه، أو ماله في طلبه) أي: الماء (خوفًا محققًا، لا جبنًا) وهو الخوف لغير سبب، والخوف المحقق (كأن كان بينه
[ ١ / ٣٩٣ ]
وبين الماء سبع) أي: حيوان مفترس (أو حريق، أو لص، ونحوه) ساغ له التيمم، لأن الضرر منفي شرعًا.
(أو خاف) بطلب الماء (غريمًا يلازمه، ويعجز عن أدائه) فله التيمم، دفعًا للضرر عنه، فإن قدر على وفائه حالّ دينه، لم يجز له التيمم، لإثمه بالتأخير إذن.
(أو خافت امرأة) بطلب الماء (فساقًا) يفجرون بها، فتتيمم، (بل يحرم عليها الخروج في طلبه) إذن، لأنها تعرض نفسها للفساد، ومثلها الأمرد.
(ولو كان خوفه لسبب ظنه، فتبين عدم السبب، مثل من رأى سوادًا بالليل ظنه عدوًا، فتبين أنه ليس بعدو بعد أن تيمم وصلى لم يعد) لكثرة البلوى به، بخلاف صلاة الخوف، فإنها نادرة في نفسها، وهي بذلك أندر.
(ويلزمه) أي: عادم الماء إذا وجبت عليه الطهارة (شراء الماء) الذي يحتاجه لها (بثمن مثله في تلك البقعة، أو مثلها) أي: مثل تلك البقعة (غالبًا) لأنه قادر على استعماله من غير ضرر؛ ولأنه يلزمه شراء سترة عورته للصلاة فكذا هنا.
(و) يلزمه أيضًا شراؤه بـ (زيادة يسيره) عرفًا؛ لأن ضررها يسير، وقد اغتفر اليسير في النفس (كضرر يسير في بدنه من صداع، أو برد) فهنا أولى.
و(لا) يلزمه شراء الماء (بثمن يعجز عنه) ويتيمم، لأن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل، كالعجز عن ثمن الرقبة في الكفارة.
(أو) أي: ولا يلزم شراء الماء بثمن (يحتاجه لنفقة، ونحوها) كقضاء دينه، ومؤنة سفره، ولا فرق بن نفقته، ونفقة عياله من مؤنة، وكسوة، وغيرهما (وحبل، ودلوٍ، كما) يلزم شراؤهما بثمن مثل، أو زائد يسيرًا، إذا احتاج إليهما.
[ ١ / ٣٩٤ ]
و(يلزمه طلبهما) أي: الحبل، والدلو، أي: استعارتهما ليحصل بهما الماء؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(و) يلزمه (قبولهما) أي: الحبل والدلو (عارية) لأن المنة في ذلك يسيرة.
(وإن قدر على) استخراج (ماء بئر بثوب يبلّه، ثم يعصره، لزمه) ذلك لقدرته على تحصيله، كما لو وجد حبلًا، ودلوا (إن لم تنقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء) الذي يستخرجه في مكانه، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه، كشرائه.
(ويلزمه قبول الماء قرضًا (^١). وكذا) يلزمه قبول (ثمنه) قرضًا (وله ما يوفيه) منه، لأن المنة في ذلك يسيرة.
و(لا) يلزمه (اقتراض ثمنه) أي: الماء للمنة.
(ويلزمه قبول الماء) إذا بذل له (هبة) لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة.
و(لا) يلزمه قبول (ثمنه) هبة للمنة.
(ولا) يلزمه (شراؤه) أي: الماء (بدين في ذمته) ولو قدر على أدائه في بلده، لأن عليه ضررًا في بقاء الدين في ذمته، وربما تلف ماله قبل أدائه، وكالهدي.
وقال القاضي: يلزمه كالرقبة في الكفارة.
وأجيب: بأن الفرض متعلق بالوقت بخلاف المكفر.
(فإن كان بعض بدنه جريحًا ونحوه) بأن كان به قروح (وتضرر) بغسله ومسحه بالماء (تيمم له) أي: للجريح ونحوه، لما تقدم.
_________________
(١) ولا يلزمه استقراض الماء. "ش".
[ ١ / ٣٩٥ ]
(و) يتيمم أيضًا (لما يتضرر بغسله مما قرب منه) أي: من الجريح ونحوه، لمساواته له في الحكم (فإن عجز عن ضبطه) أي: ضبط الجريح وما قرب منه، مما يتضرر بغسله (لزمه أن يستنيب إن قدر) على الاستنابة، بأن وجد من يستنيبه وأجرته إن طلبها (وإلا) أي: وإن لم يقدر على الاستنابة (كفاه التيمم) فيصلي بها، ولا إعادة.
(فإن أمكن مسحه) أي: الجرح، ونحوه (بالماء وجب) المسح (وأجزأ) لأن الغسل مأمور به والمسح بعضه، فوجب، كمن عجز عن الركوع، والسجود، وقدر على الإيماء. فإن كان الجرح نجسًا، فقال في "التلخيص": يتيمم، ولا يمسح. ثم إن كانت النجاسة معفوًا عنها ألغيت، واكتفى بنية الحدث، وإلا نوى الحدث، والنجاسة إن شرطت فيها، قاله في "المبدع".
(وإن كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء، لزم مراعاة ترتيب، وموالاة في وضوء) لا غسل (فيتيمم له) أي: للجرح (عند غسله، لو كان صحيحًا) لأن البدل يعطى حكم مبدله.
(فإن كان الجرح في الوجه قد استوعبه) وأراد الوضوء (لزمه التيمم أولًا) لقيامه مقام غسل الوجه (ثم يتم الوضوء.
وإن كان) الجرح (في بعض الوجه خُيّر بين غسل الصحيح منه) أي: من الوجه (ثم يتيمم، وبين التيمم) أولًا (ثم يغسل صحيح وجهه) لأن العضو الواحد لا يعتبر فيه ترتيب (ثم يكمل وضوءه.
وإن كان الجرح في عضو آخر) غير الوجه (لزمه غسل ما قبله) مرتبًا (ثم كان الحكم فيه) أي: الجريح (على ما ذكرنا في الوجه) فإن استوعبه الجرح تيمم بعد غسل ما قبله، وإن لم يستوعبه، خير بعد غسل ما قبله بين أن يتيمم للجرح ثم يغسل الباقي، أو يغسل الصحيح، ثم يتيمم للجرح.
[ ١ / ٣٩٦ ]
(وإن كان) الجرح (في وجهه، ويديه، ورجليه، احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله؛ ليحصل الترتيب) ولو غسل صحيح وجهه، ثم تيمم لجرحه وجرح يديه تيممًا واحدًا لم يجزئه؛ لأنه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فيفوت الترتيب.
لا يقال: يبطل هذا بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الأعضاء جملة واحدة؛ لأنه إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها. وإن كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض، فاعتبر فيه ما يعتبر فيما ينوب عنه من الترتيب.
(ويبطل وضوؤه، وتيممه بخروج الوقت) فلو كان الجرح في رجله فتيمم له عند غسلها، ثم بعد زمن لا تمكن فيه الموالاة خرج الوقت بطل تيممه، وبطلت طهارته بالماء أيضًا، لفوات الموالاة، فيعيد غسل الصحيح، ثم يتيمم عقبه.
(ولا تبطل طهارته بالماء، إن كان غسلًا لجنابة ونحوها) كحيض، أو نفاس (بخروجه) أي: الوقت (بل) يبطل (التيمم فقط) لأن غسل الجنابة ونحوها لا يعتبر فيه ترتيب ولا موالاة بخلاف الوضوء.
(وإن وجد ما يكفي بعض بدنه، لزمه استعماله جنبًا كان، أو محدثًا، ثم تيمم للباقي) لقوله - ﷺ -: "إذا أمرتُكُمْ بأمرٍ فائْتُوا منهُ ما استطعْتُمْ" رواه البخاري (^١). ولأنه قدر على بعض الشرط، فلزمه كالسترة.
ولا يصح أن يتيمم قبل استعماله، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
_________________
(١) فى الاعتصام، باب ٢، حديث ٧٢٨٨، ورواه -أيضًا- مسلم في الحج، حديث ١٣٣٧، وفى الفضائل، حديث ١٣٠، من حديث أبي هريرة ﵁ .
[ ١ / ٣٩٧ ]
فَتَيَمَّمُوا﴾ (^١) فاعتبر استعماله أولًا ليتحقق الشرط الذي هو عدم الماء، وليتميز المغسول عن غيره، ليعلم ما يتيمم له.
وإن تيمم في وجهه، ثم وجد ماء طهورًا يكفي بعض بدنه بطل تيممه. قال في "الرعاية": إن وجب استعماله بطل، وإلا فلا.
(وإن وجد ترابًا لا يكفيه للتيمم، استعمله وصلى) قلت: ولا يزيد على ما يجزئ على ما يأتى. وظاهره: ولا إعادة. وفي "الرعاية": ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفيه من ماء، أو تراب.
(ومن كان على بدنه نجاسة، وهو محدث، والماء يكفى أحدهما، غسل النجاسة، ثم تيمم من الحدث)، ولو كانت النجاسة في ثوبه أو بقعته فكذلك (إلا أن تكون النجاسة في محل يصح تطهيره من الحدث فيستعمله) أي: الماء (فيه عنهما) أي: عن الحدث والنجس. قاله المجد.
قلت: وهذا واضح إن كان الحدث أكبر.
فإن كان أصغر، فعلى كلامهم: لابد من مراعاة الترتيب. فإن كان لا يبقى للنجاسة ما يزيلها بعد مراعاته، قدمها، كما لو كانت بغير أعضاء الوضوء.
(ولا يصح تيممه إلا بعد غسل النجاسة) تحقيقًا لشرطه (^٢).
(ولو كانت النجاسة فى ثوبه) أو بقعته (غسله أولًا، ثم تيمم) لما تقدم.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٢) أي التيمم وهو عدم الماء.
[ ١ / ٣٩٨ ]
فصل
(ومن عدم الماء وظن وجوده) لزمه طلبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (^١) ولا يقال: "لم يجد" إلا لمن طلب؛ ولأن التيمم بدل؛ فلم يجز العدول إليه قبل طلب المبدل، كالصيام في كفارة الترتيب.
(أو شك) أي: تردد في وجود الماء (ولم يتحقق عدمه) ولو ظن عدم وجوده، قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (لزمه طلبه) أي: الماء (في رحله) أي: مسكنه وما يستصحبه من الأثاث (وما قرب منه عرفًا) لما تقدم (فيفتش من رحله ما يمكن أن يكون فيه) إذ تفتيش ما لا يمكن أن يكون فيه طلب للمحال.
(ويسعى في جهاته الأربع) قدامه، ووراءه، ويمينه، وشماله (إلى ما قرب منه مما عادة القوافل السعي إليه) لأن ذلك هو الموضع الذي يطلب الماء فيه عادة.
(ويسأل رفقته) ذوي الخبرة بالمكان (عن موارده) أي: الماء (و) يسألهم (عن ماء معهم ليبيعوه له، أو يبذلوه) له.
قال في "المغني" و"الشرح": وإن كان له رفقة يُدِل عليهم طلبه منهم.
(ووقت الطلب بعد دخول الوقت) لأنه إذن يخاطب بالصلاة، وبشروطها (فلا أثر لطلبه قبل ذلك) أي: قبل دخول الوقت، لأنه ليس مخاطبًا بالتيمم قبله.
(فإن رأى خضرة، أو) رأى (شيئًا يدل على الماء لزمه قصده،
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.
[ ١ / ٣٩٩ ]
فاستبرأه) ليتحقق شرط التيمم.
(وان كان بقربه ربوة، أو شيء قائم أتاه فطلبه) أي: فتش (عنده) قطعًا للشك.
(وإن كان سائرًا طلبه أمامه) فقط، لأن في طلبه فيما عدا ذلك ضررًا به.
(فإن دله) أي: أرشده (عليه ثقة) أي: عدل ضابط، لزمه قصده، إن كان قريبًا عرفًا.
(أو علمه قريبًا) عرفًا (لزمه قصده) ولم يصح تيممه إذن، لقدرته على استعماله، حيث لم يخف ضررًا، ولا فوت وقت ولا رفقة.
(ويلزمه) أي: عادم الماء (طلبه لوقت كل صلاة) لأنه مخاطب بها وبشروطها، كلما دخل وقتها. وهذا كله إذا لم يتحقق عدمه، كما يفهم مما سبق في كلامه؛ فإن تحقق عدمه لم يلزمه طلبه؛ لأنه أثر لطلب شيء متحقق العدم.
(ومن خرج إلى أرض) أي: مزارع، ومحتطبات (بلده لحرث، أو صيد، أو احتطاب، ونحوها) كأخذ حشيش، وكما لو خرج لحصاد ودياس ونحوه (حمله) أي: الماء معه وجوبًا (إن أمكنه) حمله، لأنه لا عذر إذن في عدم حمله، والواجب لا يتم إلا به (فإن لم يمكنه حمله، ولا الرجوع) إلى محل الماء (للوضوء) أو نحوه (إلا بتفويت حاجته تيمم) لأنه عادم للماء (وصلى، ولا يعيد) وكذا لو حمله وفقد، أو لم يحمله لغير عذر (كما لو كانت حاجته في أرض قرية أخرى) غبر بلده (ولو كانت قريبًا) لما تقدم أنه لا فرق بين بعيد السفر وقريبه، لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (^١).
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.
[ ١ / ٤٠٠ ]
(ولو مر بماء قبل الوقت، أو كان معه) الماء (فأراقه) قبل الوقت (ثم دخل الوقت، وعدم الماء) فلا إثم عليه، لعدم تفريطه؛ لأنه ليس مخاطبًا بالطهارة قبل دخول وقت الصلاة. و(صلى بالتيمم) لأنه عادم الماء (ولا إعادة عليه) لأنه أتى بما هو مكلف به.
(وإن مر به) أي: الماء (في الوقت، وأمكنه الوضوء ولم يتوضأ، ويعلم أنه لا يجد غيره) حرم، لتفريطه بترك ما هو واجب عليه بلا ضرورة.
فإن لم يمكنه الوضوء، أو توضأ ثم انتقض بعد مفارقة الماء وبعده عنه، أو كان لا يعلم أنه لا يجد غيره، فلا إثم عليه، لعدم تفريطه.
(أو كان) الماء (معه فأراقه في الوقت) حرم، لأنه وسيلة إلى فوات الطهارة بالماء الواجبة.
(أو باعه) أي: الماء فيه أي: الوقت (أو وهبه فيه) لغير محتاج لشرب (حرم) عليه ذلك، لما تقدم (ولم يصح البيع و) لا (الهبة) لأنه تعلق به حق الله تعالى. فهو كالمنذور عتقه نذر تبرر، لعجزه عن تسليمه شرعًا.
(أو وهب له) ماء أو بذل قرضًا في الوقت (فلم يقبله حرم) عليه (أيضًا) لتفويته الطهارة الواجبة.
(وإن تيمم وصلى في الجميع) أي: جميع الصور المتقدمة (صح) تيممه وصلاته لعدم قدرته على الماء حينئذ. أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت (ولم يعد) الصلاة؛ لأنها صلاة بتيمم صحيح، لما تقدم.
وهذا كله إذا كان الماء قد عدم، فإن كان باقيًا وقدر على تحصيله لم يصح تيممه، ولا صلاته؛ لقدرته على الماء، ولم يقيد به لوضوحه.
(وإن نسي الماء) وتيمم لم يجزئه، قال في "الفروع": ويتوجه: أو ثمنه، أي: إذا كان الماء يباع ونسي ثمنه، وتيمم، وصلى لم يجزئه؛ لأن
[ ١ / ٤٠١ ]
النسيان لا يخرجه عن كونه واجدًا. وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان، ولأنها طهارة تجب مع الذكر. فلم تسقط بالنسيان كالحدث.
(أو جهله) أي: الماء (بموضع يمكنه استعماله وتيمم، لم يجزئه) لتقصيره، كمصل عريانًا ناسيًا، أو جاهلًا بالسترة، ومكفر بصوم ناسيًا، أو جاهلًا وجود الرقبة (كأن يجده) أي: الماء (بعد ذلك) أي: التيمم (فى رحله وهو) أي: رحله (في يده) المشاهدة، أو الحكمية (أو) يجده (ببئر بقربه، أعلامها ظاهرة) وكان يتمكن من تناوله منها، فلا يصح تيممه إذن، ولا صلاته لما تقدم.
(فأما إن ضل عن رحله وفيه الماء وقد طلبه) فإن التيمم يجزئه. ولا إعادة عليه.
(أو) تيمم ثم وجد بئرًا بقربه، و(كانت أعلام البئر خفية ولم يكن يعرفها) قبل ذلك (أو كان يعرفها وضل عنها فإن التيمم يجزئه، ولا إعادة عليه لأنه ليس بواجد للماء، وغير مفرط.
(وإن أدرج أحد الماء في رحله، ولم يعلم به) حتى صلى بالتيمم، فإنه يعيد لتفريطه بعدم طلبه في رحله.
(أو كان الماء مع عبده، ولم يعلم به السيد، ونسي العبد أن يعلمه حتى صلى بالتيمم، فإنه يعيد) ما صلاه بذلك التيمم، كما لو كان النسيان منه، وكنسيانه رقبة مع عبده، وقيل: لا يعيد، لأن التفريط من غيره.
(ويتيمم لجميع الأحداث) أما الأكبر. فلقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^١) والملامسة الجماع.
وعن عمران بن حصين أن النَّبيَّ - ﷺ - "رأى رجلًا معتزِلًا لم يصلِّ مَعَ
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.
[ ١ / ٤٠٢ ]
القومِ، فقال: ما مَنعَكَ أنْ تُصَلِّيَ؟ فقال: أصابتْنِي جنابةٌ ولا ماءَ، فقال: عليكَ بالصعيدِ، فإنه يَكْفِيكَ" متفق عليه (^١).
والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، والكافر إذا أسلم كالجنب.
وأما الأصغر فبالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (^٢).
وقوله: - ﷺ -: "الصعيدُ الطيبُ طهورُ المسلم" (^٣).
ولأنه إذا جاز للجنب جاز لغيره من باب أولى.
(ولنجاسة على جرح، وغيره على بدنه فقط، تضره إزالتها، أو) يضره (الماء) الذي يزيلها به، لعموم حديث أبي ذر، ولأنها طهارة في البدن تراد للصلاة، أشبهت الحدث.
واختار ابن حامد، وابن عقيل: لا يتيمم لنجاسة أصلًا كجمهور العلماء؛ لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه، لأن الغسل إنما يكون في محل النجاسة دون غيره.
وعلم من قوله: فقط: أنه لا يتيمم لنجاسة ثوبه، ولا بقعته، لأن البدن له مدخل في التيمم، لأجل الحدث. فدخل فيه التيمم لأجل النجس. وذلك معدوم في الثوب، والمكان.
ولا يتيمم لنجاسة معفو عنها.
(ولا إعادة) لما صلاه بالتيمم للنجاسة على البدن، كالذي يصليه بالتيمم للحدث، وإنما يتيمم لنجاسة البدن (بعد أن يخفف منها ما أمكنه) تخفيفه
_________________
(١) البخاري في التيمم، باب ٦، ٩، حديث ٣٤٤ مطولًا، ٣٤٨، وفي المناقب باب ٢٥ حديث ٣٥٧١، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٦٨٢ مطولًا.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٨٩/ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٠٣ ]
بحك يابسة، ومسح رطبة (لزومًا) أي: وجوبًا، فلا يصح التيمم لها قبل ذلك، لأنه قادر على إزالتها في الجملة، لحديث: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فائتُوا منه ما اسْتَطَعتُمْ" (^١).
(وإن تيمم حضرًا، أو سفرًا خوفًا من البرد) ولم يمكنه تسخينه، ولا استعماله على وجه لا يضره، وتقدم (وصلى، فلا إعادة عليه) لحديث عمرو ابن العاص. وتقدم (^٢). ولم يأمره - ﷺ - بالإعادة، ولو وجبت لأمره بها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. وقيس الحضر على السفر.
(ومن عدم الماء والتراب، أو لم يمكنه استعمالهما) أي: الماء والتراب (لمانع، كمن به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بوضوء ولا تيمم. صلى) الفرض فقط (على حسب حاله وجوبًا) لقوله - ﷺ -: "إذا أمرتُكُمْ بأمرٍ فائْتُوا منهُ ما اسْتَطَعْتُم" (١).
ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال.
(ولا إعادة) لما روي عن عائشة: "أنها استعَارتْ منْ أسْمَاءَ قلادةً فضلَّتْهَا، فبعثَ رسولُ اللهِ - ﷺ - رجالًا في طلَبِهَا، فوجَدُوهَا، فأدركَتْهُم الصلاةُ، وليَس معهُم ماءٌ فصلوا بغيرِ وضوءٍ فشكوا ذلك إلى النبي - ﷺ - فأنزلَ اللهُ آيةَ التيمُّم" متفق عليه (^٣). ولم يأمرهم بالإعادة، ولأنه أحد شروط الصلاة، فسقط
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٣٩٧ تعليق رقم ١.
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٣٩٠ تعليق ٢.
(٣) البخاري في التيمم، باب ١، حديث ٣٣٤، وباب ٢، حديث ٣٣٦، وفي فضائل الصحابة، باب ٥، حديث ٣٦٧٢، وباب ٣٠، حديث ٣٧٧٣، وفي تفسير سورة النساء، باب ١٠، حديث ٤٥٨٣، وتفسير سورة المائدة باب ٣ حديث ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، وفي النكاح، باب ٦٥، حديث ٥١٦٤، وفي اللباس، باب ٥٨، حديث ٥٨٨٢، وفي الحدود، باب ٣٩، حديث ٦٨٤٤. ومسلم في الحيض، حديث ٣٦٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
عند العجز. كسائر شروطها.
(ولا يزيد هنا على ما يجزئ في الصلاة من قراءة، وغيرها) فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يسبح أكثر من مرة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع، أو سجود، أو جلوس بين السجدتين، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأول نهض في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأخير سلم في الحال.
(ولا يتنفل، مَنْ عدم الماء، والتراب، ونحوه؛ لأنه إنما أبيح له الفرض لدعاء الضرورة إليه.
(ولا يؤم) من يصلي على حسب حاله (متطهرًا بماء، أو تراب) لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه، وعلم منه أنه يؤم مثله.
(ولا يقرأ في غير صلاة إذ كان جنبًا، ونحوه) كحائض ونفساء؛ لما تقدم فى الغسل.
(وتبطل صلاته) أي: صلاة المصلي على حسب حاله (بالحدث فيها) وبطروء نجاسة لا يعفى عنها؛ لأن ذلك ينافي الصلاة، فاقتضى وجوده بطلانها على أي حالة كانت، ثم يستأنفها على حسب حاله.
و(لا) تبطل صلاة المصلي على حسب حاله (بخروج وقتها) بخلاف صلاة المتيمم؛ لأن التيمم يبطل. فتبطل الصلاة بخلاف ما هنا.
(وتبطل الصلاة على الميت إذا لم يغسل، ولم ييمم). لعدم الماء، والتراب، وصلى عليه (بغسله أو بتيممه) متعلق بتبطل، والمراد بوجود ما يغسل به أو ييمم به (بعدها) أي: بعد الصلاة عليه.
(وتعاد الصلاة عليه) أي: على الميت بعد أن يغسل أو ييمم وجوبًا للقدرة عليها بشرطها.
[ ١ / ٤٠٥ ]
(ويجوز نبشه) بعد دفنه (لأحدهما) أي: للغسل أو التيمم (مع أمن تفسخه) لأنه مصلحة بلا مفسدة.
فإن خيف تفسخه لم ينبش.
[ ١ / ٤٠٦ ]