(الحيض) لغة السيلان، مأخوذ من قولهم: حاض الوادي إذا سال. وحاضت الشجرة إذا سال منها شبه الدم. وهو الصمغ الأحمر. يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا، ومحيضًا، فهي حائض، وحائضة: إذا جرى دمها، وتحيضت، أي: قعدت أيام حيضها عن الصلاة. ويسمى أيضًا الطمث، والعراك، والضحك، والإعصار، والإكبار، والنفاس، والفراك، والدراس.
وشرعًا (دم طبيعة) أي: جبلة، وخلقة، وسجية (يخرج مع الصحة) بخلاف الاستحاضة (من غير سبب ولادة) خرج النفاس (من قعر الرحم) أي: بيت منبت الولد ووعائه (يعتاد أنثى، إذا بلغت في أوقات معلومة) وليس بدم فساد، بل خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته، وهو مخلوق من مائهما، فإذا حملت انصرف ذلك بإذن الله إلى غذائه. ولذلك لا تحيض الحامل. فإذا وضعت قلبه الله لبنا يتغذى به. ولذلك قلما تحيض المرضع. فإذا خلت منهما بقي الدم لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام، أو سبعة. وقد يزيد على ذلك، ويقل، ويطول شهرها، ويقصر، بحسب ما ركبه الله في الطباع. ولهذا أمر النَّبيُّ - ﷺ - ببر الأم ثلاث مرات، وببر الأب مرة واحدة (^١).
_________________
(١) روى البخاري في الأدب، باب ٢، حديث ٥٩٧١، ومسلم في البر والصلة حديث ٢٥٤٨ عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك.
[ ١ / ٤٦٣ ]
والأصل في الحيض قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية (^١) والسنة. قال أحمد (^٢): الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة (^٣)، وأم حبيبة (^٤)، وحمنة (^٥). وفي رواية: أم سلمة (^٦)، مكان أم حبيبة.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
(٢) مسائل ابن هانئ (١/ ٣٥).
(٣) تقدم تخريجه ص / ٣٣٨ تعليق ١.
(٤) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٨ تعليق ٢.
(٥) تقدم تخريجه ص / ٣٣٩ تعليق ١.
(٦) رواه أبو داود في الطهارة، باب ١٠٨، حديث ٢٧٤، ٢٧٨، والنسائي في الطهارة، باب ١٣٤، حديث ٢٠٨، وفي الحيض، باب ٣، حديث ٣٥٢، ٣٥٣، وابن ماجه في الطهارة، باب ١١٥، حديث ٦٢٣، ومالك في الموطأ، الطهارة، باب ٢٩، (١/ ٦٢)، والشافعي "ترتيب مسنده" (١/ ٤٦)، وعبد الرزاق (١/ ٣٠٩) حديث ١١٨٢، والحميدي حديث ٣٠٢، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٦)، وأحمد (٦/ ٢٩٣، ٣٢٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٧/ ١٤٨ - ١٥٠) حديث ٢٧٢٠ - ٢٧٢٤، وابن المنذر (٢/ ٢٢١) حديث ٨٠٩، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٧٠ - ٢٧٢، ٣٨٥) حديث ٥٧٥، ٥٧٧، ٥٧٨، ٥٨٣، ٩١٧ - ٩٢٠، والدارقطني (١/ ٢٠٧، ٢٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٦ - ١٥٧)، والبيهقي (١/ ٣٣٢ - ٣٣٤)، وفي الخلافيات (٣/ ٣١٧) حديث ١٠١٢، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٥٦ - ٥٩)، والبغوي (٢/ ١٤٢) حديث ٣٢٥، كلهم عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ﵂، أن امرأة كانت تُهراق الدماء على عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - ﷺ -، فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل فيه". لفظ أبي داود. ورواه أبو داود -أيضًا- حديث ٢٧٥ - ٢٧٦، والدارمي في الطهارة، باب ٨٣، حديث ٧٨٦، وابن الجارود (١١٨)، وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ٣١٨) حديث ٦٨٩٤، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٣) حديث ٨١٢، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٧/ ١٥٠) حديث ٢٧٢٥، والبيهقي (١/ ٣٣٣) كلهم من طرق عن =
[ ١ / ٤٦٤ ]
(والاستحاضة سيلان الدم في غير أوقاته) المعتادة (من مرض، وفساد، من عرق، فمه في أدنى الرحم يسمى) ذلك العرق (العاذل) بالمهملة، والمعجمة، والعاذر يعني بالذال المعجمة والراء، قال في "المطلع" (^١): لغة فيه حكاهما ابن سيده (^٢)، يقال: استحيضت المرأة، استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة.
(والنفاس الدم الخارج بسبب الولادة) يقال: نفست المرأة، بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما إذا ولدت، ويقال في الحيض: نفست بالفتح لا غير (^٣)، (ويمنع الحيض خمسة عشر شيئًا) بالاستقراء.
_________________
(١) = نافع، عن سليمان بن يسار أن رجلًا أخبره عن أم سلمة ﵂، فزادوا رجلًا -لم يسم- بين سليمان وأم سلمة ﵂. ورواه الطبراني -أيضًا- في الكبير (٢٣/ ٢٩٣) حديث ٦٤٩، والبيهقي (١/ ٣٣٤)، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن سعيد بن مرجانة، عن أم سلمة، بزيادة: سعيد ابن مرجانة بين سليمان، وأم سلمة ﵂. ولذا اختلف النقاد في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، فمال البيهقي في الخلافيات (٣/ ٣١٩) إلى تضعيفه، ومال ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٣٣) إلى تصحيحه، وأما ابن عبد البر فحكى الاختلاف في التمهيد (١٦/ ٥٨ - ٦٠) ولم يرجح شيئًا. وقال النووي في المجموع (٢/ ٤١٥): صحيح. . . وانظر الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٢٣).
(٢) ص/ ٤٢.
(٣) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٥٦، ٥٩).
(٤) في نسخة "ذ" زيادة: "قال في مختصر الصحاح: (مختار الصحاح ص/ ٦٧٣): النفاس ولادة المرأة، إذا وضعت فهي نفساء ونسوة نفاس، وليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعسراء".
[ ١ / ٤٦٥ ]
أحدها: (الطهارة له) أي: للحيض؛ لأن انقطاعه شرط لصحة الطهارة له، وتقدم، بخلاف الغسل لجنابة، أو إحرام، ونحوه كما تقدم في الغسل.
(و) الثاني: (الوضوء) لأن من شرطه انقطاع ما يوجبه كما تقدم.
(و) الثالث: (قراءة القرآن) لما تقدم في الغسل من قوله - ﷺ -: "لا تقرأ الحائِضُ ولا الجنبُ شيئًا من القرآنِ" (^١).
_________________
(١) لم يتقدم هذا الحديث في الغسل، وإنما تقدم في (ص/ ٣٤٢) حديث علي ﵁: "كان النبي - ﷺ - لا يحجبه -وربما قال: لا يحجزه- من القرآن شيء ليس الجنابة". وحديث: لا تقرأ الحائض. . . رواه الترمذي في الطهارة، باب ٩٨، حديث ١٣١، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٠٥، حديث ٥٩٥، والطحاوي (١/ ٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٩٠)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٧٧)، وابن عدي (١/ ٢٩٤، ٤/ ١٣٩٠ - ١٣٩١)، والدارقطني (١/ ١١٧)، والبيهقي (١/ ٨٩)، وفي الخلافيات (٢/ ٢٣ - ٢٦) حديث ٣١٨، والخطيب في تاريخه (٢/ ١٤٥) كلهم من حديث ابن عمر ﵄. قال الإمام أحمد في العلل (٣/ ٣٨١): هذا باطل. ونقل الترمذي، والبيهقي تضعيفه عن الإمام البخاري. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٥٥): هو حديث ضعيف، ضعفه البخاري، والبيهقي وغيرهما، والضعف فيه بين. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٦/ ١١٨): هذا حديث لين الإسناد. وضعفه ابن الملقن في تحفة المحتاج (١/ ٢٠٤)، وفي خلاصة البدر المنير (١/ ٦٠ - ٦١). وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٣٨): وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها. وقال في الفتح (١/ ٤٠٩): وأما حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تقرأ الحائض. . . " فضعيف من جميع طرقه. انظر التلخيص الحبير (١/ ١٣٨)، ونصب الراية (١/ ١٩٥). وسئل عنه أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٤٩) فقال: هذا خطأ، وإنما هو عن ابن عمر ﵄ قوله. والموقوف رواه البيهقي (١/ ٩٠ - ٩١) بلفظ: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يقرأ إلا وهو طاهر، ولا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر.
[ ١ / ٤٦٦ ]
(و) الرابع: (مس المصحف) لما تقدم (^١).
(و) الخامس: (الطواف) لقوله - ﷺ - لعائشة: "إذا حضْتِ افعلِي ما يفعلُ الحاجُّ غيرَ أن لا تطُوفي بالبيتِ حتى تطهُرِي" متفق عليه (^٢).
(و) السادس: (فعل الصلاة.
و) السابع: (وجوبها) أي: الصلاة (فلا تقضيها) قال ابن المنذر (^٣): أجمع أهل العلم على إسقاط فرض الصلاة عنها في أيام حيضها، وعلى أن قضاء ما فات عنها في أيام حيضها ليس بواجب، لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبَلَت الحيضةُ فدعِي الصلاةَ" (^٤).
ولما روت معاذة، قالت: سألت عائشة: "ما بالُ الحائضِ تقضِي الصومَ، ولا تقضِي الصلَاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيّة أنتِ؟ فقلت: لستُ بحروريةٍ، ولكنِّي أسألُ، فقالت: كنَّا نحيضُ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فنؤمرُ بقضاءٍ الصومٍ، ولا نؤمر بقضاءِ الصلاةِ" متفق عليهما (^٥).
معنى قولها: "أحرورية". الإنكار عليها أن تكون من أهل حروراء وهي مكان تنسب إليه الخوارج؛ لأنهم يرون على الحائض قضاء الصلاة كالصوم، لفرط تعمقهم في الدين، حتى مرقوا منه، ولأنه يشق، لتكرره، وطول مدته، فإن أحبت القضاء فظاهر نقل الأثرم التحريم، قال في "الفروع": ويتوجه
_________________
(١) تقدم تخريجه ص / ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) رواه البخاري في الحج، باب ٨١، حديث ١٦٥٠، ومسلم في الحج، حديث ١٢١١ (١١٩، ١٢٠).
(٣) الإجماع ص/ ٣٧.
(٤) تقدم تخريجه ص / ٣٣٨ تعليق رقم ١.
(٥) رواه البخاري في الحيض، باب ٢٠، حديث ٣٢١، ومسلم في الحيض، حديث ٣٣٥.
[ ١ / ٤٦٧ ]
احتمال "يكره" لكنه بدعة، كما رواه الأثرم عن عكرمة، ولعل المراد، إلا ركعتي الطواف؛ لأنها نسك لا آخر لوقته فيعايا بها اهـ. يعني إذا طافت ثم حاضت قبل أن تصلي ركعتي الطواف فإنها تصليها إذا طهرت، لأنه لا آخر لوقتها، فتسميتها قضاء تجوز.
(و) الثامن: (فعل الصيام) لقوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد: "أليسَ إحداكُنَّ إذا حاضتْ، لم تصمْ، ولم تصلِّ؟ قلتُ: بلَى، قال: فذلِكَ من نقصَانِ دِينِهَا" رواه البخاري (^١).
و(لا) يمنع الحيض (وجوبه) أي: الصوم (فتقضيه) إجماعًا، قاله في "المبدع"؛ لأنه واجب في ذمتها كالدين المؤجل، لكنه مشروط بالتمكن، فإن لم تتمكن لم تكن عاصية، وتقضيه هي، وكل معذور بالأمر السابق، لا بأمر جديد.
(و) التاسع: (الاعتكاف.
و) العاشر: (اللبث في المسجد) ولو بوضوء لقوله - ﷺ -: "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ، ولا جنب" رواه أبو داود (^٢).
(و) الحادي عشر: (الوطء في الفرج) لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٣).
وقوله - ﷺ -: "اصنعُوا كلَّ شيءٍ إلا النِّكَاحَ" رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) البخاري في الحيض، باب ٦، حديث ٣٠٤، وفي الصوم، باب ٤١، حديث ١٩٥١، وفيه "قلن: بلى".
(٢) تقدم تخريجه ص / ٣٤٣ تعليق رقم ٢.
(٣) سورة البقرة الآية: ٢٢٢.
(٤) في الحيض، حديث ٣٠٢، من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ٤٦٨ ]
(إلا لمن به شبق بشرطه) وهو أن لا تندفع شهوته بدرن الوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه، إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمة.
(و) الثاني عشر: (سنة الطلاق) لما روي عن ابن عمر "أنه طلَّقَ امرأتَهُ وهِيَ حائضٌ فذكرَ عمرُ ذلك للنَّبيِّ - ﷺ - فقال: مرهُ فليراجعْهَا ثم ليطلقْهَا طاهرًا أو حامِلًا" متفق عليه (^١)، ولم يقل البخاري: "أو حاملًا" ولأنه إذا طلقها فيه كان محرمًا، وهو طلاق بدعة، لما فيه من تطويل العدة، وسيأتي (ما لم تسأله طلاقًا بعوض، أو خلعًا) لأنها إذن قد أدخلت الضرر على نفسها (فإن سألته) طلاقًا (بغير عوضٍ لم يُبَحْ). قلت: ولعل اعتبار العوض لأنها فد تظهر خلاف ما تبطن، فبذل العوض يدل على إرادتها الحقيقية.
(و) الثالث عشر: (الاعتداد بالأشهر) يعني أن من تحيض لا تعتد بالأشهر، بل بالحيض لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢) فأوجب العدة بالقروء، وشرط في الآيسة عدم الحيض لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ. . .﴾ الآية (^٣) (إلا المتوفى عنها زوجها) فتعتد بالأشهر، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. . .﴾ الآية (^٤).
(و) الرابع عشر: (ابتداء العدة إذا طلقها في أثنائه) أي: الحيض لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢) وبعض القرء ليس بقرء.
_________________
(١) رواه البخاري في الطلاق، باب ١، حديث ٥٢٥١، ومسلم في الطلاق، حديث ١٤٧١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
(٣) سورة الطلاق، الآية: ٤.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.
[ ١ / ٤٦٩ ]
(و) الخامس عشر: (مرورها في المسجد، إن خافت تلويثه) لأن تلويثه بالنجاسة محرم، والوسائل لها حكم المقاصد.
(ولا يمنع) الحيض (الغسل للجنابة، والإحرام)، ودخول مكة، ونحوه وتقدم (بل يستحب) الغسل لذلك.
(ولا) يمنع (مرورها في المسجد، إن أمنت تلويثه) قال في رواية ابن إبراهيم (^١): تمر، ولا تقعد.
(ويوجب) الحيض (خمسة أشياء) بالاستقراء:
(الاعتداد به) لغير وفاة، لما سبق.
(والغسل) لقوله - ﷺ -: "دعِي الصلاةَ قدرَ الأيامِ التي كنتِ تحيضينَ فيهَا، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي" متفق عليه (^٢).
(والبلوغ) لقوله - ﷺ -: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمَارٍ" رواه أحمد، وغيره (^٣)، فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدل على أن التكليف حصل به.
_________________
(١) انظر: الفروع (١/ ٢٦١)، الإنصاف (٢/ ٣٦٩).
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٨ تعليق رقم ٢.
(٣) أحمد (٦/ ٢١٨، ١٥٠، ٢٥٩)، وأبو داود في الصلاة، باب ٨٥، حديث ٦٤١، والترمذى في الصلاة، باب ١٦٠، حديث ٣٧٧، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٣٢، حديث ٦٥٥، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٦٨٧ - ٦٨٨) حديث ١٢٨٤، ١٢٨٥، وابن الجارود حديث ١٧٣، وابن خزيمة (١/ ٣٨٠) حديث ٧٧٥، وابن الأعرابي في معجمه (٣/ ٩٤٠) حديث ١٩٩٤، ١٩٩٥، ١٩٩٦، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٦١٢) حديث ١٧١١، ١٧١٢، والحاكم (١/ ٢٥١)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢١٩)، والبيهقي (٢/ ٢٣٣) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا متصلًا، ورواه أبو داود -أيضًا- معلقًا، والحاكم عن الحسن مرسلًا. =
[ ١ / ٤٧٠ ]
(والحكم ببراءة الرحم في الاعتداد) به، إذ العلة في مشروعية العدة في الأصل: العلم ببراءة الرحم.
(و) الحكم ببراءة الرحم في (استبراء الإماء) إذ فائدته ذلك.
(و) الخامس (الكفارة بالوطء فيه) أي: في الحيض.
قلت: قد يقال: الموجب الوطء، والحيض شرط، كما قالوا في الزنا: إنه موجب، والإحصان في ذلك شرط. والخطب في ذلك سهل.
(ونفاس مثله) أي: الحيض فيما يمنعه ويوجبه. قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه، لأنه دم حيض احتبس لأجل الولد (حتى في) وجوب (الكفارة بالوطء فيه) أي: في النفاس (نصًا) لما تقدم.
(إلا في ثلاثة أشياء: الاعتداد به) لأن انقضاء العدة بالقروء، والنفاس ليس بقرء، ولأن العدة تنقضي بوضع الحمل.
(وكونه) أي: النفاس (لا يوجب البلوغ لحصوله قبله بالحمل) لأن الولد ينعقد من مائهما لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ (^١).
_________________
(١) = وقال الترمذي: حديث عائشة ﵂ حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأظنه لخلاف فيه على قتادة، ووافقه الذهبي، وقال: وعلته ابن أبي عروبة. وقال النووي في المجموع (٣/ ١٦٧): ثبت وجوب الستر بحديث عائشة، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه (١/ ١٠٨): وإسناده صحيح. وله شاهد من حديث أبي قتادة ﵁. رواه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٩٤) حديث ٧٦٠٢، وفي الصغير (٢/ ٥٤) وقال: تفرد به إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٥٢) بعد نقله كلام الطبراني. قلت: ولم أجد من ترجمه. وبقية رجاله موثقون. قلنا: بل هو من رجال التهذيب، قال عنه ابن حجر في التقريب (١٢٧) صدوق. فالحديث حسن الإسناد.
(٢) سورة الطارق، الآيتان: ٦ - ٧.
[ ١ / ٤٧١ ]
(ولا يحتسب به) أي: بالنفاس (عليه) أي: على المولي (في مدة الإيلاء) لأنه ليس بمعتَادٍ بخلاف الحيض.
(وإذا انقطع الدم) أي: الحيض، أو النفاس (أبيح فعل الصيام) لأن وجوب الغسل لا يمنع فعله، كالجنب.
(و) أبيح (الطلاق) لأن تحريمه لتطويل العدة بالحيض، وقد زال ذلك.
(ولم يبح غيرهما حتى تغتسل) قال ابن المنذر (^١): هو كالإجماع، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماع التابعين، لأن الله تعالى شرط لحل الوطء شرطين: انقطاع الدم، والغسل، فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٢) أي: ينقطع دمهن ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماء ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ كذا فسره ابن عباس، لا يقال: ينبغي على قراءة الأكثر بتخفيف "يطهرن" الأولى أنه ينتهي النهي عن القربان بانقطاع الدم، إذ الغاية تدخل في المغيّا لكونها بحرف "حتى" لأنه قبل الانقطاع النهي عن القربان مطلق، فلا يباح بحال، وبعده يزول التحريم المطلق، وتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل، وظهر أن قراءة الأكثر أكثر فائدة.
"تنبيه" تقدم أنه يباح لها اللبث في المسجد بوضوء بعد انقطاع الدم، فالحصر إضافي.
(فلو أراد وطأها، وادعت أنها حائض وأمكن) بأن كانت في سن يتأتى فيه الحيض -ويأتي بيانه- (قبل) قولها وجوبًا (نصًا) لأنها مؤتمنة، قال ابن حزم (^٣): اتفقوا على قبول قول المرأة، تزف العروس إلى زوجها فتقول: هذه زوجتك، وعلى استباحة وطئها بذلك، وعلى تصديقها في قولها: أنا حائض،
_________________
(١) انظر الأوسط (٢/ ٢١٤).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
(٣) مراتب الإجماع ص/ ٦٥.
[ ١ / ٤٧٢ ]
وفي قولها: قد طهرت.
(ويباح أن يستمتع منها) أي: الحائض (بغير الوطء في الفرج) كالقبلة، واللمس، والوطء دون الفرج، زاد في "الاختيارات" (^١): والاستمناء بيدها، لقوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (^٢) قال ابن عباس: فاعتزلوا نكاح فروجهن، رواه عبد بن حميد وابن جرير (^٣)، ولأن المحيض اسم لمكان الحيض في ظاهر كلام أحمد، وقاله ابن عقيل. كالمقيل، والمبيت، فيختص التحريم بمكان الحيض، وهو الفرج. ولهذا لما نزلت هذه الآية قال النَّبيُّ - ﷺ -: "اصنَعُوا كلَّ شيءٍ إلا النِّكاحَ" رواه مسلم (^٤). وفي لفظ: "إلا الجماع" رواه أحمد (^٥)، وغيره. ولأنه وطء منع للأذى، فاختص بمحله، كالدبر.
وحديث عبد الله بن سعد أنه "سألَ النَّبيَّ - ﷺ -: ما يحلُّ من امْرَأتِي وهي حائضٌ؟ قال: لكَ ما فوقَ الإزَارِ" رواه أبو داود (^٦).
_________________
(١) ص / ٤٤.
(٢) سورة البقرة الآية: ٢٢٢.
(٣) في تفسيره (٢/ ٣٨٢).
(٤) تقدم تخريجه ص/ ٤٦٨ تعليق رقم ٤.
(٥) المسند (٣/ ١٣٢، ٢٤٦) بلفظ: "النكاح" ولم نجده عنده بلفظ: "الجماع" وقد رواه بلفظ: "الجماع"، النسائي في الطهارة، باب ١٨١، حديث ٢٨٧، وفي الحيض، باب ٨، حديث ٣٦٧، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٢٥، حديث ٦٤٤، والطيالسي (٢٧٣) حديث ٥٠٥٢، والبيهقي (١/ ٣١٣)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١٢٥) حديث ٣١٤.
(٦) في الطهارة، باب ٨٣، حديث ٢١٢، من حديث حرام بن حكيم عن عمه -وهو عبد الله بن سعد ﵁- ورواه -أيضًا- ابن حزم في المحلى (٢/ ١٨٠)، =
[ ١ / ٤٧٣ ]
أجيب عنه: بأنه من رواية حرام بن حكيم وقد ضعفه ابن حزم (^١) وغيره. سلمنا صحته، فإنه يدل بالمفهوم، والمنطوق راجح عليه. وحديث البخاري عن عائشة أن النَّبيَّ - ﷺ - "كانَ يأمُرني أن أتزر، فيباشِرُني وأنَا حَائضٌ" (^٢) لا دلالة فيه على المنع، لأنه كان يترك بعض المباح تقذرًا، كتركه أكل الضب (^٣).
(ويستحب ستره) أي: الفرج (إذن) أي: عند الاستمتاع من الحائض
_________________
(١) = والبيهقي (١/ ٣١٢)، والخطيب في الموضح (١/ ١١٠ - ١١١)، وقال ابن حزم: لا يصح، لأن حرام بن حكيم ضعيف،. . . وأيضًا فإن هذا الخبر رواه عن حرام مروان بن محمد وهو ضعيف. قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٩): رواه أبو داود -أيضًا- من طريق حرام بن حكيم وهو ضعيف. وتعقبه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣١٢) حديث ١٠٦١، بقوله: ولا أدري من أين جاءه تضعيفه، وإنما هو مجهول الحال. وتعقبهم الحافظ ابن حجر في التهذيب (٢/ ٢٢٣) بقوله: وليس كما قالوا، ثقة كما قال العجلي، وغيره. وقال في التقريب (ص/٢٢٧): ثقة. وأما مروان بن محمد الذي ضعفه ابن حزم، فقد نقل ابن حجر في التهذيب (١٠/ ٩٥ - ٩٦) توثيقه عن أبي حاتم، وابن معين، والدارقطني، ثم قال: وضعفه أبو محمد بن حزم، فأخطأ، لأنا لا نعلم له سلفًا في تضعيفه إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مقنع. وقال الذهبي في الكاشف (٢/ ٢٥٤): ثقة إمام. والحديث ذكره النووي في الخلاصة (١/ ٢٢٨) وقال: رواه أبو داود بإسناد جيد.
(٢) المحلى (٢/ ١٨٠ - ١٨١).
(٣) رواه البخاري في الحيض، باب ٥، حديث ٣٠٠، ورواه مسلم في الحيض حديث ٢٩٣ بنحوه.
(٤) رواه غير واحد من الصحابة منهم: خالد بن الوليد ﵁. أخرجه البخاري في الأطعمة، باب ١٠، ١٤، حديث ٥٣٩١، ٥٤٠٠، وفي الذبائح والصيد، باب ٣٣، حديث ٥٥٣٧، ومسلم في الصيد والذبائح ١٩٤٥، ١٩٤٦. ومنهم ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب ٣٣، حديث ٥٥٣٦، ومسلم في الصيد والذبائح حديث ١٩٤٣، ١٩٤٤.
[ ١ / ٤٧٤ ]
بغير الفرج لحديث عكرمة عن بعض أزواج النَّبيِّ - ﷺ - "أنه كانَ إذا أرادَ مِنَ الحائِض شيئًا ألقَى عَلى فرجها ثوْبًا" رواه أبو داود (^١).
وقال ابن حامد: يجب.
(ووطؤها) أي: الحائض (في الفرج ليس بكبيرةَ) لعدم انطباق تعريفها عليه، ويأتي في الشهادات: أنه عَدَّه من الكبائر.
(فإن وطئها) أي: الحائض (من يجامع مثله) وهو ابن عشر، فأكثر (ولو غير بالغ) لعموم الخبر (في الحيض، والدم يجري) أي: يسيل. سواء كان الوطء (في أوله) أي: الحيض (أو) في (آخره) لأنه معنى تجب فيه الكفارة، فاستوى الحال فيه بين إقباله، وإدباره، وصفاته.
(ولو) كان الوطء (بحائل) لفه على ذكره، أو كيس أدخله فيه.
(أو وطئها وهي طاهرة فحاضت في أثناء وطئه، ولو لم يستدم) الوطء بل نزع في الحال (لأن النزع جماع، فعليه دينار، زنته مثقال خاليًا من الغش، ولو غير مضروب) خلافًا للشيخ تقي الدين (^٢).
(أو نصفه على التخيير كفارة) (^٣) لما روى ابن عباس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "عَنِ الذي يأتي امرأتَهُ وهي حائضٌ، قال: يتصدَّق بدينارٍ أو نصْفِهِ" رواه
_________________
(١) في الطهارة، باب ١٠٧، حديث ٢٧٢، ورواه -أيضًا- ابن حزم (٢/ ١٨٢)، والبيهقي (١/ ٣١٤) وزاد: "ثم صنع ما أراد"، وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٤): إسناده قوي، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٣٤٤): ورجال إسناده ثقات محتج بهم في الصحيح.
(٢) الاختيارات الفقهية ص/ ٤٤.
(٣) وعنه: لا كفارة. قال القاضي وابن عقيل: بناء على الصوم والإحرام هـ ح م ص. "ش".
[ ١ / ٤٧٥ ]
أحمد، والترمذي، وأبو داود (^١). وقال: هكذا الرواية الصحيحة.
_________________
(١) أحمد (١/ ٢٣٠، ٢٣٧، ٢٧٢، ٢٨٦، ٣١٢، ٣٢٥، ٣٣٩)، والترمذي في الطهارة، باب ١٠٣، حديث ١٣٦، وأبو داود في الطهارة، باب ١٠٦، حديث ٢٦٤، وفي النكاح، باب ٤٨، حديث ٢١٦٨. ورواه -أيضًا- النسائي في الطهارة، باب ١٨٢، حديث ٢٨٨، وفي الحيض، باب ٩، حديث ٣٦٨، وفي الكبرى (٥/ ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٤٩)، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٢٣، ١٢٩، حديث ٦٤٠، ٦٥٠، والدارمي في الطهارة، باب ١١١، حديث ١١١٠، ١١١٤، وابن الجارود حديث ١٠٨، ١٠٩، ١١١، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٨١، ٢٨٢، ٤٠١، ٤٠٢) حديث ١٢٠٦٥، ١٢٠٦٦، ١٢١٢٩، ١٢١٣٣، والدارقطني (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، والحاكم (١/ ١٧١ - ١٧٢)، والبيهقي (١/ ٣١٤، ٣١٥)، والخطيب في تاريخه (٥/ ٣٥) من طرق عن مقسم عن ابن عباس ﵄. وفي رواية الترمذي حديث ١٣٧، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٤٨)، وعبد الرزاق (١/ ٣٢٩) حديث ١٢٦٤، وأحمد (١/ ٣٦٧)، والدارمي حديث ١١١٦، وأبو يعلى (٤/ ٣٢٠) حديث ٢٤٣٢، والدارقطني (٣/ ٢٨٧): "إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار" لفظ الترمذى. ورواه أبو داود -أيضًا- (٢٦٥)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٤٧، ٣٤٨)، وعبد الرزاق (١/ ٣٢٨) حديث ١٢٦١، والدارمي حديث ١١١١، ١١١٢، وابن الجارود (١١٠)، والبيهقي (١/ ٣١٤ - ٣١٥) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا. ورواه عبد الرزاق (١/ ٣٢٨) حديث ١٢٦٣، عن مقسم مرسلًا. ولذا اختلف النقاد في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، فصححه الحاكم، وقال: قد أرسل هذا الحديث، وأوقف -أيضًا- ونحن على أصلنا الذي أصلناه أن القول قول الذي يسند ويصل، إذا كان ثقة. وقد أمعن ابن القطان في تصحيحه، والجواب عن طرق الطعن فيه، في بيان الوهم =
[ ١ / ٤٧٦ ]
لا يقال: كيف يخير بين الشيء ونصفه؟؛ لأنه كتخيير المسافر بين الإتمام والقصر.
وأخذ صاحب "الفروع" من كلام ابن عقيل: أن من كرر الوطء في حيضة، أو حيضتين: أنه في تكرار الكفارة كالصوم.
(مصرفها) أي: هذه الكفارة (مصرف بقية الكفارات) أي: إلى من له أخذ زكاة لحاجته.
(وتجوز إلى مسكين واحد، كنذر مطلق) أي: كما لو نذر أن يتصدق بشيء، ولم يقيد بمن يتصدق عليه.
(وتسقط) كفارة الوطء في الحيض (بعجز) قال ابن حامد: كفارة وطء الحائض تسقط بالعجز عنها، أو عن بعضها، ككفارة الوطء في رمضان.
(وكذا هي) أي: الحائض (إن طاوعته) على وطئها في الحيض، فتجب عليها الكفارة، ككفارة الوطء في الإحرام، فإن كانت مكرهة، فلا شيء عليها، لعدم تكليفها (^١).
والكفارة واجبة بوطء الحائض (حتى) ولو كان الوطء (من ناس، ومكره، وجاهل الحيض، أو التحريم، أو هما) أي: جاهل الحيض، والتحريم، لعموم الخبر، وقياسًا على الوطء في الإحرام.
(ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم، وقبل الغسل) لمفهوم قوله في الخبر: "وهي حائض" وهذه ليست بحائض.
_________________
(١) = والإيهام (٥/ ٢٧٧)، وأقره ابن دقيق العيد على تصحيحه في الإمام (٣/ ٢٦٣). وقال النووي في الخلاصة (١/ ٢٣٢): واتفق الحفاظ على ضعف حديث ابن عباس هذا واضطرابه، وتلونه، وقريب منه في المجموع (٢/ ٣٤٣). وصوب الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٦٦) قول ابن القطان، وابن دقيق العيد.
(٢) وكذا لو كانت جاهلة، أو ناسية، كما يأتي في كفارة صوم رمضان. "ش"
[ ١ / ٤٧٧ ]
(ولا) تجب الكفارة أيضًا (بوطئها) أي: الحائض (في الدبر) لأنه ليس منصوصًا عليه، ولا في معنى المنصوص.
(ولا يجزئ إخراج القيمة) عن الدينار، أو نصفه، كسائر الكفارات (إلا) إذا أخرج القيمة (من الفضة) كإجزاء أحدهما عن الآخر في الزكاة، لأن المقصود منهما واحد.
(وبدن الحائض، وعرقها، وسؤرها طاهر، و) لذا (لا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك، ولا وضع يديها في شيء من المائعات) ذكر ذلك ابن جريج (^١)، وغيره إجماعًا، سأله حرب: تدخل يدها في طعام، وشراب، وخل، وتعجن، وغير ذلك، قال: نعم، ولعل المراد ما لا يفسد من المائعات بملاقاته بدنها، وإلا توجه المنع فيها، وفي المرأة الجنب.
(وأقل سن تحيض له المرأة تمام تسع سنين) هلالية، فمتى رأت دمًا قبل بلوغ ذلك السن، لم يكن حيضًا، لأنه لم يثبت في الوجود والعادة لأنثى حيض قبل استكمالها، ولا فرق فيه بين البلاد الحارة، كتهامة، والباردة كالصين.
وإن رأت من الدم ما يصلح أن يكون حيضًا -وقد بلغت هذا السن-، حكم بكونه حيضًا، وثبتت في حقها أحكام الحيض كلها. قال الترمذي: قالت عائشة: "إذا بلغتْ الجاريةُ تسعَ سنينَ فهي امرأةٌ" (^٢).
وروي مرفوعًا من رواية ابن عمر (^٣)، أي: حكمها حكم المرأة. قال
_________________
(١) في"ح" و"ذ": "ابن جرير"، وهو الأقرب. انظر المبدع (١/ ٢٦٧).
(٢) الترمذي في النكاح، باب ١٨، (٣/ ٤١٨)، والبيهقي: (١/ ٣٢٠) تعليقًا، بدون إسناد، ولم نجد من وصله.
(٣) رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان": (٢/ ٢٧٣)، وذكره الديلمي في فردوس الأخبار (١/ ٣٨٥) حديث ١٢٥٧، ورواه ابن عساكر (٣٧/ ١٧٤)، وذكره السيوطي في =
[ ١ / ٤٧٨ ]
الشافعي (^١): رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة. وذكر ابن عقيل: أن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.
(وأكثره) أي: أكثر سن تحيض فيه المرأة (خمسون سنة) لقول عائشة: "إذا بلغت المرأةُ خمسينَ سنةً خرجتْ من حدِّ الحيضِ" ذكره أحمد (^٢). وقالت أيضًا: "لن ترَى في بطنِها ولدًا بعدَ الخمسينَ" رواه أبو إسحاق الشالنجي (^٣).
ولا فرق بين نساء العرب وغيرهن، لاستوائهنَّ في جميع الأحكام.
(والحامل لا تحيض) لحديث أبي سعيد أن النَّبيَّ - ﷺ - قال في سبي أوطاس: "لا توطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا غير ذاتِ حملٍ حتى تحيض" رواه أحمد وأبو داود (^٤) من رواية شريك القاضي. فجعل الحيض علمًا على براءة الرحم. فدل على أنه لا يجتمع معه.
_________________
(١) = الفتح الكبير (١/ ٦٥)، وعزاه الى الخطيب، والديلمي، وابن عساكر. وسنده ضعيف، فيه عبد الملك بن مهران، قال العقيلي: صاحب مناكير، وقال ابن عدي: مجهول. انظر الضعفاء للعقيلي (٣/ ٣٤)، والكامل لابن عدي (٥/ ١٩٤٥). ولم نقف عليه في المطبوع من تاريخ بغداد.
(٢) ينظر السنن الكبرى للبيهقى (١/ ٣١٩)، والمجموع للنووي (٢/ ٣٥٢).
(٣) هكذا أطلقه جماعة من علماء الحنابلة ولم يبينوا في أي كتاب ذكره الإمام أحمد من كتبه.
(٤) ترجمته في الطبقات (١/ ١٠٤)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٧٣ - ٧٤).
(٥) أحمد: (٣/ ٢٨، ٦٢، ٨٧)، وأبو داود في النكاح، باب ٤٥، حديث ٢١٥٧، ورواه -أيضًا- الدارمي في الطلاق، باب ١٧، حديث ٢٣٠٠، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٨/ ٥٣) حديث ٣٠٤٨، ٣٠٤٩، والدارقطني (٤/ ١١٢)، والحاكم: (٢/ ١٩٥)، والبيهقي: (٧/ ٤٤٩)، وفي معرفة السنن والآثار (١١/ ٢٤٠، ١٣/ ٣١١)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وسكت عنه الذهبي. وحسنه ابن عبد البر فى التمهيد (٣/ ١٤٣)، وابن حجر في =
[ ١ / ٤٧٩ ]
وقال - ﷺ - في حق ابن عمر -لما طلق زوجته وهي حائض-: "ليطلقهَا طاهرًا، أو حاملًا" (^١) فجعل الحمل علمًا على عدم الحيض كالطهر. احتج به أحمد.
(فلا تترك) الحامل (الصلاة لما تراه) من الدم، لأنه دم فساد، لا حيض. وكذا الصوم، والاعتكاف، والطواف، ونحوها. ولو عبر بالعبادة كغيره، لكان أعم.
(ولا يمنع) زوجها، أو سيدها (وطأها) لأنها ليست حائضًا (إن خاف العنت) منه أو منها وإلا منع منه، كالمستحاضة، ولم يذكر هذا القيد صاحب "الفروع" و"الإنصاف" و"المبدع" والمنتهى" وشرحه، ولا غيرهم ممن وقفت على كلامه، إلا أن تراه قبل الولادة بيومين، أو ثلاثة فهو نفاس. ويأتي.
(وتغتسل) الحامل إذا رأت دمًا زمن حملها (عند انقطاعه استحبابًا، نصًا) احتياطًا وخروجًا من الخلاف. والمراد ما ذكره صاحب "الفروع": أن الإمام نص على أنها تغتسل، وحمله القاضي على الاستحباب، وكان الأولى: أن يقدم "نصًا" على قوله "استحبابًا".
(وأقل الحيض: يوم وليلة) لقول علي (^٢)، ولأن الشرع علق على الحيض
_________________
(١) = التلخيص الحبير (١/ ١٧٢)، وأعله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٢٢) بشريك بن عبد الله فقال: وشريك مختلف فيه، وهو مدلس. وللحديث شاهد مرسل رواه عبد الرزاق (٧/ ٢٢٧) حديث ١٢٩٠٤، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٩) عن الشعبي، بإسناد صحيح ..
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٦٩ تعليق رقم ١.
(٣) لم نجد من خرجه، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٧٢): حديث علي أقل الحيض يوم وليلة، كأنه يشير إلى ما ذكره البخاري [الحيض، باب ٢٤] تعليقًا عن علي وشريح، أنهما جوزا ثلاث حيض في شهر. ويأتي الكلام على أثر علي وشريح ص / ٤٨١ تعليق رقم ٤، وص/٤٨٣ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٨٠ ]
أحكامًا، ولم يبينه، فعلم أنه رده إلى العرف، كالقبض، والحرز. وقد وجد حيض معتاد يومًا، ولم يوجد أقل منه. قال عطاء: "رأيت من تحيض يومًا" رواه الدارقطني (^١). وقال الشافعي (^٢): رأيت امرأة قالت: إنها لم تزل تحيض يومًا لا تزيده، وقال أبو عبد الله الزبيري (^٣): كان في نسائنا من تحيض يومًا، أي: بليلته، لأنه المفهوم من إطلاق اليوم. والمراد. مقدار يوم وليلة، أي: أربع وعشرون ساعة.
(فلو انقطع) الدم (لأقل منه) أي: من اليوم بليلته (فليس بحيض بل) هو (دم فساد) لما تقدم.
(وأكثره) أي: الحيض (خمسة عشر يومًا) بلياليهن. لقول علي: "ما زاد على الخمسة عشر استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة" (^٤).
وقال عطاء: "رأيت من تحيض خمسة عشر يومًا".
ويؤيده ما رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في "سننه" (^٥) عن ابن عمر مرفوعًا "النساءُ ناقصاتُ عقل ودينٍ. قيل وما نقصانُ دينهنَّ؟ قال: تمكثُ إحداهنَّ شطرَ عمرِهَا لا تُصلِّي" قال البيهقي (^٦): لم أجده في شيء من كتب
_________________
(١) (١/ ٢٠٨)، ولفظه: أدنى وقت الحيض يوم. ورواه -أيضًا- الدارمي في الطهارة، باب ٨٨، حديث ٨٥٠، والبيهقي (١/ ٣٢٠، ٧/ ٤١٩)، وروى البخاري فى الحيض، باب ٢٤ تعليقًا قال: "وقال عطاء: الحيض يوم إلى خمس عشرة". وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٢٥): وصله الدارمي. . . بإسناد صحيح.
(٢) الأم (١/ ٦٤).
(٣) الوسيط للغزالي (١/ ٤١١).
(٤) لم نجد من خرجه، وقد تقدم الكلام على قوله: "أقل الحيض يوم وليلة" ص/٤٨٠ تعليق رقم ٢، وانظر ص/٤٨٣ تعليق رقم ١.
(٥) انظر التعليق التالي.
(٦) معرفة السنن والآثار (٢/ ١٤٥) ولفظه: وأما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية من قعودها شطر عمرها، وشطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيرًا، فلم أجد في =
[ ١ / ٤٨١ ]
الحديث وقال ابن مندة: لا يثبت هذا بوجه من الوجوه عن النَّبيِّ - ﷺ -. ولهذا قال في "المبدع": وذكر ابن المنجا أنه رواه البخاري، وهو خطأ (^١).
(وغالبه) أي: الحيض (ست، أو سبع) لقوله - ﷺ - -لحمنة بنت جحش لما سألته: "تحيضي في علمِ اللهِ ستة أيام، أو سبعةَ، ثم اغتسلي وصلي أربعًا وعشرين ليلةً وأيامها، أو ثلاثًا وعشرِينَ ليلة، فإن ذلكَ يُجْزِئكِ، وكذلك فافعلي في كلِّ شهرٍ كما تحيضُ النساءُ، ويَطْهُرْنَ لميقات حيضهنَّ وطهرهن" رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي (^٢) وصححاه، وحسنه البخاري.
(وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا) لما روى أحمد -واحتج به- عن علي "أن امرأةً جاءتهُ وقد طلقها زوجها -فزعمتْ أنها حاضَتْ في شهرٍ ثلاثَ حِيضٍ- فقال عليٌّ لشريحٍ: قل فيها، فقال شريحٌ: إن جاءتْ ببينةٍ من بطانة أهلها ممن يرجى دينه، وأمانتهُ فشهدت بذلكَ، وإلا فهي كاذبة. فقال
_________________
(١) = شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادًا بحال، والله أعلم. اهـ. وقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٦٣): "هذا لفظ لا أعرفه". وقال النووي في الخلاصة (١/ ٢٢٧)، والمجموع (٢/ ٣٧٧): باطل لا أصل له. وقال ابن كثير في إرشاد الفقه (١/ ٧٧): لا أصل له في كتب الحديث، ولا غيرها، قاله غير واحد من الحفاظ. وقال في تحفة الطالب (٣٦١): لم أره في شيء من الكتب الستة ولا غيرها. وقال ابن رجب في فتح الباري (٢/ ١٥١): لا يصح، وقد طعن فيه ابن مندة، والبيهقي وغيرهما من الأئمة، وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٧٧): لا أصل له قاله ابن مندة، والبيهقي، وابن الجوزي، وغيرهم. اهـ. انظر التلخيص الحبير (١/ ١٦٢) وموافقة الخبر الخبر (٢/ ٢١٣).
(٢) الذي في "البخاري مع الفتح": (١/ ٤٠٥): أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها.
(٣) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٩ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٨٢ ]
علي: قالون" (^١) أي: جيد بالرومية. وهذا لا يقوله إلا توقيفًا، وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقينًا، قال أحمد: لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة.
(وغالبه) أي: الطهر بين الحيضتين (بقية الشهر الهلالي) فإذا كان الحيض ستًا، أو سبعًا، فالغالب أن يكون الطهر أربعًا وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين، لما تقدم في حديث حمنة (^٢). قال في "الرعاية": وغالب الطهر ثلاثة أو أو أربعة وعشرون يومًا، وقيل بقية الشهر.
(ولا حد لأكثره) أي: أكثر الطهر بين الحيضتين لأن المرأة قد لا تحيض أصلًا، وقد تحيض في السنة مرة واحدة، حكى أبو الطيب الشافعي (^٣): أن امرأة في زمنه كانت تحيض في كل سنة يومًا وليلة.
وأقل الطهر زمن الحيض، خلوص النقاء، بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها.
ولا يكره وطؤها زمنه.
_________________
(١) لم نجده في مسند الإمام أحمد، وذكره البخاري في الحيض، باب ٢٤ بصيغة التمريض، ووصله ابن أبي شيبة (٥/ ٢٨٢)، والدارمي في كتاب الطهارة، باب ٩١، حديث ٨٦٠، والبيهقي (٧/ ٤١٨)، وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٢٥): ورجاله ثقات وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي ﵁، ولم يقل: إنه سمعه من شريح، فيكون موصولًا. اهـ.
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٩ تعليق رقم ١.
(٣) المجموع (٢/ ٣٥٥).
[ ١ / ٤٨٣ ]