من الوضاءة، وهي النظافة، وهو بالضم اسم للفعل، وبالفتح اسم للماء الذي يتوضأ به. وقيل: بالفتح فيهما، وقيل بالضم فيهما، وهو أضعفهما.
(وهو شرعًا استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة) وهي الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان (على صفة مخصوصة) في الشرع، بأن يأتي بها مرتبة متوالية مع باقي الفروض، والشروط، وما يجب اعتباره.
وسمي وضوءًا لتنظيفه المتوضئ وتحسينه.
والحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها أنها أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة؛ فأمر بغسلها ظاهرًا، تنبيهًا على طهارتها الباطنة. ورتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة. فأمر بغسل الوجه وفيه الفم والأنف، فابتدئ بالمضمضة؛ لأن اللسان أكثر الأعضاء وأشدها حركة. إذ غيره ربما سلم، وهو كثير العطب قليل السلامة غالبًا، ثم بالأنف ليتوب عما يشم به؛ ثم بالوجه ليتوب عما نظر، ثم باليدين لتتوب عن البطش، ثم خص الرأس بالمسح لأنه مجاور لما تقع منه المخالفة، ثم بالأذن لأجل السماع، ثم بالرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشهادتين.
(وفروضه) أي: الوضوء جمع فرض، وهو لغة: الحز والقطع، وشرعًا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه (ستة):
(غسل الوجه) لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^١).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
(و) غسل (اليدين إلى المرفقين).
(ومسح الرأس).
(وغسل الرجلين إلى الكعبين) لبقية الآية المذكورة. وهو واضح على النصب. وأما الجر، فقيل: بالجوار، والواو تأباه. وقال أبو زيد (^١): المسح عند العرب غسل ومسح، فغاية الأمر أنها تصير بمنزلة المجمل، وصحاح الأحاديث تبلغ التواتر في وجوب غسلها.
وقيل: لما كانت الأرجل في مظنة الإسراف في الماء وهو منهي عنه مذموم، عطفها على الممسوح؛ لا لتمسح، بل للتنبيه على الاقتصار على مقدار المطلوب. ثم قيل: إلى الكعبين، دفعًا لظن ظان أنها ممسوحة؛ لأن المسح لم يضرب له غاية في الشرع.
وروى سعيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بسند حسن قال: "أجمع أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - على غسْلِ القدمَيْن" (^٢).
وقالت عائشة: "لأنْ تقطعا أحبُّ إليَّ أن أمسحَ القدمين" (^٣).
وهذا في حق غير لابس الخف، وأما لابسه فغسلهما ليس فرضًا متعينًا في حقه.
(والترتيب) بين الأعضاء المذكورة كما ذكر الله، لأنه تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا يعلم لهذا فائدة غير الترتيب. والآية سيقت
_________________
(١) انظر: تاج العروس (٧/ ١١٩)، تفسير الطبري (٦/ ٩٢).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، وقد نسبه إليه وحده الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٢٦٦)، والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة: (١/ ١٨٥)، وذكره أبو عبيد في الطهور ص/ ٣٩١، بلفظ: لأن أحزهما بالسكاكين أحب إليَّ من أن أمسح عليهما.
[ ١ / ١٨٨ ]
لبيان الواجب. والنبي - ﷺ - رتب الوضوء، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبلُ اللهُ الصلاةَ إلا به" (^١).
ولأنه عبادة تبطل بالحدث، فكان الترتيب معتبرًا فيه كالصلاة يجب فيها الركوع قبل السجود، ولو كان التنكيس جائزًا لفعله ولو مرة، لتبيين الجواز فإن توضأ منكوسًا لم يصح، ويأتي في كلامه.
وما روي عن علي أنه قال: ما أبالي إذا تممت وضوئي بأي أعضائي بدأت (^٢). قال أحمد (^٣): إنما عنى به اليسرى قبل اليمنى لأن مخرجهما في الكتاب واحد. وروى أحمد بإسناده أن عليًا سئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئًا قبل شيء، فقال: لا حتى يكون كما أمر الله تعالى (^٤).
_________________
(١) رواه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص/ ٩٥ حديث ٢٣، عن طلحة بن يحيى عن أنس بن مالك - ﵁ -. وطلحة لم يلق أحدًا من الصحابة. انظر تهذيب الكمال (١٣/ ٤٤٥)، والحديث خرجه الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٨٣) وعزاه إلى ابن السكن في صحيحه.
(٢) رواه أبو عبيد في الطهور ص/ ٣٥٣، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩)، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٢٠٥)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٢٢)، والدارقطني (١/ ٨٨). قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٨٨): وفيه انقطاع. وفي رواية لأبي عبيد، وابن أبي شيبة، والدارقطني، والبيهقي (١/ ٨٧) قال علي: ما أبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين إذا توضأت. قال البيهقي: منقطع.
(٣) مسائل عبد الله (١/ ٩٩)، ومسائل أبي داود ص/ ١١.
(٤) لم نقف على أثر علي هذا. وقد ذكر صاحب المغني (١/ ١٩٠) بعد كلام أحمد السابق: "ثم قال أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه أن عليًا فذكره. ." وقابوس فيه لين كما في التقريب ص/ ٧٨٦. وأبوه حصين بن جندب مختلف في سماعه من علي. انظر تهذيب الكمال (٦/ ٥١٦)، والمراسيل لابن أبي حاتم ص/ ٥١.
[ ١ / ١٨٩ ]
وما روي عن ابن مسعود، أنه قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء (^١)، قال في "شرح المنتهى" (^٢): لا يعرف له أصل.
(والموالاة) لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٣) لأن الأول شرط، والثاني جواب، وإذا وجد الشرط، وهو القيام، وجب أن لا يتأخر عنه جوابه وهو غسل الأعضاء.
يؤيده ما روى خالد بن معدان أن النبي - ﷺ - "رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء" رواه أحمد وأبو داود (^٤) وزاد: "والصلاة"، وهذا صحيح، وفيه بقية، وهو ثقة روى له مسلم.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٨٨)، والدارقطني (١/ ٨٩). وقال: هذا مرسل، ولا يثبت. وذكره البيهقي (١/ ٨٧) معلقًا وقال بعد نقله كلام الدارقطني: وهذا لأن مجاهدا لم يدرك عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٢) (١/ ٤٦) وانظر معونة أولي النهى (١/ ٢٧٣).
(٣) المائدة الآية/ ٦.
(٤) الإمام أحمد: (٣/ ٤٢٤)، وأبو داود في الطهارة، باب ٦٧، حديث ١٧٥، ومن طريقه البيهقي (١/ ٨٣) عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، وقال البيهقي: مرسل. وقال النووي في الخلاصة (١/ ١١٤): رواه أبو داود من رواية بقية، وفي الاحتجاج به خلاف. وقال في المجموع (١/ ٤٥٥): ضعيف الإسناد. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٩٦): قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم .. وأعله المنذري بأن فيه بقية، وقال: عن بحير، وهو مدلس. لكن في المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث، وفيه عن بعض أزواج النبي - ﷺ -. وأجمل النووي القول في هذا فقال في شرح المهذب: هو حديث ضعيف الإسناد، وفي هذا الإطلاق نظر لهذه الطرق. اهـ. وللحديث شاهد من حديث عمر - ﵁ - رواه مسلم في الطهارة حديث ٢٤٣، =
[ ١ / ١٩٠ ]
ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة فقط.
ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه توضأ إلا متواليًا، وإنما لم يشترط في الغسل، لأن المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد.
(وسبب وجوبه) أي: الوضوء (الحدث) فيجب بالحدث، ذكره ابن عقيل، وغيره. وفي الانتصار: بإرادة الصلاة بعده. وقال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة قبل إرادة الصلاة بل تستحب، قال في "الفروع": ويتوجه قياس المذهب. بدخول الوقت لوجوب الصلاة إذن، ووجوب الشرط بوجوب المشروط، ويتوجه مثله في غسل. قال شيخنا: وهو لفظي اهـ.
وحديث: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ" (^١) مخصوص بحديث: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (^٢).
(ويحل) الحدث الأصغر (جميع البدن كجنابة) ذكره القاضي، وأبو الخطاب، وأبو الوفاء، وأبو يعلى الصغير. ويؤيده أن المحدث لا يحل له مس المصحف بعضو غسله في الوضوء حتى يتم وضوءه. قال في "الفروع": ويتوجه وجه، أعضاء الوضوء.
_________________
(١) = ومن حديث أنس - ﵁ - رواه أبو داود في الطهارة باب ٦٧، حديث ١٧٣، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٣٩، حديث ٦٦٥، وأحمد (٣/ ١٤٦)، وأبو يعلى (٥/ ٣٢٢) رقم ٢٩٤٤، وأبو عوانة (١/ ٢٥٣)، وابن خزيمة (١/ ٨٤) رقم ١٦٤، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٧١) رقم ٦٥٢١، وابن عدي (٢/ ٥٥٠)، والدارقطني (١/ ١٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٠)، والبيهقي (١/ ٨٣).
(٢) رواه مسلم في الطهارة، حديث ٢٢٥، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: "لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
(٣) رواه مسلم في الطهارة، حديث ٢٢٤، عن ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ١٩١ ]
(وطهارة الحدث فرضت قبل التيمم) ذكر ابن عبد البر (^١): أنه معلوم عند جميع أهل السير، أنه - ﵇ - افترض عليه بمكة الصلاة، والغسل من الجنابة، قال: ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفرض قبل الوضوء، وأنه لم يصل قط بمكة صلاة إلا بوضوء، قال: وهذا مما لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند انتهى.
وعن زيد بن حارثة، عن النبي - ﷺ - أن جبريل أتاهُ في أولِّ ما أوحي إليه فعلّمه الوضوءَ، والصلاةَ. خرجه الإمام أحمد (^٢)، وتكلم فيه أبو حاتم الرازي وغيره لأجل ابن لهيعة، وقد تابعه عليه رشيد (^٣) بن سعد فرواه (^٤).
قال الشيخ برهان الدين المحدث الحلبي: أعلم أن الوضوء أول ما فرض مع الصلاة (^٥). اهـ. وكذلك في "المبدع". وكان فرضه مع فرض الصلاة كما
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ١٥٥).
(٢) (٤/ ١٦١)، ورواه - أيضًا - عبد بن حميد (١/ ٢٥٧) رقم ٢٨٣، والدارقطني (١/ ١١١)، والبيهقي (١/ ١٦١)، ورواه ابن ماجه في الطهارة، باب ٥٨، حديث ٤٦٢، مختصرًا بلفظ: "علمني جبرائيل الوضوء"، قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٩): هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث كذب باطل. انظر العلل (١/ ٤٦).
(٣) صوابه: رشدين بن سعد، كما في "المسند": (٥/ ٢٠٣)، وكتب الرجال.
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ١١١) من طريق رشدين عن عقيل وقرة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن أسامة بن زيد - ﵁ -، بنحوه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٢) وقال: رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، وثقه هيثم بن خارجة، وأحمد بن حنبل في رواية، وضعفه آخرون. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٩): ورشدين بن سعد ضعيف أيضًا.
(٥) انظر فتح الباري (١/ ٢٣٢).
[ ١ / ١٩٢ ]
رواه ابن ماجه (^١). فآية المائدة مقررة لا مؤسسة.
(والنية شرط لطهارة الحدث) وضوءًا كانت أو غسلًا، (ولتيمم) ولو مسنونًا، أو عن نجاسة ببدن، (و) لـ (ــغسل، وتجديد وضوء مستحبين، ولغسل يدي قائم من نوم ليل، ويأتي، ولغسل ميت)؛ لأن الإخلاص عمل القلب، فهو النية، مأمور به. ولخبر: "إنما الأعمال بالنيات" (^٢) أي: لا عمل جائز ولا فاضل. لأن النص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعًا. ولأن النية للتمييز (^٣). ولأنه عبادة ومن شرطها النية؛ لأن ما لم يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كصلاة وغيرها، وهذا معنى قول الفخر إسماعيل، وأبي البقاء، وغيرهما: العبادة ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. قيل لأبي البقاء: الإسلام والنية عبادتان ولا يفتقران إلى النية؟ فقال: الإسلام ليس بعبادة لصدوره من الكافر، وليس من أهلها (^٤)، سلمنا، لكن للضرورة؛ لأنه لا يصدر إلا من كافر. وأما النية فلقطع التسلسل، ونية الصلاة تضمنت السترة، واستقبال القبلة لوجودهما فيهما (^٥) حقيقة. ولهذا يحنث بالاستدامة، بخلاف الوضوء.
_________________
(١) انظر ص/ ١٩٢، تعليق رقم ٢.
(٢) متفق عليه من حديث عمر - ﵁ -. رواه البخاري في بدء الخلق، باب ١، حديث ١، ومسلم في الإمارة، حديث ١٩٠٧.
(٣) أي تمييز العبادات عن العادات، كالجلوس يكون تارة اعتكافًا وأخرى استراحة أو تمييز مراتب العبادات. (ش).
(٤) قوله: الإسلام ليس بعبادة خطأ ظاهر لأن الإسلام وهو أصل العبادة ولا تصح عبادة إلا به والله أعلم. من تقرير الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري - ﵀ - على هامش نسخة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري - رحمه الله تعالى - (١/ ٦٢).
(٥) في (ح): فيها.
[ ١ / ١٩٣ ]
(إلا طهارة) أي: غسل (ذمية) أي: كتابية ولو حربية (لحيض، ونفاس، وجنابة) فلا تعتبر فيه النية للعذر.
(و) إلا غسل (مسلمة) انقطع حيضها أو نفاسها (ممتنعة) من الغسل (فتغسل قهرًا) لحق زوج، أو سيد.
(ولا نية) معتبرة هنا (للعذر) كالممتنع من زكاة. (ولا تصلي به) ذكره في "النهاية". قال في "شرح المنتهى": وقياس ذلك منعها من الطواف، وقراءة القرآن، ونحو ذلك مما يشترط له الغسل؛ لأنه إنما أبيح وطؤها لحق زوجها فيه فلا تستبيح به العبادة المشترط لها الغسل، وإنما لم يصح أن يُنوى عنها لعدم تعذرها منها بخلاف الميتة.
(و) إلا غسل (مجنونة من حيض ونفاس، مسلمة كانت أو كتابية) حرة أو أمة فلا تعتبر النية منها لتعذرها. (و) لكن (ينويه عنها) من يغسلها كالميتة، وقال أبو المعالي: لا نية كالكافرة؛ لعدم تعذرها مآلًا بخلاف الميت، وأنها تعيده إذا أفاقت وأسلمت ا. هـ.
قلت: ومقتضاه أنها لا تعيده على الأول لقيام نية الغاسل مقام نيتها.
(ولا ثواب في غير منوي) قال في "الفروع": إجماعًا.
(ويشترط لوضوء أيضًا عقل).
(وتمييز) لتتأتى النية.
(وإسلام) كسائر العبادات.
(وإزالة ما يمنع وصول الماء) عن أعضاء الوضوء، ليصل الماء إلى البشرة.
(وانقطاع ناقض) سواء كان خارجًا، أو غيره، واستنجاء، أو استجمار (قبله، وتقدم) بدليله في باب الاستنجاء.
[ ١ / ١٩٤ ]
(وطهورية ماء) لما تقدم أنه لا يرفع الحدث غير الماء الطهور.
(وإباحته) أي: الماء لحديث "مَنْ عمِلَ عملًا ليسَ عليه أمْرُنَا فهو رَدٌّ" (^١) فلا يصح بمغصوب ونحوه، وتقدم.
(ودخول الوقت على من حدثه دائم لفرضه) أي: فرض ذلك الوقت؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم. وعلم منه أنه لو توضأ لفائتة أو طواف أو نافلة صح متى أراده.
فهذه عشرة شروط للوضوء يشاركه الغسل منها في ثمانية كما ذكره المصنف استطرادًا بقوله:
(ويشترط لغسل نية) كما تقدم وهذا مكرر معه (وإسلام سوى ما تقدم وعقل) سوى ما تقدم (وتمييز، وفراغ موجب غسل، وإزالة ما يمنع وصول الماء) عن البدن (وطهورية ماء وإباحته) لما تقدم.
(ولو سبل ماء للشرب لم يجز التطهير منه) في حدث ولا نجس ببدن أو غيره، فلا يرتفع الحدث منه (ويأتي في الوقف).
(ولا تشترط النية لطهارة الخبث) ببدن كانت، أو بثوب، أو بقعة، لأنها من قبيل التروك.
(ومحلها) أي: النية (القلب)؛ لأنها من عمله، (فلا يضر سبق لسانه، بخلاف قصده) كما لو أراد أن يقول: نويت الوضوء، فقال: نويت الصوم، ولو تلفظ بغير قصد (^٢) لم يعتبر.
(ولا) يضر (إبطالها) أي: النية بعد فراغه؛ لأنه قد تم صحيحًا، ولم يوجد ما يفسده مما عدّ مفسدًا.
_________________
(١) تقدم ص/ ٤٦ تعليق رقم ١.
(٢) في (ح): قصده.
[ ١ / ١٩٥ ]
(ولا) يضر (إبطال الطهارة بعد فراغه) منها لما تقدم.
(ولا) يضر (شكه فيها) أي: في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات. (أو) شكه (في الطهارة) أي: في غسل عضو، أو مسحه (بعده) أي: بعد الفراغ من الطهارة (نصًا)، كشكه في وجود الحدث مع تيقن الطهارة. (وإن شك في النية في أثنائها) أي: أثناء الطهارة (لزمه استئنافها)؛ لأن الأصل أنه لم يأت بها.
(وكذا إن شك في غسل عضو) في أثناء طهارته.
(أو) شك (في مسح رأسه في أثنائها) أي: الطهارة لزمه أن يأتي بما شك فيه ثم بما بعده؛ لأن الأصل أنه لم يأت به، كما لو شك في ركن في الصلاة، (إلا أن يكون وهمًا، كوسواس فلا يلتفت إليه)؛ لأنه من الشيطان.
ومتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنًا له أو سابقًا عليه قريبًا منه فقد وجدت النية.
(فإن أبطلها) أي: النية (في أثناء طهارته بطل ما مضى منها) أي: من الطهارة، كالصلاة والصوم، فإن أراد الإتمام استأنف.
(ولو فرقها) أي: النية (على أعضاء الوضوء) بأن نوى رفع الحدث عن كل عضو عند غسله، أو مسحه (صح) وضوؤه، لوجود النية المعتبرة.
(وإن توضأ وصلى صلاته) المفروضة عليه (ثم أحدث، ثم توضأ وصلى) صلاة (أخرى، ثم علم أنه ترك واجبًا) أي: فرضًا أو شرطًا - بخلاف التسمية - (في أحد الوضوءين لزمه إعادة الوضوء)؛ لاحتمال أن المتروك منه هو الوضوء الثاني. (و) لزمه إعادة (الصلاتين) احتياطًا؛ لتبرأ ذمته بيقين.
ولو كان الوضوء الثاني تجديدًا، لم يلزم إلا إعادة الصلاة الأولى؛ لأن الطهارة الأولى إن كانت صحيحة فصلاته صحيحة، لأنها باقية لم تبطل
[ ١ / ١٩٦ ]
بالتجديد، وإن كانت غير صحيحة فقد ارتفع الحديث بالتجديد.
(وإن جعل الماء في فيه ينوي ارتفاع الحدث الأصغر ثم ذكر أنه جنب) أو كان متذكرًا ابتداء لكن لم ينو سوى رفع الأصغر (فنوى ارتفاع الحدثين) والماء في فيه (ارتفعا)؛ لأن الماء طهور ما دام في محل التطهير حتى ينفصل.
(ولو لبث الماء في فيه حتى تغير من ريقه لم يمنع) رفع الحدث الأكبر، لأنه تغير في محل التطهير، فلا يسلبه الطهورية.
(وإن غسل بعض أعضائه بنية الوضوء، و) غسل (بعضها بنية التبرد، ثم أعاد) غسل (ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأ) هـ ذلك لوجود الغسل بالنية مع الموالاة، فإن طال الفصل بحيث تفوت الموالاة بطل لفواتها.
(والتلفظ بها) أي: بالنية (وبما نواه) من وضوء أو غسل أو تيمم (هنا) أي: في الوضوء، والغسل، والتيمم (وفي سائر العبادات بدعة)، قاله في "الفتاوى المصرية" (^١)، وقال: لم يفعله النبي - ﷺ - ولا أصحابه.
وفي "الهدي" (^٢): لم يكن رسول الله - ﷺ - يقول في أول الوضوه: نويت ارتفاع الحدث ولا استباحة الصلاة، لا هو ولا أحد من أصحابه، ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد بسند صحيح، ولا ضعيف.
(واستحبه) أي: التلفظ بالنية (سرًا مع القلب كثير من المتأخرين) ليوافق اللسان القلب. قال في "الإنصاف": والوجه الثاني: يستحب التلفظ بها سرًا، وهو المذهب، قدمه في "الفروع"، وجزم به ابن عبيدان، و"التلخيص" وابن تميم وابن رزين، قال الزركشي: هو أولى عند كثير من
_________________
(١) (١/ ١).
(٢) زاد المعاد (١/ ١٩٦).
[ ١ / ١٩٧ ]
المتأخرين ا. هـ. وكذا قال الشهاب الفتوحي، وهو المذهب.
(ومنصوص أحمد وجمع محققين خلافه) قال الشيخ تقي الدين وهو الصواب (إلا في الإحرام، ويأتي) في محله (وفي الفروع والتنقيح) وتبعهما في "المنتهى": (يسن النطق بها سرًا) لما تقدم (فجعلاه سنة، وهو سهو) عند من يفرق بين المسنون والمستحب، كما يعلم من كلامه في حاشية "التنقيح". والصحيح أنه لا فرق بينهما. ففي كلامه نظر واضح. وعلى فرض أن لا يكون هو الصحيح، فلا ينبغي نسبتهما إلى السهو مع جلالتهما وتحقيقهما للاختلاف فيه.
(ويكره الجهر بها) أي: بالنية (وتكرارها) قال الشيخ تقي الدين (^١): اتفق الأئمة على أنه لا يشرع الجهر بها وتكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه، وكذا بقية العبادات، وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه لاسيما إذا آذى به أو كرره، وقال: الجهر بلفظ النية منهي عنه عند الشافعي (^٢) وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء، وإن اعتقده دينًا خرج من إجماع المسلمين. ويجب نهيه ويعزل عن الإمامة إن لم ينته؛ فإن في "سنن أبي داود" (^٣): "أمر بعزل إمام
_________________
(١) الاختيارات الفقهية ص/ ٢١، ومجموع الفتاوى (٢٢/ ٢١٨ - ٢١٩). ومختصر الفتاوى المصرية ص/ ٩، ١٠.
(٢) انظر الأم (٢/ ١٥٥).
(٣) كتاب الصلاة، باب ٢٢، حديث ٤٨١، عن السائب بن خلاد - ﵁ - أن رجلًا أم قومًا، فبصق في القبلة، ورسول الله - ﷺ - ينظر، فقال رسول الله - ﷺ - حين فرغ: "لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: نعم، وحسب أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله. ورواه - أيضًا - أحمد (٤/ ٥٦)، وابن حبان (٤/ ٥١٥) رقم ١٦٣٦، وضعفه عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ٢٩٤)، وصححه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٦)، وجوّد إسناده الحافظ العراقي في طرح التثريب (٢/ ٣٨١). =
[ ١ / ١٩٨ ]
لأجل بصاقه في القبلة"، فإن الإمام عليه أن يصلي كما كان - ﷺ - يصلي.
(وهي) أي: النية (قصد رفع الحدث، أو) قصد (الطهارة لما لا يباح إلا بها)، بأن يقصد الوضوء للصلاة، أو الطواف، أو مس المصحف، ونحوه. (حتى ولو نوى مع) رفع (الحدث) إزالة (النجاسة، أو التبرد، أو التنظيف، أو التعليم) فإنه لا يؤثر في النية، كمن نوى مع الصوم هضم الطعام، أو مع الحج رؤية البلاد النائية ونحوه، لكنه ينقص الثواب على مقتضى ما يأتي في باب النية.
(لكن ينوي مَن حدثه دائم) كالمستحاضة، ومن به سلس بول، أو نحوه (الاستباحة) دون رفع الحديث. لمنافاة وجوده نية رفع (^١)، وسواء انتقضت طهارته بخروج الوقت، أو طروء حدث آخر.
(ويرتفع حدثه) على الصحيح، قدمه ابن تميم، وابن حمدان، قال المجد: هذه الطهارة ترفع الحدث الذي أوجبها. وقال أبو جعفر: طهارة المستحاضة لا ترفع الحدث قال في "الإنصاف": والنفس تميل إليه، وهو ظاهر "المغني" و"الشرح".
(ولا يحتاج) من حدثه دائم (إلى تعيين نية الفرض)؛ لأن طهارته ترفع الحدث، بخلاف التيمم.
_________________
(١) = وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، رواه بقي بن مخلد، كما في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٨٢)، وصححه ابن القطان، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٢٧٥) رقم ٤٣٩، وعزاه إلى الطبراني في الكبير وجوّد إسناده، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٠): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. ولم نقف عليه فيما طبع من المعجم الكبير.
(٢) في (ح) و(ذ): رفعه.
[ ١ / ١٩٩ ]
(فإن نوى) المتوضئ بوضوئه (ما تسن له الطهارة كـ) - أن نوى الوضوء لـ (ــقراءة، وذكر، وأذان، ونوم، ورفع شك) في حدث أصغر، (وغضب)؛ لأنه من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار كما في الخبر (^١). (وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج نصًا) كوقوف، ورمي جمار، (غير طواف)؛ فإن الطهارة تجب له كالصلاة. (وكجلوس بمسجد). وفي "المغني": (وأكل، وفي النهاية: وزيارة قبر النبي - ﷺ -) (^٢).
وقيل: ودخول مسجد. وقدمه في "الرعاية". وقيل: وحديث، وتدريس علم، وقدمه في "الرعاية" أيضًا (ويأتي في الغسل تتمته، أو نوى التجديد إن سن) ويأتي بيانه (ناسيًا حدثه) ارتفع؛ لأنه يشرع له فعل هذا وهو غير محدث. وقد نوى ذلك، فينبغي أن يحصل له، قاله: في "الشرح". وقال: لو قصد أن لا يزال على طهارة صحت طهارته، لأنها شرعة، وقوله: ناسيًا حدثه، أي: حال نيته للتجديد، هذا هو المتبادر من عبارة المصنف، وإن احتمل عوده للمسائل الثلاث، قاله (^٣) الشهاب الفتوحي. ومفهومه أنه لو كان عالمًا بحدثه لم يرتفع لتلاعبه، (أو) نوى استباحة (صلاة بعينها لا يستبيح
_________________
(١) روى البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٨)، وأبو داود في الأدب، باب ٤، حديث ٤٧٨٤، وأحمد (٤/ ٢٢٦)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٧٦) رقم ٤٤٣، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ١٦١) رقم ٣٥٨٣، وابن عساكر (٤٠/ ٤٦٤) عن عطية السعدي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" سكت عليه أبو داود، والمنذري، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ٣٧٧) مع الفيض، ورمز لحسنه.
(٢) لا دليل على ما ذكره المؤلف نقلًا عن صاحب النهاية.
(٣) في (ح): قال.
[ ١ / ٢٠٠ ]
غيرها ارتفع حدثه)، وله أن يصلي ما شاء، (ولغا تخصيصه)؛ لأن من لازم رفع الحدث استباحة جميع الصلوات من تلك الحيثية.
(ويسن التجديد إن صلى بينهما) لحديث أبي هريرة يرفعه: "لولا أن أشُقَّ على أمّتي لأمرتُهمْ بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاةٍ" رواه أحمد (^١) بإسناد صحيح.
(وإلا) أي: وإن لم يصل بينهما (فلا) يسن التجديد. فلو توضأ ولم يصل وأحدث فنسي حدثه ونوى التجديد وتوضأ لم يرتفع حدثه. لأنه لم ينو طهارة شرعية.
(ويسن) التجديد (لكل صلاة) أرادها، وظاهره: ولو نفلًا.
و(لا) يسن (تجديد تيمم، وغسل) لعدم وروده.
(وإن نوى غسلًا مسنونًا) كغسل الجمعة والعيد (أجزأ عن) الغسل (الواجب) لجنابة أو غيرها، إن كان ناسيًا للحدث الذي أوجبه. ذكره في "الوجيز": وهو مقتضى قولهم فيما سبق: أو نوى التجديد ناسيًا حدثه، خصوصًا وقد جعلوا تلك أصلًا لهذه فقاسوها عليها.
(وكذا عكسه)، فإذا نوى غسلًا واجبًا أجزأ عن المسنون بطريق الأولى.
(وإن نواهما) أي: الواجب والمسنون (حصلا) أي: حصل له ثوابهما. وعلم منه أن اللتين قبلهما ليس له فيهما إلا ثواب ما نواه، وإن أجزأ عن الآخر، لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى" (^٢) وليس المراد بالإجزاء (^٣) هنا سقوط
_________________
(١) (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩) ورواه - أيضًا - النسائي في الكبرى (٢/ ١٩٧) رقم ٣٠٣٩، والطيالسي ص/ ٣٠٦ رقم ٢٣٢٨، وأورد المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٢٢٢) رقم ٣١٣، وقال: رواه أحمد بإسناد حسن، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٥/ ٣٤٠) مع الفيض، ورمز لصحته.
(٢) تقدم ص/ ١٩٣ تعليق رقم ٢.
(٣) في (ح): معنى الإجزاء.
[ ١ / ٢٠١ ]
الطلب بدليل قوله: (والمستحب أن يغتسل للواجب غسلًا ثم للمسنون غسلًا آخر) لأنه أكمل.
(وإن نوى طهارة مطلقة) بأن نوى مطلق الطهارة لا لرفع حدث، أو صلاة، أو نحوها. لم يرتفع حدثه لعدم نيته له.
(أو) نوى (وضوءًا مطلقًا) لم يرتفع حدثه؛ لأن الوضوء من الوضاءة. - وهي النظافة -، تارة يكون عادة، وتارة عبادة. فلا بد من تمييزه بالنية. بخلاف ما لو نوى الوضوء للصلاة ونحوها.
(أو) نوى (الغسل وحده) أي: نوى الغسل وأطلق. لم يرتفع حدثه، لا الأصغر ولا الأكبر. قال أبو المعالي في "النهاية": لا خلاف أن الجنب إذا نوى الغسل وحده لم يجزئه؛ لأنه تارة يكون عبادة، وتارة يكون غير عبادة، فلا يرتفع حكم الجنابة انتهى.
وكذا إن نوى الغسل للجنابة لم يرتفع حدثه الأصغر إلا إن نواه. ويأتي في الغسل.
(أو) نوى الغسل (لمروره في المسجد لم يرتفع) حدثه، لأن المرور فيه لا تشرع له الطهارة. أشبه ما لو نوى بطهارته لبس ثوب ونحوه. ويحتمل أن المعنى إن نوى الجنب الغسل الواجب لمروره في المسجد لم يرتفع حدثه الأصغر، بخلاف ما لو قصد الغسل للصلاة.
(وإن اجتمعت أحداث متنوعة - ولو) كانت (متفرقة) - في أوقات (توجب وضوءًا) كالبول، والغائط، والريح، والنوم (أو) توجب (غسلًا) كالجماع، وخروج المني، والحيض (فنوى بطهارته أحدها ارتفع هو) أي: الذي نوى رفعه، (و) ارتفع (سائرها)؛ لأن الأحداث تتداخل. فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع جميعها؛ كما لو نوى رفع الحدث وأطلق.
[ ١ / ٢٠٢ ]
(وإن نوى أحدها) - أي: الأحداث - (ونوى أن لا يرتفع غيره لم يرتفع غيره)؛ لأنه قد تطهر بنية بقاء غيره من الأحداث؛ فلم يرتفع سوى ما نواه. وإلا لزم حصول عمل لم ينوه. (ولو كان عليه حدث نوم فغلط ونوى رفع حدث بول ارتفع حدثه) لتداخل الأحداث كما تقدم.
(ويجب الإتيان بها) أي: بالنية (عند أول واجب) في الوضوء، أو الغسل، أو التيمم، أو غيرها من العبادات؛ لأن النية شرط لصحة واجباتها، فيعتبر كونها كلها بعد النية. فلو فعل شيئًا من الواجبات قبل النية لم يعتد به.
(وهو) أي: أول واجب في الوضوء، والغسل، والتيمم (التسمية) لحديث "لا وضوءَ لمنْ لمْ يذكرْ اسمَ اللهِ عليه" (^١)؛ لأن من ذكرها في الأثناء إنما ذكرها
_________________
(١) رواه جماعة من الصحابة منهم: أ - سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - ﵁ -. أخرجه الترمذي في الطهارة، باب ٢٠، حديث ٢٥، ٢٦، وفي العلل الكبير (٣١) رقم ١٦، وابن ماجه في الطهارة، باب ٤١، حديث ٣٩٨، والطيالسي (٣٣) حديث ٢٤٢، ٢٤٣، وأبو عبيد في الطهور (١٤٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣)، وأحمد (٤/ ٧٠، ٥/ ٣٨١ - ٣٨٢، ٦/ ٣٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٦٧) رقم ٣٤٤، والعقيلي (١/ ٧٧) والطحاوي (١/ ٢٦)، والطبراني في الدعاء (٢/ ٩٦٩) رقم ٣٧٤ - ٣٧٧، والدارقطني (١/ ٧٣)، والبيهقي (١/ ٤٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٣٧) كلهم من طرق عن أبي ثِفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن بن حويطب، عن جدته، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - ﵁ -. ورواه أحمد (٦/ ٣٨٢) - أيضًا -، والطحاوي (١/ ٢٧)، والحاكم (٤/ ٦٠) من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن أبي ثِفال، عن رباح، عن جدته، مرفوعًا لم يذكروا سعيد بن زيد. ب - ومنهم أبو سعيد الخدري - ﵁ -، أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٣٣) رقم ١٨، وابن ماجه في الطهارة، باب ٤١، حديث ٣٩٧، وابن أبي شيبة (١/ ٢)، =
[ ١ / ٢٠٣ ]
على البعض لا على الكل.
(ويستحب) الإتيان بالنية (عند أول مسنوناتها) أي: الطهارة (إن وجد) ذلك المسنون (قبل واجب. كغسل اليدين لغير قائم من نوم الليل) إن وجد قبل التسمية في الوضوء، أو الغسل. لتشمل النية مفروض الطهارة ومسنونها. فيثاب على كل منها (^١).
_________________
(١) = وأحمد (٣/ ٤١)، وعبد بن حميد (٢/ ٧٦) رقم ٩٠٨، والدارمي في الطهارة، باب ٢٤، رقم ٦٩٧، وأبو يعلى (٢/ ٣٢٤) رقم ١٠٦٠، والطبراني في الدعاء (٢/ ٩٧٢) رقم ٣٨٠، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٥) رقم ٢٦، وابن عدي (٣/ ١٠٣٤)، والدارقطني (١/ ٧١)، والحاكم (١/ ١٤٧)، والبيهقي (٢/ ٤٣). ج - ومنهم أبو هريرة - ﵁ -. أخرجه أبو داود في الطهارة، باب ٤٨، رقم ١٠١، والترمذي في العلل الكبير (٣٢) رقم ١٧، وابن ماجه في الطهارة، باب ٤١، رقم ٣٩٩، وأحمد (٢/ ٤١٨)، وأبو يعلى (١١/ ٢٩٣) رقم ٦٤٠٩، والطبراني في الأوسط (٩/ ٣٦) رقم ٨٠٧٦، وفي الدعاء (٢/ ٩٧١) رقم ٣٧٩، والدارقطني (١/ ٧٩)، والحاكم (١/ ١٤٦)، والبيهقي (١/ ٤٣). د - ومنهم سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -. أخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب ٤١، حديث ٤٠٠، والطبراني في الكبير (٦/ ١٢١) رقم ٥٦٩، وفي الدعاء (٢/ ٩٧٣) رقم ٣٨٢، والحاكم (١/ ٢٦٩)، والبيهقي (٢/ ٣٧٩). وأسانيد هذه الأحاديث لا تخلو من مقال. لكن قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٧٥): والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي - ﷺ - قاله. اهـ. انظر كلام الأئمة على هذه الأحاديث في سنن الترمذي وعلله في المواضع المشار إليها سابقًا، وعلل ابن أبي حاتم (١/ ٥٢)، وعلل الدارقطني (٤/ ٤٣٣)، والضعفاء للعقيلي (١/ ١٧٧)، والأوسط لابن المنذر (١/ ٣٦٨)، والكامل لابن عدي (٣/ ١٠٣٤)، وبيان الوهم والإيهام (٣/ ٣١٣)، ونتائج الأفكار (١/ ٢٢٣)، والتلخيص الحبير (١/ ٢٧٢).
(٢) في (ح): منهما.
[ ١ / ٢٠٤ ]
(فإن غسلهما) أي: اليدين (بغير نية فكمنْ لم يغسلهما)؛ لحديث: "إنما الأعمالُ بالنياتِ" (^١). فتستحب إعادة غسلهما بعد النية.
(ويجوز تقديمها) أي: النية على الطهارة (بزمن يسير، كصلاة)، وزكاة.
(ولا يبطلها) أي: النية (عمل يسير) قبل الشروع في الطهارة ونحوها. فإن كثر بطلت، واحتاج إلى استئنافها.
(ويستحب استصحاب ذكرها) بقلبه؛ بأن يكون مستحضرًا لها في جميع الطهارة، لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنية.
والذكر - بضم الذال وكسرها - قاله ابن مالك في مثلثته (^٢)، وقال الكسائي: الذكر باللسان ضد الإنصات. وذاله مكسورة. وبالقلب ضد النسيان. وذاله مضمومة. وقال غيره: هما لغتان.
(ولا بد من استصحاب حكمها. بأن لا ينوي قطعها) فإن عزبت عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة كما لا يؤثر في الصلاة.
ومحله: إن لم ينو بالغسل نحو تنظيف أو تبرد، كما ذكره المجد.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ١٩٣ تعليق رقم ٢.
(٢) إكمال الإعلام بتثليث الكلام (١/ ٢٣٠).
[ ١ / ٢٠٥ ]