(و) باب (صفته) أي: الغسل، وما يمنع منه من لزمه الغسل، ومسائل من أحكام المسجد والحمام.
قال الجوهري (^١): غسلت الشيء غسلًا - بالفتح - والاسم الغسل - بالضم - وبالكسر - ما يغسل به الرأس من خطمي، وغيره.
وقال عياض (^٢): - بالفتح - الماء، - وبالضم - الفعل.
وقال ابن مالك (^٣): - بالضم - الاغتسال، والماء الذي يغسل به.
وذكر ابن برى أن غسل الجنابة بفتح الغين.
(وهو) أي: الغسل شرعًا: (استعمال ماء) - خرج التيمم - (طهور) لا طاهر (في جميع بدنه) - خرج الوضوء - (على وجه مخصوص) يأتي كيفيته، بأن يكون بنية وتسمية.
والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٤) يقال: رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، قال الجوهري (^٥): وقد يقال: جنبان وجنبون، وفي "صحيح مسلم" (^٦): "ونحنُ جُنُبَانِ".
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٧٨١).
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٣٨).
(٣) إكمال الإعلام بتثليث الكلام (٢/ ٤٦٧).
(٤) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٥) الصحاح (١/ ١٠٣) والذي فيه: "وربما قالوا في جمعه أجناب وجنبون" ولم يذكر جنبان.
(٦) الحيض حديث ٣٢١، عن عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ٣٢٣ ]
سمي به لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة.
وقيل: لمجانبته الناس حتى يتطهر.
وقيل: لأن الماء جانب محله.
والأحاديث مشهورة بذلك. ويأتي بعضها في محاله.
(وموجبه) أي: الحدث الذي هو سبب وجوب الغسل باعتبار أنواعه (ستة) أشياء، أيها وجد كان سببًا لوجوبه.
(أحدها: خروج المني (^١» - وهو الماء الغليظ الدافق يخرج عند اشتداد الشهوة، ومني المرأة أصفر رقيق - (من مخرجه)، فإن خرج من غيره بأن انكسر صلبه، فخرج منه لم يجب غسل، وحكمه كالنجاسة المعتادة. (ولو) كان المني (دمًا) أي: أحمر كالدم، لقصور الشهوة عن قصره (دفقًا بلذة)؛ لقول علي: إن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "إذا فَضَخْتَ الماءَ فاغتسلْ، وإن لم تكن فَاضِخًا فلا تغتَسِلْ" رواه أحمد (^٢)، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، قاله إبراهيم الحربي.
(فإن خرج) الماء (لغير ذلك) كمرض، أو برد، أو كسر ظهر (من غير
_________________
(١) فائدة المني يخلق منه الحيوان لخروجه من جميع البدن، وينقص به جزء منه؛ ولهذا يضعف بكثرته، فجبر بالغسل اهـ. ح م ص. "ش".
(٢) المسند (١/ ١٠٩، ١٢٥) وفي موضع آخر منه (١/ ١٠٧) بلفظ: إذا حذفت فاغتسل من الجنابة . . . إلخ. ورواه - أيضًا - أبو داود في الطهارة، باب ٨٣، رقم ٢٠٦، والنسائي في الطهارة، باب ١٣٠، رقم ١٩٣، ١٩٤، والطيالسي ص/ ٢١، رقم ١٤٥، وابن أبي شيبة (١/ ٩٢)، والبزار في مسنده (٣/ ٤٨) رقم ٨٠٢، ٨٠٣، وابن خريمة (١/ ١٥)، وابن حبان "الإحسان" (٣/ ٣٩١) رقم ١١٠٧، وابن عدي (٢/ ٥٩٩، ٦٠٠)، والسهمي في تاريخ جرجان ص/ ١٦٧، والبيهقي (١/ ١٦٩)، وصححه النووي في المجموع (٢/ ١٤٣).
[ ١ / ٣٢٤ ]
نائم ونحوه) كمجنون ومغمى عليه، وسكران (لم يوجب) غسلًا. لما تقدم، فعلى هذا يكون نجسًا وليس مَذيًا، قاله في "الرعاية".
(وإن انتبه بالغ، أو من يمكن بلوغه كابن عشر) وبنت تسع من نوم، ونحوه (ووجد بللًا) ببدنه، أو ثوبه (جهل كونه منيًا، بلا سبب تقدم نومه، من برد، أو نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار، وجب الغسل، كتيقنه منيًا، وغسل ما أصابه من بدن، وثوب) احتياطًا. قال في "المبدع": ولا يجب، انتهى، ولعله غير ظاهر كلامهم، وليس هذا من باب الإيجاب بالشك، وإنما هو من باب الاحتياط في الخروج من عهدة الواجب، كمن نسي صلاة من يوم وجهلها؛ لأنه في المثال لا يخرج عن كونه منيًا أو مذيًا، ولا سبب لأحد الأمرين يرجح به، فلم يخرج من عهدة الوجوب إلا بما ذكر.
(وإن تقدم نومه سبب: من برد، أو نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار) لم يجب غسل؛ لعدم يقين الحدث، والأصل بقاء الطهارة.
قلت: والظاهر وجوب غسل ما أصابه من ثوب، وبدن، لرجحان كونه مذيًا، بقيام سببه، إقامة للظن مقام اليقين، كما لو وجد في نومه حلمًا، فإنا نوجب الغسل لرجحان كونه منيًا، بقيام سببه.
وقال الشريف أبو جعفر: لا يجب غسل الثوب، ولا البدن جميعًا، لتردد الأمر فيهما، نقله عنه ابن رجب في ترجمته في "الطبقات" (^١)، وقال: وهذه المسألة تشبه مسألة الرجلين إذا وجدا على فراشهما منيًا، ولم يعلما من خرج منه، ثم قال: لكن ليس له أن يصلي بحاله في الثوب؛ لأنا نتيقن بذلك حصول المفسد لصلاته، وهو إما الجنابة، وإما النجاسة.
(أو تيقنه) أي: البلل (مذيًا لم يجب غسل)، بل يغسل ما أصابه وجوبًا.
_________________
(١) (١/ ٢٥).
[ ١ / ٣٢٥ ]
(ولا يجب) الغسل (بحلم بلا بلل) لحديث عائشة (^١) (فإن انتبه) من احتلم (ثم خرج) المني (إذن وجب) الغسل من حين الاحتلام؛ لأنا تبينا أنه كان قد انتقل حينه.
"تتمة" قال في "الهدي" (^٢): نقلًا عن ابن ماسويه (^٣): من احتلم فلم يغتسل حتى وطئ أهله، فولدت مجنونًا أو مختلًا فلا يلومن إلا نفسه (^٤).
_________________
(١) روى أبو داود في الطهارة، باب ٩٥، رقم ٢٣٦، والترمذي في الطهارة، باب ٨٢، حديث ١١٣، وابن ماجه في الطهارة، باب ١١٢، رقم ٦١٢، وعبد الرزاق (١/ ٢٥٤) رقم ٩٧٤، وأحمد (٦/ ٢٥٦)، والدارمي في الطهارة، باب ٧٦، رقم ٧٧١، وابن الجارود (٨٩، ٩٠)، وأبو يعلى (٨/ ١٤٩) رقم ٤٦٩٤، والبيهقي (١/ ١٦٨) عن عائشة - ﵂ - قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: لا غسل عليه … الحديث. قال الترمذي: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر: حديث عائشة في الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا، وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٤٢): حديث عائشة هذا مشهور … لكنه من رواية عبد الله بن عمر العمري - وهو ضعيف عند أهل العلم، لا يحتج بروايته. وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٢٢٤) …: الحديث معلول بعلتين الأولى: العمري المذكور، والثانية: التفرد، وعدم المتابعات، فقصر عن درجة الحسن والصحة. والله أعلم.
(٢) زاد المعاد (٤/ ٤٠٦).
(٣) هو أبو زكريا يوحنا بن ماسويه من علماء الأطباء توفي سنة ٢٤٣ هـ. انظر: إخبار العلماء لأخبار الحكماء للقفطي ص/ ٤٨.
(٤) وجزم بمعناه في الطب النبوي ص/ ٤٠٦. "ش".
[ ١ / ٣٢٦ ]
(وإن وجد منيًا في ثوب لا ينام فيه غيره) قال أبو المعالي، والأزجي: لا بظاهره، لجوازه من غيره، قال في "الإنصاف": وهو صحيح، وهو مراد الأصحاب فيما يظهر؛ (فعليه الغسل) لوجود موجبه، (وإعادة المتيقن من الصلاة، وهو) أي: المني (فيه) أي: الثوب. قال ابن قندس: الظاهر أنه يعيد ما تيقن أنه صلّاه بعد وجود المني، وما شك فيه لا يعيده، قال في "الرعاية": وإعادة الصلاة من آخر نومة نامها، وفي بعض ألفاظ الموفق: من أحدث نومة زاد في "الرعاية": والأولى إعادة صلوات تلك المدة، وما يحصل به اليقين في براءة الذمة، وتقدم في كتاب الطهارة إذا توضأ من ماء ثم علم نجاسته يعيد. ونصه: حتى يتيقن براءته. وقال القاضي وأصحابه: بعد ظنه نجاسته، قال ابن قندس: ويمكن أن يقال: الفرق أن المني الأصل عدمه، فيكون في وقت الشك كالمعدوم، بخلاف ما إذا توضأ من ماء ثم علم نجاسته، فإنه في وقت الشك قد شك في رفع الحدث، والأصل عدم رفعه، فيكون الحدث في وقت الشك كالموجود، لأنه الأصل.
(وإن كان ينام هو) أي: من وجد المني في الثوب (وغيره فيه) أي: في ذلك الثوب الذي وجد به المني، (وكانا من أهل الاحتلام، فلا غسل عليهما) لأن كلا منهما متيقن الطهارة شاك في الحدث.
(ومثله) في عدم وجوب الوضوء عليهما: (إن سُمع صوت أو شُم ريح من أحدهما، لا يعلم عينه، لم تجب الطهاوة على واحد منهما) بعينه، لعدم تيقنه الحدث.
(ولا يأتم أحدهما) وحده، ولا مع غيره (بالآخر) لتحقق المفسد. وهو إما حدثه، وإما حدث إمامه.
(ولا يصافه) أي: لا يصاف أحدهما الآخر (وحده) لتحقق المفسد، إذ
[ ١ / ٣٢٧ ]
صلاة الفذ غير صحيحة كما يأتي. فإن صافه مع غيره صحت صلاتهما لزوال الفذّيّة (فيهما) أي: في مسألة وجدان المني في الثوب، ومسألة سماع الصوت، أو شم الريح من أحدهما.
(وكذا كل اثنين تيقن موجب الطهارة من أحدهما لا بعينه، كرجلين) أو امرأتين، أو رجل وامرأة (لمس كل واحد منهما أحد فرجي خنثى مشكل لغير شهوة)؛ لأن أحد الفرجين أصلي، فانتقض وضوء لامسه، فإن مس لشهوة مثل ما للامس منه انتقض وضوؤه يقينًا وتقدم. قال في "المنتهى" وشرحه: وإن أرادا ذلك، أي: أن يصليا جماعة، أو أن يكونا صفًا وحدهما توضئا ثم فعلا ذلك؛ ليزول الاعتقاد الذي أبطلنا صلاتهما من أجله. ولا يكفي في ذلك وضوء أحدهما لاحتمال أن يكون الذي أحدث منهما هو الذي لم يتوضأ.
(والاحتياط أن يتطهرا) مما تقدم مطلقًا ليخرجا من العهدة بيقين.
(وإن أحس) رجل، أو امرأة (بانتقال المني فحبسه فلم يخرج، وجب الغسل، كخروجه)، لأن الجنابة أصلها البعد لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (^١) أي: البعيد، ومع الانتقال قد باعد الماء محله، فصدق عليه اسم الجنب. وإناطة للحكم بالشهوة، وتعليقًا له على المظنة، إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه، وأنكر أحمد أن يكون الماء يرجع (^٢).
(ويثبت به) أي: بانتقال المني (حكم بلوغ) كما يثبت بخروجه.
(و) يثبت به حكم (فطر) من صوم ممن قبّل، أو كرر النظر لشهوة ونحوه، لا ممن احتلم، كخروجه.
(وغيرهما) كوجوب بدنة في الحج حيث وجبت لخروج المني.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٢) المغني (١/ ٢٦٧).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وفي "شرح المنتهى": كفساد نسك. وقاله القاضي في "تعليقه" التزامًا، وهو مبني على القول بفساد النسك بخروجه بالمباشرة.
(وكذا انتقال حيض، قاله الشيخ) تقي الدين (^١)؛ فيثبت به ما يثبت بخروجه.
(فإن خرج المني بعد الغسل من انتقاله) لم يجب الغسل.
(أو) خرج المني (بعد غسله من جماع لم ينزل فيه) بغير شهوة، لم يجب الغسل.
(أو خرجت بقية مني اغتسل له بغير شهوة، لم يجب الغسل) لما روى سعيد عن ابن عباس: أنه سئل عن الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل؟ قال: "يتوضأ" (^٢).
وكذا ذكره الإمام أحمد عن علي (^٣).
ولأنه مني واحد فأوجب غسلًا واحدًا، كما لو خرج دفعة واحدة.
ولأنه خارج لغير شهوة، أشبه الخارج لبرد، وبه علل أحمد، قال: لأن الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزئه الوضوء.
(ولو) انتقل المني ثم (خرج إلى قلفة الأقلف، أو) إلى (فرج المرأة وجب) الغسل، رواية واحدة، وإن لم نقل بوجوب الغسل بالانتقال.
(ولو خرج منيه من فرجها بعد غسلها فلا غسل عليها)؛ لأنه ليس منيها (ويكفي الوضوء. وإن دب منيه) أي: الرجل فدخل فرجها ثم خرج فلا غسل عليها، (أو) دب إلى فرجها (مني امرأة أخرى بسحاق، فدخل فرجها)
_________________
(١) الاختيارات الفقهية ص/ ٣٠.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٢) رقم ٦٣٧.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٢) رقم ٦٣٨.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ثم خرج (فلا غسل عليها بدون إنزال، وتقدم في الباب قبله)؛ لأنه ليس منيًا خارجًا من مخرجه دفقًا بلذة، لأن الغسل إنما وجب جبرًا للبدن لكونه ينقص به جزء منه لخروجه من جميعه، لكون الحيوان يخلق منه، ولكونه ينقص به جزء من البدن؛ ولهذا يضعفه (^١) بكثرته.
"تنبيه" محل وجوب الغسل بخروج المني: إذا لم يصر سلسًا، قاله القاضي وغيره، فيجب الوضوء فقط، لكن قال في "المغني" و"الشرح": يمكن منع كون هذا منيًا؛ لأن الشارع وصفه بصفة غير موجودة فيه. وتقدم أن الغسل كالوضوء سبب وجوبه الحدث.
(الثاني) من موجبات الغسل: (تغييب حشفة أصلية، أو قدرها، - إن فقدت - بلا حائل في فرج أصلي) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جلسَ بيْن شعبها الأربعِ (^٢) ثم جهدَهَا، فقد وجب الغسلُ" متفق عليه (^٣) زاد أحمد ومسلم: "وإن لم ينزِلْ" (^٤).
وفي حديث عائشة قالت: قالَ رسول الله - ﷺ -: "إذا قعدَ بينَ شعبِها الأربعِ، ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وجبَ الغسلُ" رواه مسلم (^٥).
_________________
(١) في "ح" و"ذ": "يضعف".
(٢) قيل: اليدان والرجلان، وقيل: الرجْلان والأسْكتان. قال القاضي عياض: (إكمال المعلم ٢/ ١٩٧): والأولى قول: الأربع: نواحي الفرج الأربع، والشعب النواحي؛ فوافق حديث: إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل. وحديث: إذا جاوز الختان الختان. وحديث: إذا مس الختان الختان اهـ. "ش". وانظر مشارق الأنوار (٢/ ٢٥٤).
(٣) البخاري في الغسل، باب ٢٨، حديث ٢٩١، ومسلم في الحيض، حديث ٣٤٨.
(٤) أحمد في "المسند": (٢/ ٣٤٧)، ومسلم في الحيض، حديث ٣٤٨.
(٥) في الحيض، حديث ٣٤٩.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وما رُوي عن عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة (^١) أنه لا يجب إلا بالإنزال، لقوله - ﷺ -: "الماءُ من الماءِ" (^٢) فمنسوخ بما روى أبيّ بن كعب قال: "إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماءُ من الماءِ رخصةٌ رخَّصَ بها النَّبيُّ - ﷺ - ثم أمرَ بالاغتسالِ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه (^٣)، قال الحافظ عبد الغني: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ثم المراد من التقائهما، تقابلهما وتحاذيهما؛ فلذلك عدل عنه المصنف كغيره، لما تقدم.
(قبلًا كان) الفرج (أو دبرًا من آدمي، ولو مكرهًا، أو) من (بهيمه، حتى سمكة، وطير) لأنه إيلاج في فرج أصلي، أشبه الآدمية.
(حيّ أو ميت) لعموم ما سبق، ولو لم يجد بذلك حرارة خلافًا لأبي حنيفة (^٤).
_________________
(١) روى ذلك عنهم البخاري في الوضوء، باب ٣٤، حديث ١٧٩، وفي الغسل، باب ٤٩، حديث ٢٩٢.
(٢) رواه مسلم في الحيض، حديث ٣٤٣.
(٣) أحمد: (٥/ ١١٥ - ١١٦)، وأبو داود في الطهارة، باب ٨٤، حديث ٢١٤، ٢١٥ والترمذي في الطهارة، باب ٨١، حديث ١١٠، ١١١، ورواه - أيضًا - ابن ماجه في الطهارة، باب ١١١، حديث ٦٠٩، والشافعي (ترتيب مسنده ١/ ٣٧)، والدارمي في الطهارة، باب ٧٣، رقم ٧٦٥، وابن الجارود (٩١)، وابن خزيمة: (١/ ١١٢، ١١٣) حديث ٢٢٥، وابن المنذر (١/ ٧٩) رقم ٥٧٥، والطحاوي (١/ ٥٧)، وابن حبان "الإحسان" (٣/ ٤٤٧) رقم ١١٧٣، ١١٧٩. والطبراني في الكبير (١/ ٢٠٠) رقم ٥٣٨، والدارقطني (١/ ١٢٦)، والبيهقي (١/ ١٦٥، ١٦٦)، والحازمي في الاعتبار ص/ ١٢٥. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه النووي في المجموع (٢/ ١٣٧)، وقال الحافظ في الفتح (١/ ٣٩٧): وفي الجملة هو إسناد صالح لأن يحتج به، وهو صريح في النسخ.
(٤) ينظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص/ ٣٣٤.
[ ١ / ٣٣١ ]
(ولو كان) ذو الحشفة الأصلية (مجنونًا، أو نائمًا) أو مغمى عليه (بأن أدخلتها في فرجها، فيجب الغسل على النائم والمجنون) والمغمى عليه (كهي) أي: كما يجب على المجامعة، ولو كانت مجنونة، أو نائمة، أو مغمى عليها؛ لأن موجب الطهارة لا يشترط فيه القصد، كسبق الحدث.
(وإن استدخلتها) أي: الحشفة الأصلية (من ميت، أو) من (بهيمة، وجب عليها) الغسل (دون الميت، فلا يعاد غسله) لذلك.
ولا فرق فيما تقدم بين العالم، والجاهل، فلو مكث زمانًا يصلي ولم يغتسل احتاط في الصلاة، ويعيد حتى يتيقن، نص عليه؛ لأنه مما اشتهرت به الأخبار، فلم يعذر فيه بالجهل.
(ويعاد غسل الميتة الموطوءة) قال في "الحاوي الكبير": ومن وطئ بعد غسله أعيد غسله في أصح الوجهين، واختاره في "الرعاية الكبرى"، ويجب الغسل بالجماع، على ما تقدم، (ولو كان المجامع غير بالغ نصًا، فاعلًا، ومفعولًا) إن كان (يجامع مثله كابنة تسع، وابن عشر) قال الإمام (^١): يجب على الصغير إذا وطئ والصغيرة إذا وطئت، مستدلًا بحديث عائشة (^٢) (فيلزمه) أي: ابن عشر وبنت تسع (غسل، ووضوء بموجباته، إذا أراد ما يتوقف على غسل) فقط. كقراءة القرآن، (أو) على (وضوء) كصلاة، وطواف، ومس مصحف (لغير لبث بمسجد)؛ فإنه لا يلزمه الغسل إذا أراده. ويكفيه الوضوء كالمكلف، ويأتي.
ومثل مسألة الغسل إلزامه باستجمار، ونحوه، ذكره الشيخ تقي الدين.
وليس معنى وجوب الغسل، أو الوضوء في حق الصغير: التأثيم بتركه، بل معناه: أنه شرط لصحة الصلاة، أو الطواف، أو لإباحة مس المصحف، أو
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٠٣٠).
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٠ تعليق رقم ٥.
[ ١ / ٣٣٢ ]
قراءة القرآن.
(أو مات) الصغير (شهيدًا) بعد الجماع (قبل غسله)، فيغسل؛ لوجوبه قبله، كما لو مات غير شهيد.
(ويرتفع حدثه) أي: الصغير (بغسله قبل البلوغ)، فلا يجب إعادته بعد بلوغه، لصحة غسله، فيترتب عليها أثرها، وهو ارتفاع الحدث.
ثم أخذ يصرح بمفهوم ما سبق فقال: (ولا يجب غسل بتغييب بعض الحشفة) بلا إنزال.
(ولا بإيلاج بحائل، مثل إن لف على ذكره خرقة، أو أدخله في كيس) بلا إنزال.
(ولا بوطء دون الفرج، من غير إنزال) ولا انتقال، لعدم التقاء الختانين.
(ولا بالتصاق) أي: تماس (ختانيهما من غير إيلاج) لحديث أبي هريرة السابق (^١).
(ولا بسحاق) وهو إتيان المرأة المرأة (بلا إنزال) لما تقدم.
(ولا بإيلاج في غير أصلي) أو بغير أصلي، (كإيلاج رجل في قبل الخنثى) المتضح الذكورية، أو المشكل، بلا إنزال؛ لعدم الفرج الأصلي بيقين.
(أو إيلاج الخنثى) الواضح الأنوثية، أو المشكل (ذكره في قبل، أو دبر، بلا إنزال)؛ لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين.
(وكذا لو وطئ كل واحد من الخنثيين) المشكلين (الآخر بالذكر في القبل)، لاحتمال زيادتهما، أو زيادة أحدهما.
(أو) وطئ كل واحد من الخنثيين الآخر بالذكر في (الدبر)؛ لاحتمال زيادة الذكرين.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٠ تعليق رقم ٣، ٤.
[ ١ / ٣٣٣ ]
(وإن تواطأ رجل وخنثى في دبريهما فعليهما الغسل)؛ لأن دبر الخنثى أصلي قطعًا. وقد وجد تغييب حشفة الرجل فيه.
(وإن وطئ الخنثى بذكره امرأة، وجامعه) أي: ذلك الخنثى (رجل في قبله؛ فعلى الخنثى الغسل)؛ لأنه إن كان ذكرًا فقد غيب ذكره في فرج أنثى، وإن كان أنثى فقد جومعت في قبلها الأصلي.
(وأما الرجل والمرأة فيلزم أحدهما الغسل، لا بعينه)؛ لأن الخنثى لا يخلو عن أن يكون رجلًا، فيجب الغسل على المرأة، أو يكون أنثى، فيجب الغسل على الرجل. والاحتياط أن يتطهرا على ما تقدم.
وإن أراد أن يأتم أحدهما بالآخر، أو يصافه وحده. اغتسلا على ما تقدم عن صاحب "المنتهى" (^١).
(ولو قالت امرأة بي جني يجامعني كالرجل، فعليها الغسل). وقال في "المبدع": لا غسل لعدم الإيلاج والاحتلام. ذكره أبو المعالي. وفيه نظر (^٢). قال ابن الجوزي (^٣) في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (^٤) دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي. وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من الغشيان الإيلاج، لاحتمال أن يكون إيلاجه عن ملابسة ببدنه خاصة. انتهى.
قلت: وعلى ما ذكره المصنف: لو قال رجل: بي جنِّية أجامعها كالمرأة، فعليه الغسل.
_________________
(١) الائتمام واضح، وأما المصافة فلا تصح ولو تطهرا. "ش".
(٢) لأنها إذا كانت تعرف أنه يجامعها كالرجل فكيف يجامع ولا إيلاج. "ش".
(٣) زاد المسير (٨/ ١٢٢).
(٤) سورة الرحمن، الآية: ٧٤.
[ ١ / ٣٣٤ ]
(والأحكام المتعلقة بتغييب الحشفة كالأحكام المتعلقة بالوطء الكامل) من وجوب الغسل، والبدنة في الحج، وإفساد النسك قبل التحلل الأول، وتقرر الصداق، والخروج من الفيئة في الإيلاء، وغير ذلك، مما يأتي في أبوابه (وجمعها بعضهم، فبلغت أربعمائة) حكم (إلا ثمانية أحكام، ذكره ابن القيم في تحفة المودود في أحكام المولود) (^١). ومن تتبع ما يأتي يظفر بأكثرها.
(الثالث) من موجبات الغسل: (إسلام الكافر، ولو مرتدًا أو مميزًا) لما روى أبو هريرة "أن ثمامة بن أُثَال أسلمَ فقال النبي - ﷺ -: اذهبُوا بِهِ إلى حائِطِ بنِي فلانٍ، فمروهُ أن يغتَسِلَ" رواه أحمد، وابن خزيمة (^٢)، من رواية العمري. وقد تكلم فيه، وروى له مسلم مقرونًا.
_________________
(١) في الفصل الأول من الباب التاسع ص/ ١٥٢.
(٢) أحمد: (٢/ ٣٠٤، ٤٨٣)، وابن خزيمة: (١/ ١٢٥) حديث ٢٥٣، ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (٦/ ٩، ١٠/ ٣١٨)، والبزار "كشف الأستار" (١/ ١٦٧)، وابن الجارود (١٥)، وابن المنذر (٢/ ١١٥) رقم ٦٤١، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٤١) رقم ١٢٣٨، والبيهقي (١/ ١٧١) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": (١/ ٢٨٣) وقال: رواه أحمد والبزار … وفي إسناد أحمد والبزار عبد الله بن عمر العمري. ثم ذكر كلام النقاد فيه وقال: فالحديث حسن. قلنا: لم ينفرد به عبد الله العمري، بل تابعه أخوه عبيد الله بن عمر عند ابن خزيمة. وأصله في الصحيحين، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، وإنما فيهما أنه اغتسل من غير أمره - ﷺ - ثم أسلم بعد ذلك. انظر صحيح البخاري الصلاة، باب ٧٦، حديث ٤٦٢، والمغازي، باب ٧٠، حديث ٤٣٧٢، وصحيح مسلم الجهاد، حديث ١٧٦٤.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وعن قيس بن عاصم "أنه أسلمَ فأمرهُ النَّبيُّ - ﷺ - أن يغتسل بماءٍ وسدرٍ" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي (^١) وقال: حسن صحيح.
ولأنه لا يسلم غالبًا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم، والتقاء الختانين.
ولأن المرتد مساوٍ للأصلي في المعنى وهو الإسلام. فوجب عليه الغسل.
(سواء وجد منه في كفره ما يوجب الغسل) من نحو جماع، أو إنزال (أو لا. وسواء اغتسل قبل إسلامه أو لا)؛ لأنه - ﷺ - لم يستفصل، ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال.
(ولا يلزمه) أي: الذي أسلم (غسل) آخر (بسبب حدث وجد منه في حال كفره، بل يكفيه غسل الإسلام) سواء نوى الكل، أو نوى غسل الإسلام، إلا أن ينوي على أن لا يرتفع غيره - على ما تقدم - فيما إذا اجتمعت أحداث توجب وضوءًا، أو غسلا.
(ووقت وجوبه) أي: غسل الإسلام (على المميز) إذا أسلم (كوقت وجوبه على المميز المسلم) إذا جامع، يعني إذا أراد ما يتوقف على غسل، أو وضوء لغير لبث بمسجد، أو مات شهيدًا.
_________________
(١) أحمد: (٥/ ٦١)، وأبو داود في الطهارة، باب ١٣١، حديث ٣٥٥، والترمذي في الصلاة، باب ٧٢، حديث ٦٠٥، والنسائي في الطهارة، باب ١٢٦، حديث ١٨٨، ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (٦/ ٩، ١٠/ ٣١٨)، وابن الجارود (١٤)، وابن خزيمة: (١/ ١٢٦)، وابن المنذر (٢/ ١١٤) رقم ٦٤٠، ابن حبان "الإحسان" (٤/ ٤٥) رقم ١٢٤٠، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٨) رقم ٨٦٦، والبيهقي (١/ ١٧١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه - أيضًا - النووي في المجموع (٢/ ١٥٢)، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٢٢٤): وصححه ابن السكن.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قال في "التنقيح": وقال أبو بكر: لا غسل عليه، أي: الكافر إذا أسلم، إلا إذا وجد منه في حال كفره ما يوجبه، فيجب، (إلا حائضًا، ونفساء كتابيتين إذا اغتسلتا لوطء زوج) مسلم (أو سيد مسلم) انتهى بالمعنى، (ثم أسلمتا فلا يلزمهما إعادة الغسل) لصحته منهما، وعدم اشتراط النية فيه للعذر، بخلاف ما لو اغتسل الكافر لجنابة ثم أسلم، وجب عليه إعادته، لعدم صحته منه. وهذا كما علمت مفرع على قول أبي بكر. ولم يذكره المصنف. فكان الأولى حذفه، لئلا يوهم أنه مفرع على المذهب، كما توهمه عبارة "الإنصاف". وقد تبعه المصنف.
(ويحرم تأخير إسلام لغسل، أو غيره) لوجوبه على الفور.
(ولو استشار) كافر (مسلمًا) في الإسلام (فأشار بعدم إسلامه) لم يجز، (أو أخر عرض الإسلام عليه بلا عذر لم يجز) له ذلك، (ولم يصر) المسلم (مرتدًا) خلافًا لصاحب التتمة (^١) من الشافعية، ورد عليه بعضهم (^٢).
(الرابع) من موجبات الغسل: (الموت) لقوله - ﷺ -: "اغسِلنها" (^٣) إلى غيره من الأحاديث الآتية في محله: (تعبدًا) لا عن حدث؛ لأنه لو كان عنه، لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا تغتسل مع جريان الدم، ولا عن نجس؛ لأنه لو كان عنه لم يطهر، مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت.
_________________
(١) هو الشيخ الإمام أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم المتولي، المتوفى سنة ٤٧٨ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٦٤)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٠٦).
(٢) انظر المجموع للنووي (٢/ ١٥٨).
(٣) رواه البخاري في الجنائز، باب ٨، ٩، حديث ١٢٥٣، ١٢٥٤، ومسلم في الجنائز، حديث ٩٣٩ من حديث أم عطية الأنصارية - ﵂ -.
[ ١ / ٣٣٧ ]
(غير شهيد معركة، ومقتول ظلمًا) فلا يغسلان. (ويأتي) ذلك مفصلًا في محله.
(الخامس: خروج حيض) لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش: "وإذا ذهبت فاغتسلي وصلي" متفق عليه (^١)، وأمر به أم حبيبة (^٢)، وسهلة بنت سهيل (^٣)
_________________
(١) البخاري في الوضوء، باب ٦٣، حديث ٢٢٨، وفي الحيض، باب ٨، حديث ٣٠٦، باب ١٩، حديث ٣٢٠، وباب ٢٤، حديث ٣٢٥، وباب ٢٨، حديث ٣٣١، ومسلم في الحيض، حديث ٣٣٣، عن عائشة - ﵂ -. وروى أبو داود في الطهارة، باب ١٠٨، حديث ٢٨٠، والنسائي في الطهارة، باب ١٣٤، حديث ٢٠١، وفي الحيض، باب ٢، حديث ٣٤٨، عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله - ﷺ - فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله - ﷺ -: إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك، فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء. هذا لفظ أبي داود.
(٢) رواه البخاري في الحيض، باب ٢٦، حديث ٣٢٧، ومسلم في الحيض، حديث ٣٣٤ (٦٥) عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله - ﷺ - عن الدم فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله - ﷺ -: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلي. وهذا لفظ مسلم.
(٣) رواه أبو داود في الطهارة، باب ١١٢، حديث ٢٩٥، والطحاوي (١/ ١٠١)، والبيهقي (١/ ٣٥٣) عن عائشة - ﵂ - أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي - ﷺ - فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك، أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (١/ ١٩٠): في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد اختلف في الاحتجاج به. وقال البيهقي: قال أبو بكر بن إسحاق: قال بعض مشايخنا: لم يسند هذا الخبر غير محمد بن إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي - ﷺ -، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعًا، وخطأ أيضًا في تسمية المستحاضة. وانظر الإمام لابن دقيق العيد (٣/ ٣٢٤).
[ ١ / ٣٣٨ ]
وحمنة (^١)، وغيرهن.
يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (^٢) أي: إذا اغتسلن، فمنع الزوج من وطئها قبل غسلها، فدل على وجوبه عليها.
وإنما وجب بالخروج إناطة للحكم بسببه.
_________________
(١) رواه أبو داود في الطهارة، باب ١١٠، حديث ٢٨٧، والترمذي في الطهارة، باب ٩٥، حديث ١٢٨، وابن ماجه في الطهارة، باب ١١٧، حديث ٦٢٧، والشافعي في الأم (١/ ٥١ - ٥٢)، وعبد الرزاق (١/ ٣٠٦) حديث ١١٧٤، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٨)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ٨٢) حديث ٢١٩٠، وأحمد (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢، ٤٣٩ - ٤٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٢) حديث ٨١٠، ٨١١، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٧/ ١٤٢، ١٤٥) حديث ٢٧١٧ - ٢٧١٩، والدارقطني (١/ ٢١٤)، والحاكم (١/ ١٧٢)، والبيهقي (١/ ٣٣٨)، والبغوي (٢/ ١٤٨) حديث ٣٢٦ عن حمنة بنت جحش - ﵂ - قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة … الحديث وفيه: قال لها رسول الله - ﷺ -: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي .. الحديث. لفظ أبي داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال: سألت محمد - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن صحيح، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. ونقل الترمذي في العلل ص/ ٥٨ عن البخاري تحسينه، وعن أحمد تصحيحه فقط. وقال الترمذي في المجموع (٢/ ٣٧٧): صحيح. وضعفه أبو حاتم، ولم يقو إسناده. انظر العلل لابنه (١/ ٥١) ومال إليه ابن المنذر، والخطابي، وابن مندة، وابن دقيق العيد. انظر: الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٢٤)، ومعالم السنن (١/ ٨٩)، والخلافيات للبيهقي (٣/ ٣٣٨) والإلمام لابن دقيق العيد ص/ ٦٠، والتلخيص الحبير (١/ ١٦٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
[ ١ / ٣٣٩ ]
والانقطاع شرط لصحته، وكلام الخرقي يدل على أنه يجب بالانقطاع وهو ظاهر الأحاديث.
وتظهر فائدة الخلاف إذا استشهدت الحائض قبل الانقطاع، فإن قلنا: يجب الغسل بخروج الدم وجب غسلها للحيض. وإن قلنا: لا يجب إلا بالانقطاع لم يجب الغسل؛ لأن الشهيد لا يغسل، ولم ينقطع الدم الموجب للغسل. قاله المجد، وابن عبيدان، والزركشي، وصاحب "مجمع البحرين"، و"المبدع"، و"الرعاية" و"الفروع" وغيرهم.
قال الطوفي في شرحه: وعلى هذا التفريع إشكال، وهو أن الموت إما أن ينزل منزلة انقطاع الدم، أو لا. فإن نزل منزلته، لزم وجوب الغسل لتحقق سبب وجوبه وشرطه على القولين، وإن لم ينزل منزلة انقطاع الدم فهي في حكم الحائض على القولين. فلا يجب غسلها؛ لأنا إن قلنا: الموجب هو الانقطاع، فلم يوجد. وإن قلنا: الخروج، لم يوجد شرطه، وهو الانقطاع. نعم ينبني عليهما لو علق عتقًا أو طلاقًا على ما يوجب غسلًا. وقع بالخروج على الأول، وبالانقطاع على الثاني.
(فإن كان عليها) أي: الحائض (جنابة فليس عليها أن تغتسل) للجنابة (حتى ينقطع حيضها نصًا) لعدم الفائدة.
(فإن اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صح) غسلها لها؛ (بل يستحب) تخفيفًا للحدث، (ويزول حكم الجنابة)؛ لأن بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو اغتسل المحدث الحدث الأصغر (^١). قاله في "الشرح"، (ويأتي أول الحيض).
_________________
(١) أي بنية رفع الحدث الأكبر، فإن الحدث الأصغر باق، وبقاؤه لا يمنع ارتفاع الأكبر "ش".
[ ١ / ٣٤٠ ]
(السادس) المتمم للموجبات: (خروج نفاس). قال في "المغني": لا خلاف في وجوب الغسل بهما اهـ. وفيه ما تقدم في الحيض.
(وهو) أي: النفاس (الدم الخارج بسبب الولادة) - ويأتي مفصلًا في آخر الحيض -.
(ولا يجب) الغسل (بولادة عرية عن دم)؛ لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص (فلا يبطل الصوم) بالولادة العرية عن الدم، (ولا يحرم الوطء بها) قبل الغسل، لما تقدم.
(ولا) يجب الغسل (بإلقاء علقة). قال في "المبدع": بلا نزاع. زاد في "الرعاية": بلا دم.
(أو) بإلقاء (مضغة) لا تخطيط فيها؛ لأن ذلك ليس ولادة. وإنما يثبت حكمه بإلقاء ما تبين فيه خلق الإنسان ولو خفيًا.
(والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله) كسائر الأشياء المتنجسة. وفيه وجه: لا، للمشقة.
[ ١ / ٣٤١ ]