فصل
(ومن جحد وجوبها) أي: وجوب صلاة من الخمس (كفر، إن كان ممن لا يجهله، كمن نشأ بدار الإسلام) زاد ابن تميم: وإن فعلها؛ لأنه لا يجحدها إلا تكذيبًا لله، ولرسوله، وإجماع الأمة. ويصير مرتدًا بغير خلاف نعلمه. قاله في "المبدع".
(وإن كان ممن يجهله) أي: وجوبها (كحديث عهد بالإسلام، أو من نشأ ببادية، عُرِّفَ وجوبها، ولم يحكم بكفره) لأنه معذور. فإن قال: أنسيتها، قيل له: صل الآن، وإن قال: أعجز عنها لعذر، كمرض، أو عجز عن أركانها، أعلم أن ذلك لا يسقط الصلاة، وأنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته (فإن أصر) على الجحد (كفر) لما سبق.
(فإن تركها تهاونًا، وكسلًا) لا جحودًا (دعاه إمام، أو نائبه إلى فعلها) لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به، كالمرض، ونحوه، ويهدده فيقول له: إن صليت، وإلا، قتلناك، وذلك في وقت كل صلاة.
(فإن أبى) أن يصليها (حتى تضايق وقت التي بعدها) أي: بعد التي دعي لها عن فعل الثانية، كما جزم به في "مختصر المقنع" تبعًا "للوجيز" وغيره (وجب قتله) لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ - إلى قوله - فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^١) فمن ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية، فيبقى على إباحة القتل.
ولقوله - ﷺ -: "من تركَ الصلاةَ متعمدًا فقدْ برئتْ منهُ ذمةُ اللهِ ورسولِهِ" رواه
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٥.
[ ٢ / ٢٣ ]
أحمد (^١) بإسناده عن مكحول، وهو مرسل جيد. قاله في "المبدع". ولأنها من أركان الإسلام لا تدخلها النيابة، فقتل تاركها كالشهادتين.
ولا يقتل بترك الأولى؛ لأنه لا يعلم أنه عزم على تركها إلا بخروج وقتها، فإذا خرج علمنا أنه تركها، ولا يجب قتله بها، لأنها فائتة، فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله.
(ولا يقتل) من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا. وكذا من جحد وجوبها (حتى يستتاب ثلاثة أيام، كمرتد) أي: كسائر المرتدين (نصًا) ويضيق عليه. وذكر القاضي أنه يضرب (فإن تاب) من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا (بفعلها) أي:
_________________
(١) أحمد: (٦/ ٤٢١) عن مكحول، عن أم أيمن مرفوعًا. ورواه - أيضًا - عبد بن حميد "المنتخب" (٣/ ٢٧٤) حديث ١٥٩٢، عن مكحول، وابن عساكر (٦٠/ ١٩٩ و٦٢/ ٢٢٤) عن مكحول، وسليمان بن موسى، عن أم أيمن - ﵂ - مرفوعًا في حديث طويل دون قوله: "ورسوله". وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": (١/ ٢٩٥) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن مكحولًا لم يسمع من أم أيمن"، ورواه ابن عساكر - أيضًا - (٦٠/ ١٩٩) عن مكحول مرسلًا. وله شاهد من حديث معاذ - ﵁ -: رواه أحمد (٥/ ٢٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٢) حديث ١٥٦، وفي مسند الشاميين (٣/ ٥٦) حديث ٢٢٠٤، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٥) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ، وإسناد الطبراني متصل، وفيه عمرو بن واقد القرشي، وهو كذاب". وله شاهد آخر من حديث أبي الدرداء - ﵁ -: رواه البخاري في الأدب المفرد حديث ١٨، وابن ماجه في الفتن، باب ٢٣ حديث ٤٠٣٤، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٧) وقال: رواه الطبراني وفيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٣٠٤): هذا إسناد حسن، شهر مختلف فيه.
[ ٢ / ٢٤ ]
بفعل الصلاة، خلي سبيله. نقل صالح (^١): توبته أن يصلي؛ لأن كفره بالامتناع منها، فحصلت توبته بها، بخلاف جاحدها، فإن توبته، إقراره بما جحده مع الشهادتين، كما يعلم مما يأتي في باب المرتد.
(وإلا) أي: كان لم يتب بفعل الصلاة (قتل بضرب عنقه) بالسيف، لقوله - ﷺ -: "إذا قتلتُم فأحسِنُوا القتلة" رواه مسلم (^٢) أي: الهيئة من القتل (لكفره) علة لقُتل، لما روى جابر عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: "بينَ الرجلِ وبينَ الكُفرِ تركُ الصلاةِ" رواه مسلم (^٣).
وروى بريدة أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "من تركَها فقدْ كفَرَ"، رواه الخمسة وصححه الترمذي (^٤).
وروى عبادة مرفوعًا: "من ترك الصلاةَ متعمِّدًا فقد خَرجَ من الملّةِ" رواه الطبراني (^٥) بإسناد جيد.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد لابنه صالح (١/ ٣٧٦) رقم ٣٥٠.
(٢) في الصيد والذبائح، حديث ١٩٥٥ عن شداد بن أوس - ﵁ -.
(٣) تقدم تخريجه ص ٦، تعليق رقم ٢ من هذا الجزء.
(٤) الترمذي في الإيمان، باب ٩، حديث ٢٦٢١، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في الصلاة، باب ٨، حديث ٤٦٢، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ٧٧، حديث ١٠٧٨، وأحمد (٥/ ٣٤٦، ٣٥٥)، وأول الحديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن. . .". وأخرجه - أيضًا - أبن أبي شيبة (١١/ ٣٤)، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٣٠٥) حديث ١٤٥٤، والدارقطني (٢/ ٥٢)، والحاكم (١/ ٦، ٧)، وصححه، والبيهقي (٣/ ٣٦٦). وصنيع المؤلف يدل على أنه رواه - أيضًا - أبو داود، ولكن لم نجده في سننه المطبوعة.
(٥) لم نجده في معاجم الطبراني الثلاثة المطبوعة، وأورده ابن كثير في جامع المسانيد والسنن (٧/ ١١٩) من طريقه. وقد رواه - أيضًا - الشاشي في مسنده (٣/ ٢١١) حديث ١٣٠٩، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٨٨٩) حديث =
[ ٢ / ٢٥ ]
وقال عمر: "لا حظَّ في الإسلام لمن ترَكَ الصلَاةَ" (^١).
ولقوله - ﷺ -: "أولُ ما تفقدونَ من دينِكم الأمانةُ، وآخرُ ما تفقِدونَ الصلاةُ" (^٢).
_________________
(١) = ٩٢٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٨٢٢) حديث ١٥٢٢، والضياء في المختارة (٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨) حديث ٣٥١، كلهم من طريق يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح عن عبادة - ﵁ -. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧٥) بلفظ: "من ترك الصلاة، فليس من الله". وقال: لا يعرف إسناده. وذكره العلامة ابن القيم في كتاب الصلاة وحكم تاركها ص/ ٤٣، وعزاه إلى ابن أبي حاتم في سننه. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٤٣٢) حديث ٧٩٧: رواه الطبراني، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة بإسنادين لا بأس بهما. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه سلمة بن شريح، قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وانظر ذيل ميزان الاعتدال ص/ ٢٧٣.
(٢) تقدم تخريجه (١/ ٥٠٩) تعليق رقم ١.
(٣) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (١/ ١٧٤) حديث ١٥٥، وتمام في فوائده (١/ ٨٤) حديث ١٩١، والشهاب القضاعي في مسنده حديث ٢١٦، ٢١٧، عن أنس - ﵁ -. وفي سنده ثواب بن حجيل: ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٨)، وابن أبي حاتم في الجرح (٢/ ٤٧١) وسكتا عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٢٢ - ١٢٣). وأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٦٣) حديث ٥٩٨٦، وابن أبي شيبة (١٤/ ٩٣)، والخرائطي (١/ ١٧٨) حديث ١٦٠، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٣، ٣٦١) حديث ٨٧٠٠، ٩٥٦٢، والبيهقي في سننه (٦/ ٢٨٩)، وفي الشعب (٤/ ٣٢٥) حديث ٥٢٧٣، والخطيب في تاريخه (١٢/ ٨٠) كلهم من طريق شداد بن معقل، عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل - وهو ثقة. =
[ ٢ / ٢٦ ]