فصل
(ويصح الاستجمار بكل طاهر، جامد، مباح، منق، كالحجر، والخشب، والخرق)، لأن في بعض ألفاظ الحديث: "فليذهبْ بثلاثةِ أحجارٍ، أو بثلاثة أعوادٍ، أو بثلاث حثياتٍ من تراب" رواه الدارقطني (^١)، وقال: روي مرفوعًا، والصحيح أنه مرسل.
لأن النبَّيَّ - ﷺ - سئل عن الاستطابة فقال: "بثلاثةِ أحجارٍ، ليس فيها رجيعٌ" (^٢) فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه، لم يستثن الرجيع.
ولمشاركة غير الحجر الحجر في الإزالة.
_________________
(١) سنن الدارقطني (١/ ٥٦) بنحوه من حديث عائشة وابن عباس ﵃، ورواه أيضًا البيهقي (١/ ١١١)، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٤)، والدارقطني والبيهقي عن طاووس مرسلًا، ورواه موقوفًا على طاووس وقال: هذا هو الصحيح عن طاووس من قوله. وضعفها النووي في الخلاصة (١/ ١٦٦). وقال في المجموع (٢/ ١١٦): وهذا ليس بصحيح عن النبي - ﷺ -. وقال ص / ١٢٥: والحديث باطل.
(٢) رواه أبو داود في الطهارة، باب ٢١، حديث ٤١، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٦، حديث ٣١٥، وابن أبي شيبة: (١/ ١٥٤، ١٥٦)، وأحمد: (٥/ ٢١٣، ٢١٤)، والدارمي في الطهارة، باب ١٠، حديث ٦٧٧، والطحاوي (١/ ١٢١)، والطبراني في الكبير (٤/ ٨٦) حديث ٣٧٢٣ - ٣٧٢٨. والدارقطني: (١/ ٥٤). والبيهقي: (١/ ١٠٣)، من حديث خزيمة بن ثابت ﵁. ورواه مسلم في الطهارة حديث ٢٦٢، من حديث سلمان ﵁ قال: قيل له: قد علمكم نبيكم - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة من غائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم.
[ ١ / ١٣٧ ]
وفهم منه أنه لا يصح الاستجمار بنجس، لأن ابن مسعود جاء إلى النبي - ﷺ - بحجرين وروثة ليستجمر بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "هذا ركسٌ" يعني نجسًا، رواه الترمذي (^١). وهذا تعليل منه -﵇- يجب المصير إليه.
ولا بغير جامد كالرخو، والندي؛ لأنه لا يحصل به الإنقاء، فلا يحصل به المقصود كالأملس من زجاج ونحوه.
و(لا) بـ (ـالمغصوب) لأن الاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح على وجه محرم.
(والإنقاء بأحجار ونحوها) كخشب وخرق (إزالة العين) الخارجة من السبيلين (حتى لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء).
(و) الإنقاء (بماء، خشونة المحل) أي: عوده (كما كان) لزوال لزوجة النجاسة وآثارها مع الإتيان بالعدد المعتبر.
(إلا الروث والعظام) فلا يجزئ الاستجمار بهما، لقوله -﵇-: "لا تَسْتنجُوا بالروثِ ولا بالعظامِ، فإنه زادُ إخوانِكُمْ من الجنِّ" رواه مسلم (^٢).
(و) إلا (الطعام ولو لبهيمة) فلا يجزئ الاستجمار به، لأنه -﵇- علل المنع من الروث والعظم بأنه زاد الجن، فزادنا وزاد بهائمنا أولى.
(و) إلا (ما له حرمة كما فيه ذكر الله).
قال جماعة منهم الشارح: (وكتب حديث، وفقه) لما فيه من هتك
_________________
(١) في الطهارة، باب ١٣، حديث ١٧، رواه البخاري في الوضوء، حديث ١٥٦.
(٢) في الصلاة حديث ٤٥٠ بمعناه من حديث ابن مسعود ﵁، وما ذكره المؤلف هو لفظ الترمذي في الطهارة، باب ١٤، حديث ١٨.
[ ١ / ١٣٨ ]
الشريعة والاستخفاف بحرمتها.
قال في "الرعاية": (وكتب مباحة) احترامًا لها.
(و) إلا (ما حرم استعماله كذهب، وفضة) لما تقدم في المغصوب.
(و) إلا (متصلًا بحيوان) كيده وجلده وصوفه، لأن الحيوان له حرمة، ولهذا منعنا مالكه من إطعامه النجاسة.
(و) إلا (جلد سمك، وجلد حيوان مذكى) كحال اتصاله.
(و) إلا (حشيشًا رطبًا) لأنه زاد البهائم، ولا يحصل به الإنقاء. (فيحرم ولا يجزئ) الاستجمار بجميع ما تقدم ذكره.
قلت: الظاهر أن المتنجس من نحو حجر إذا استعمله لتخفيف النجاسة ليتبعه الماء لا يحرم، وليس في كلامهم ما يشمله.
(فإن استجمر بعده بمباح) لم يجزئه ووجب الماء.
(أو استنجى بمائع غير الماء) كالخل (لم يجزئه) الاستجمار (وتعين الماء) كما لو استجمر بنجس.
(وإن استجمر بغير منق) كزجاج (أجزأ الاستجمار بعده بمنق) كحجر؛ لبقاء عين النجاسة، فتزول بالمنقي، بخلاف ما قبل.
(ولا يجزئ) في الاستجمار (أقل من ثلاث مسحات) لقوله -﵇-: "فليذهب معه بثلاثةِ أحجارٍ" رواه أبو داود (^١)، ولقول سلمان: "نهانا يعني النَّبيَّ - ﷺ - أن نستَنْجِيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ" رواه مسلم (^٢)، (إما بحجر ذي ثلاث شعب) لأن الغرض عدد المسحات لا الأحجار، بدليل التعدية إلى ما في معني الحجارة، (أو بثلاثة) أحجار أو ما في معناها، (تعم
_________________
(١) تقدم تخريجه ص / ١١٣، تعليق رقم ١.
(٢) في الطهارة، حديث ٢٦٢.
[ ١ / ١٣٩ ]
كل مسحة المسربة)؛ أي: الدبر (والصفحتين)؛ لأنها إن لم تكن كذلك لم تكن مسحة، بل بعضها. (مع الإنقاء)؛ لأن الغرض إزالة النجاسة.
(ولو استجمر ثلاثة أنفس بثلاثة أحجار، لكل حجر ثلاث شعب، استجمر كل واحد) منهم (بشعبة من كل حجر) أجزأهم لحصول المعنى.
(أو استجمر إنسان بحجر ثم غسله) وجففه سريعًا (أو كسر ما تنجس منه، ثم استجمر به ثانيًا ثم فعل ذلك) أي: الغسل أو الكسر (واستجمر به ثالثًا أجزأه، لحصول المعنى).
(والإنقاء) بثلاث مسحات بمنق طاهر.
(فإن لم ينق) بثلاث مسحات (زاد حتى ينقى)؛ لأن الغرض إزالة النجاسة، فيجب التكرار إلى أن تزول.
(ويسن قطعه على وتر إن زاد على الثلاث) فإن أنقى برابعة زاد خامسة، وإن أنقى بسادسة زاد سابعة، وهكذا؛ لقوله -﵇-: "من استجمر فليوترْ" متفق عليه (^١).
(وإذا أتى بالعدد المعتبر) كالسبع في الماء، والثلاث في الحجر ونحوه (اكتفى في زوال النجاسة بغلبة الظن)؛ لأن أعتبار اليقين حرج، وهو منتف شرعًا.
(وأثر الاستجمار نجس يعفى عن يسيره) في محله للمشقة.
(ويجب الاستنجاء أو الاستجمار من كل خارج) من السيلين معتاد كالبول، أو لا كالمذي، لقوله تعالى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (^٢)؛ لأنه يعم كل مكان
_________________
(١) البخاري في الوضوء، باب ٢٥، ٢٦، حديث ١٦١، ١٦٢ . ومسلم في الطهارة، حديث ٢٣٧، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) سورة المدثر، الآية: ٥.
[ ١ / ١٤٠ ]
ومحل من ثوب وبدن، ولقوله -﵇-: "إذا ذهبَ أحدُكم إلي الغائطِ فليذهبْ بثلاثةِ أحجارٍ فإنها تُجزئ عنه" رواه أبو داود (^١)، والأمر للوجوب. وقال: إنها تجزئ، ولفظ الإجزاء ظاهر فيما يجب.
(إلا الريح) لقوله -﵇-: "من استَنْجَى من ريحٍ فليس مَنَّا" رواه الطبراني في "معجمه الصغير" (^٢)، قال الإمام أحمد: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله.
(وهي طاهرة فلا تنجس ماء يسيرًا) لاقته خلافًا "للنهاية"، وقال في "المبهج": لأنها عرض بإجماع الأصوليين. وعورض بأن للريح الخارجة من الدبر رائحة منتنة قائمة بها، ولا شك في كون الرائحة عرضًا، فلو كانت الريح أيضًا عرضًا لزم قيام العرض بالعرض. وهو غير جائز عند المتكلمين.
(و) إلا (الطاهر) كالمني، والولد العاري عن الدم.
(و) إلا (غير الملوث) كالبعر الناشف، لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة هنا، وكيف يستنجي، أو يستجمر من طاهر، وكيف يحصل الإنقاء بالأحجار في غير الملوث.
_________________
(١) تقدم: تخريجه ص / ١١٣، تعليق رقم ١.
(٢) لم نجده في المعجم الصغير للطبراني. وقد رواه ابن عدي (٤/ ١٣٥٢)، والسهمي في تاريخ جرجان ص / ٣٤٦. وابن عساكر (٥٣/ ٤٩) من طريق شرقي بن قطامي عن أبي الزبير عن جابر ﵁ مرفوعًا. وقال ابن عدي: وليس لشرقي هذا من الحديث إلا قدر عشرة أو نحوه، وفي بعض ما رواه مناكير. وترجمه الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٨) وقال: ضعفه زكريا الساجي. وأورد السيوطي هذا الحديث في الجامع الصغير (فيض القدير ٦/ ٦٠) ورمز لضعفه. وانظر فردوس الأخبار (٣/ ٤٦٣) حديث ٥٣١٧.
[ ١ / ١٤١ ]
وصحح في "الإنصاف" وجوب الاستجمار منهما، لكن خالفه في "التنقيح".
(فإن توضأ) من وجب عليه الاستنجاء (أو تيمم قبله لم يصح) وضوؤه أو تيممه، لقوله ﵇ في حديث المقداد المتفق عليه: "يغسِلُ ذكرَه ثم يتوضَّأ" (^١). ولأن الوضوء طهارة يبطلها الحدث؛ فاشترط تقديم الاستنجاء عليه كالتيمم.
(وإن كانت النجاسة على غير السبيلين أو) كانت (عليهما غير خارجة منهما صح الوضوء والتيمم قبل زوالها) أي: النجاسة، لأن النجاسة غير الخارجة من السبيلين لم تكن موجبة للطهارتين في الجملة، فلم تجعل إحداهما تابعة للأخرى، بخلاف الخارجة منهما.
(ويحرم منع المحتاج إلى الطهَّارة) بتشديد الهاء، أي: الميضأة المعدَّة للتطهير والحش. (قال الشيخ: ولو وقفت على طائفة معينة كمدرسة ورباط. ولو) كانت (في ملكه)؛ لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع، فإنما يسوغ مع الاستغناء.
(وقال) الشيخ: (إن كان في دخول أهل الذمة مطهرة المسلمين تضييق، أو تنجيس، أو إفساد ماء، ونحوه وجب منعهم). قلت: ومثلهم من يقصد من الرافضة الإفساد على أهل السنة والجماعة (وإن لم يكن ضرر ولهم) أي: لأهل الذمة (ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين، فليس لهم مزاحمتهم).
_________________
(١) البخاري في الغسل، باب ١٣، حديث ٢٦٩، ومسلم في الحيض، حديث ٣٠٣.
[ ١ / ١٤٢ ]