فصل
في الأغسال المستحبة، وهي ستة عشر. وفي صفة الغسل، وما يتعلق بذلك.
(يسن الغسل لصلاة الجمعة) لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "غسلُ الجمعةِ واجِبٌ على كلِّ محتَلم" (^١).
وقوله - ﷺ -: "من جاءَ منكمُ الجمعةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (^٢) متفق عليهما.
وقوله: "واجب" معناه متأكد الاستحباب، كما تقول: حقك واجب عليَّ، ويدل عليه ما روى الحسن عن سمرة بن جندب أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "من توضأ يومَ الجمعةِ فبِهَا وَنِعمتْ، ومنْ اغتسلَ فالغُسْلُ أفضَلُ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (^٣) وإسناده جيد إلى الحسن، واختلف في سماعه من
_________________
(١) رواه البخاري في الأذان، باب ١٦١، حديث ٨٥٨، وفي الجمعة، باب ٢، حديث ٨٧٩، وباب ٣، حديث ٨٨٠، وباب ١٢، حديث ٨٩٥، وفي الشهادات، باب ١٨، حديث ٢٦٦٥، ومسلم في الجمعة، حديث ٨٤٦، بلفظ: "غسل يوم الجمعة ..".
(٢) البخاري في الجمعة، باب ٢، حديث ٨٧٧، وباب ١٢، حديث ٨٩٤، وباب ٢٦، حديث ٩١٩، ومسلم في الجمعة، حديث ٨٤٤، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٣) أحمد: (٥/ ٨، ١١، ١٥، ١٦، ٢٢)، وأبو داود في الطهارة، باب ١٣٠، حديث ٣٥٤، والترمذي في الصلاة، باب ٥، حديث ٤٩٧، والنسائي في الجمعة، باب ٩، حديث ١٣٧٩، وفي الكبرى (١/ ٥٢٢) حديث ١٦٨٤، وابن أبي شيبة (٢/ ٩٧)، والدارمي في الصلاة، باب ١٩٠، حديث ١٥٤٨، وابن الجارود (٢٨٥)، والروياني (٢/ ٤٢) حديث ٧٨٧، وابن خزيمة: (٣/ ١٢٨)، والطحاوي =
[ ١ / ٣٥١ ]
سمرة، ونقل الأثرم عن أحمد: لا يصح سماعه منه، ويعضده "أن عثمانَ أتى الجمعة بغيْرِ غسْلٍ" (^١).
(لحاضرها) أي: الجمعة؛ لما تقدم من قوله - ﷺ - "من جاءَ مِنْكُم الجمعةَ" (^٢). (في يومها) أي: يوم الجمعة، وأوله من طلوع الفجر، فلا يجزئ الاغتسال قبله (إن صلاها) أي: الجمعة، ولو لم تجب عليه، كالعبد؛ لعموم: "من جاءَ مِنكُم الجمعَةَ".
و(لا) يستحب غسل الجمعة (لامرأة، نصًا) لظاهر قوله - ﷺ -: "من أتَى مِنْكُم الجمعة فليغْتَسِلْ" (^٣).
(والأفضل) أن يغتسل (عند مضيه إليها) أي: إلى الجمعة، لأنه أبلغ في المقصود.
_________________
(١) = (١/ ١١٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٩) حديث ٦٨١٧ - ٦٨٢٠، والبيهقي (١/ ٢٩٥، ٢٩٦)، والخطيب في تاريخه (٢/ ٣٥٢)، والبغوي (٢/ ١٦٤) حديث ٣٣٥ كلهم من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة - ﵁ - مرفوعًا، ورواه البيهقي (١/ ٢٩٦) عن الحسن مرسلًا. وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن … وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٢١٩): وهو صحيح على شرط البخاري، لأنه يصحح حديث الحسن، عن سمرة: مطلقًا، والترمذي فعل مثل ذلك في غير هذا الموضع، ولعله لم يفعل ذلك هنا لأجل الرواية الأخرى المرسلة. اهـ. والحديث حسنه النووي في المجموع (٤/ ٥٣٣).
(٢) رواه البخاري في الجمعة، باب ٢، ٥، حديث ٨٧٨، ٨٨٢، ومسلم في الجمعة، حديث ٨٤٥، من حديث ابن عمر، وأبي هريرة - ﵃ -.
(٣) تقدم تخريجه ص/ ٣٥١ تعليق ٢.
(٤) تقدم تخريجه ص/ ٣٥١ تعليق رقم ٢ بلفظ: من جاء منكم الجمعة.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وأن يكون (عن جماع) للخبر الآتي في باب الجمعة.
(فإن اغتسل ثم أحدث) حدثًا أصغر (أجزأه الغسل) المتقدم؛ لأن الحدث لا يبطله، (وكفاه الوضوء) لحدثه.
(وهو) أي: غسل الجمعة (آكد الأغسال المسنونة) لما تقدم. قال في "الإنصاف": الصحيح من المذهب أن الغسل للجمعة آكد الأغسال، ثم بعده الغسل من غسل الميت، صححه في "الرعاية".
(و) يسن الغسل أيضًا لصلاة (عيد)؛ لأن النبي - ﷺ - "كان يغتَسِلُ لِذَلِك" رواه ابن ماجه (^١) من طريقين، وفيهما ضعف.
_________________
(١) في إقامة الصلاة، باب ١٦٩، حديث ١٣١٥، ١٣١٦. من حديث ابن عباس، والفاكه بن سعد - ﵃ -، وحديث ابن عباس رواه - أيضًا - ابن عدي (٢/ ٦٤٦)، والبيهقي (٣/ ٢٧٨) ولفظه: كان رسول الله - ﷺ - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٢٣٨): "هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة، وكذلك حجاج، ومع ضعفه قال فيه العقيلي: روى عنه ميمون بن مهران أحاديث لا يتابع عليها". وضعفه - أيضًا - ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٢٣١)، والنووي في المجموع (٥/ ٧)، والخلاصة (٢/ ٨٢٠)، والحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٨٠)، والدراية (١/ ٥٠). وأما حديث الفاكه بن سعد فرواه - أيضًا - عبد الله بن أحمد من زياداته (٤/ ٧٨)، والدولابي في الكنى والأسماء (١/ ٨٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٣٦) حديث ٨٧٤، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٠) حديث ٨٢٨، والبغوي في معجم الصحابة، والبارودي كما في الإصابة (٨/ ٨٠) بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل يوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٢٣٩): "هذا إسناد ضعيف لضعف يوسف بن خالد، قال ابن معين: كذاب خبيث زنديق، قلت: وكذبه غير واحد، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث". =
[ ١ / ٣٥٣ ]
ولأنها صلاة شرعت لها الجماعة، أشبهت الجمعة (في يومها) أي: العيد، فلا يجزيء قبل طلوع الفجر. وقال ابن عقيل: المنصوص عن أحمد: أنَّه قبل الفجر وبعده، لأن زمن العيد أضيق من الجمعة (لحاضرها) أي: العيد (إن صلى) العيد (ولو) صلى (وحده إن صحت صلاة المنفرد فيها) بأن صلى بعد صلاة العدد المعتبر، وفي "التلخيص": إن حضر ولو لم يصل، ومثله الزينة، والطيب، لأنه يوم الزينة، بخلاف يوم الجمعة.
(و) يسن الاغتسال (لـ) ـصلاة (كسوف، واستسقاء) لأنها عبادة يجتمع لها الناس، أشبهت الجمعة، والعيدين (^١).
(و) يسن الغسل (من غسل ميت مسلم، أو كافر) لما روى أبو هريرة مرفوعًا: "من غسلَ ميتًا فليغْتَسِلْ، ومن حَملَهُ فليَتَوضَّأ" رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^٢)، وحسنه، وصحح جماعة وقفه عليه، وعن
_________________
(١) = وضعفه -أيضًا- ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٢٣١)، والنووي في الخلاصة (٢/ ٨٢٠)، والمجموع (٥/ ٧)، والحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٨٠)، والدراية (١/ ٥٠)، والإصابة (٨/ ٨٠). وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٨٥): وعلة الحديث يوسف بن خالد السمتي. قال في "الإمام": تكلموا فأفظعوا فيه.
(٢) قال العلامة ابن القيم -﵀- في زاد المعاد (١/ ٤٣٢) بعد كلام له: "فلذلك كان الصحيح أنَّه لا يسن الغسل للمبيت بمزدلفة، ولا لرمي الجمار، ولا للطواف، ولا للكسوف، ولا للاستسقاء؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات". اهـ.
(٣) أحمد: (٢/ ٢٧٢، ٢٨٠، ٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢)، وأبو داود في الجنائز، باب ٣٩، حديث ٣١٦١، والترمذي في الجنائز، باب ١٧، حديث ٩٩٣. وقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا. وأخرجه -أيضًا- البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧)، وابن ماجه في الجنائز، =
[ ١ / ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = باب ٨، حديث ١٤٦٣، والطيالسي (٣٠٥) حديث ٢٣١٤، وعبد الرزاق (٣/ ٤٠٧) حديث ٦١١٠، ٦١١١، وابن أبي شيبة: (٣/ ٢٦٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧)، وابن حبان (٤/ ٤٣٥) حديث ١١٦١، والطبراني في الأوسط (١/ ٥٢٦، ٥٢٧) حديث ٩٨٩، ٩٩٠، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص/٥٣، ٥٤، حديث ٣٢، ٣٣، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٩)، والبيهقي (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١٦٨) حديث ٣٣٩ مرفوعًا. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٥٠) حديث ٢٩٦٧، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص / ٥٦، حديث ٣٥، والبيهقي (١/ ٣٠٢) موقوفًا. قال البخاري: وهذا أشبه، وقال أبو حاتم: هذا يعني المرفوع خطأ، إنما هو موقوف عن أبي هريرة لا يرفعه الثقات. العلل لابنه (١/ ٣٥١)، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (٢/ ١٣٤): والموقوف أصح، وكذلك رجح الموقوف في السنن الكبرى (١/ ٣٠٢) وضعف المرفوع. وصحح المرفوع جماعة من الأئمة عنهم الترمذي، والبغوى كما تقدم تحسينهما. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٣٧): وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوء أحواله أن يكون حسنًا … وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي (١/ ٣٠٢): طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، ولم يعلوها بالوقف، بل قدموا رواية الرفع. وضعفه جماعة من الأئمة منهم الشافعي في الأم (١/ ٣٨)، والإمام أحمد في مسائل عبد الله (١/ ٧٨ - ٧٩)، ومسائل صالح (١/ ٤٦٠)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٥١)؛ والنووي في الخلاصة (٢/ ٩٤١)، وفي المجموع (٢/ ٢٠٣)، وقال في شرح صحيح مسلم (٧/ ٦): ضعيف بالاتفاق. وانظر بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٥).
[ ١ / ٣٥٥ ]
علي (^١) نحوه، وهو محمول على الاستحباب، لأن أسماء (^٢) غسلت أبا بكر وسألت: "هل عليَّ غسلٌ؟ قالُوا: لا" رواه مالك مرسلًا (^٣).
(و) يسن الغسل لإفاقة من (جنون، أو إغماء بلا إنزال مني) فيهما، قال
_________________
(١) روى أبو داود في الجنائز، باب ٧٠، حديث ٣٢١٤، والنسائي في الطهارة، باب ١٢٨، حديث ١٩٠، وفي الجنائز، باب ٨٤، حديث ٢٠٠٥، والطيالسي ص/ ١٩، حديث ١٢٠، والشافعي في الأم (٧/ ١٥١)، وعبد الرزاق (٦/ ٣٩) حديث ٩٩٣٦، وسعيد بن منصور (٥/ ٢٨١) حديث ١٠٢٤، وابن سعد (١/ ١٢٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٩، ٣٤٧)، وابن الجارود (٥٥٠)، وأبو يعلى (١/ ٣٣٤)، حديث ٤٢٣، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٤٣) حديث ٢٩٥٢، والدارقطني في العلل (٤/ ١٤٦)، وابن حزم في المحلى (٥/ ١١٧)، والبيهقي (١/ ٣٠٤، ٣/ ٣٩٨)، وفي معرفة السنن والآثار (٢/ ١٣٦)، حديث ٢١٣١، وفي الخلافيات (٣/ ٣٩١) حديث ١٠٠٦، ١٠٠٧، عن علي ﵁ قال: قلت للنبي - ﷺ -: إن عمك الشيخ الضال مات، فمن يواريه؟ قال: إذهب، فوارِ أباك، ولا تحدثن حدثًا حتى تأتيني، فواريته، ثم جئت، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي. ورواه سعيد بن منصور (٥/ ٢٨٧) حديث ١٠٤٢، وأحمد (١/ ١٠٣)، وأبو يعلى (١/ ٣٣٥) حديث ٤٢٤، والبيهقي (١/ ٣٠٥)، والضياء في المختارة (٢/ ٢٧٦) حديث ٦٥٦، وزادوا: وكان علي إذا غسل ميتًا اغتسل. قال النووي في المجموع (٥/ ١٨٥)، والخلاصة (٢/ ٩٤٠): رواه البيهقي من طرق، وقال: هو حديث باطل، وأسانيده كلها ضعيفة، وبعضها منكر. ا هـ. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ١١٤): ومدار كلام البيهقي على أنَّه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقد قال الرافعي. إنه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه.
(٢) أي: بنت عميس وهي امرأة أبي بكر ﵁. "ش".
(٣) في "الموطأ": (١/ ٢٢٣)، وضعفه ابن حزم في "المحلى" بالانقطاع: (٢/ ٣٤). وقال النووي في المجموع (٥/ ١٢٠): هذا الإسناد منقطع.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ابن المنذر (^١): "ثبت أن النَّبيَّ - ﷺ - اغتَسَلَ من الإغماء" متفق عليه (^٢) من حديث عائشة. والجنون في معناه، بل أولى.
(ومعه يجب) أي: إن تيقن معهما الإنزال وجب الغسل؛ لأنه من جملة الموجبات كالنائم، وإن وجد بعد الإفاقة بلة لم يجب الغسل. قال الزركشي: على المعروف من المذهب؛ لأنه يحتمل أن يكون لغير شهوة، أو مرض. ذكره في "المبدع"، واقتصر عليه، لكن تقدم التفصيل فيما إذا أفاق نائم، ونحوه، ووجد بللًا.
(و) يسن الغسل (لاستحاضة لكل صلاة)؛ لأن أم حبيبة استحيضت فسألت النَّبيَّ - ﷺ - عن ذلك "فأمَرَهَا أن تغتَسِل فكانت تغتسل عند كلِّ صلاةٍ" متفق عليه (^٣)، وفي غير الصحيح "أنهُ أمرَهَا بِهِ لكُلِّ صلاةٍ" (^٤).
_________________
(١) الأوسط (١/ ١٥٥).
(٢) البخاري في الأذان، باب ٥١، حديث ٦٨٧، ومسلم في الصلاة، حديث ٤١٨.
(٣) البخاري في الحيض، باب ٢٦، حديث ٣٢٧، ومسلم في الحيض، حديث ٣٣٤، وزاد مسلم قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله - ﷺ - أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
(٤) رواه أبو داود في الطهارة، باب ١١١، حديث ٢٩٢، والطحاوي في "شرح معاني الآثار": (١/ ٩٨)، والبيهقي (١/ ٣٤٩، ٣٥٠) وضعفه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ٤٢٧): وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير، وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث، فأمرها بالغسل لكل صلاة، فقد طعن الحافظ في هذه الزيادة لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، وقد صرح الليث كما تقدم عند مسلم بأن الزهري لم يذكرها، لكن روى أبو داود حديث ٢٩٣ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن زينت بنت أبي سلمة في هذه القصة فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فيحمل الأمر على الندب جمعًا بين الروايتين، هذه ورواية عكرمة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وعن عائشة أن زينب بنت جحش استحيضت فقال لها النَّبيُّ - ﷺ -: "اغتسِلي لكلِّ صلاةٍ" رواه أبو داود (^١).
(و) يسن الغسل (لإحرام) لما روى زيد بن ثابت أن النَّبيَّ - ﷺ - "تجرد لإهلَالِهِ واغْتَسَلَ" رواه الترمذي وحسنه (^٢).
وظاهره: ولو مع حيض، ونفاس، وصرح به في "المنتهى"، لأن أسماء بنت عميس نفست (^٣) بمحمد بن أبي بكر بالشجرة "فأمر النَّبيُّ - ﷺ - أبا بكرٍ أن يأمرَهَا أن تغْتَسِلَ وتُهل" رواه مسلم (^٤) من حديث عائشة.
_________________
(١) في الطهارة، باب ١١١، عقب حديث ٢٩٢، قال: ورواه أبو الوليد الطيالسي -ولم أسمعه منه- عن سليمان بن كثير، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، به.
(٢) في الحج، باب ١٦، حديث ٨٣٠، ورواه -أيضًا- الدارمي في الحج، باب ٦، حديث ١٨٠١، وابن خزيمة (٤/ ١٦١) حديث ٢٥٩٥، والعقيلي (٤/ ١٣٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٣٥) حديث ٤٨٦٢، والدارقطني (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١)، والبيهقي (٥/ ٣٢ - ٣٣)، وقال الترمذي: حسن غريب. وضعفه العقيلي، والبيهقي، وقال ابن الملقن في مختصر البدر المنير (١/ ٣٥٦): وذكره ابن السكن في صحاحه، وضعفه ابن القطان. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٣١): وهو من رواية ابن أبي الزناد، وفيه من لا يعرف. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس ﵄ رواه الحاكم (١/ ٤٤٧)، والدارقطني (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠)، والبيهقي (٥/ ٣٣)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ومن حديث ابن عمر ﵄ رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٧٤)، والبزار "كشف الأستار" (٢/ ١١) حديث ١٠٨٤، والدارقطني (٢/ ٢٢٠)، والحاكم (١/ ٤٤٧)، والبيهقي (٥/ ٣٣)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٣) يقال: نفست المرأة بضم النون إذا ولدت، وبفتحها إذا حاضت. "ش".
(٤) في الحج، حديث ١٢٠٩.
[ ١ / ٣٥٨ ]
(ودخول مكة) ولو مع حيض، قاله في "المستوعب" لفعله - ﷺ -، متفق عليه (^١).
وظاهره: ولو بالحرم، كالذي بمنى، إذا أراد دخول مكة، فيسن له الغسل لذلك.
(ودخول حرمها) أي: حرم مكة (نصًا)، نص عليه في رواية صالح.
(ووقوف بعرفة) رواه مالك (^٢) عن نافع عن ابن عمر، ورواه الشافعي (^٣) عن علي، ورواه ابن ماجه (^٤) مرفوعًا.
(ومبيت بمزدلفة، ورمي جمار، وطواف زيارة، و) طواف (وداع) لأنها أنساك يجتمع لها الناس ويزدحمون، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضًا به فاستحب كالجمعة.
(ويتيمم للكل، لحاجة) أي: يتيمم لما يسن له الغسل، إذا عدم الماء أو تضرر باستعماله، ونحوه مما يبيح التيمم، كما لو أراد الجنب الصلاة ونحوها.
(و) يسن التيمم أيضًا (لما يسن له الوضوء) كالقراءة، والذكر، والأذان، ورفع الشك، والكلام المحرم (لعذر) يبيح التيمم.
(ولا يستحب الغسل لدخول طيبة) وهي مدينة النَّبيِّ - ﷺ -.
_________________
(١) البخاري في الحج، باب ٢٩، ٣٨، حديث ١٥٥٣، ١٥٧٣، ومسلم في الحج، حديث ١٢٥٩ (٢٢٧).
(٢) في الموطأ الحج باب ١ (١/ ٣٢٢).
(٣) ترتيب مسنده (١/ ٤٠) حديث ١١٤، ورواه -أيضًا- البيهقي (٣/ ٢٧٨).
(٤) سنن ابن ماجه إقامة الصلاة باب ١٦٩، حديث ١٣١٦ عن الفاكه ﵁.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال في "المبدع": ونص أحمد ولزيارة قبر النَّبيِّ - ﷺ - (^١)، أي: يغتسل لها. (ولا للحجامة) لأنه دم خارج، أشبه الرعاف.
وأما حديث عائشة مرفوعًا: "يغتسل من أربع: من الجمعةِ، والجنابةِ، والحجامةِ، وغسلِ الميتِ" رواه أبو داود (^٢)، ففيه مصعب بن شيبة، قال
_________________
(١) هذا حكم شرعي يحتاج إلي دليل، ولا دليل عليه.
(٢) فى الطهارة، باب ١٢٩، حديث ٣٤٨، وفي الجنائز، باب ٣٩، حديث ٣١٦٠. ورواه -أيضًا- ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٨١) حديث ٥٤٩، وأحمد (٦/ ١٥٢)، وابن خزيمة (١/ ١٢٦) حديث ٢٥٦، والعقيلي (٤/ ١٩٧)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص / ٦٠ حديث ٤٠، والدارقطني (١/ ١١٣، ١٣٤)، والحاكم (١/ ١٦٣)، والبيهقي (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، وفي الخلافيات (٣/ ٢٦٨، ٢٧١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٧٨) وفي سنده مصعب بن شيبة، قال أبو داود في الجنائز (٣/ ٥١٣): وحديث مصعب ضعيف، فيه خصال ليس العمل عليه، ونقل العقيلي عن الإمام أحمد: ذاك حديث منكر. وحكي الترمذي في العلل الكبير ص/ ١٤٣ عن البخاري، أنه قال: وحديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك. وقال أبو زرعة (العلل لابن أبي حاتم ١/ ٤٩): لا يصح هذا، رواه مصعب بن شيبة وليس بقوي. قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي، ولا بالحافظ، ضعيف. وضعفه -أيضًا- النووي في الخلاصة (٢/ ٩٤٢)، المجموع (٥/ ١٨٥). وأما الحاكم فصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال ابن الملقن في تحفة المحتاج (١/ ٥١٥): وصححه ابن خزيمة … وقال المحب في أحكامه: إسناده على شرط مسلم، وجزم بذلك الشيخ تقي الدين في آخر الاقتراح (ص/ ٥٠٤ - ٥٠٥) وذكره في إلمامه (ص/ ٤٩ رقم ١٠٨). اهـ. وقال مجد الدين ابن تيمية في المنتقى (١/ ١٤٧): وهذا الإسناد على شرط مسلم، لكن قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي، ولا بالحافظ.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ، وقال أحمد: إن أحاديثه مناكير، وإن هذا الحديث منها.
(و) لا يستحب الغسل أيضًا (لبلوغ) بغير إنزال (وكل اجتماع) مستحب، ولا (^١)، لغير ما تقدم.
(والغسل) إما كامل وإما مجزئ.
فـ (ـالكامل) المشتمل على الواجبات، والسنن: (أن ينوي) أي: يقصد رفع الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة ونحوها.
(ثم يسمي) فيقول: باسم الله -لا يقوم غيرها مقامها-.
(ثم يغسل يديه ثلاثًا) كالوضوء، لكن هنا آكد باعتبار رفع الحدث عنهما، ولفعله - ﷺ - في حديث ميمونة: "فغسلَ كفَّيْهِ مرَّتينِ أو ثلاثًا" (^٢)، ويكون قبل إدخالهما الإناء، ذكره في "الكافي" وغيره.
(ثم يغسل ما لوثه من أذى) لحديث عائشة: "فيفرغُ بِيمينهِ على شمالِهِ فيغسل فرجَهُ" (^٣). وظاهره: لا فرق بين أن يكون على فرجه، أو بقية بدنه، وسواء كان نجسًا كما صرح به في "المحرر"، أو مستقذرًا طاهرًا، كالمني، كما ذكره بعضهم.
(ثم يضرب بيده الأرض، أو الحائط مرتين، أو ثلاثًا) لحديث عائشة. المتفق عليه (^٤).
_________________
(١) في "ح": "أو لا" وهو الأقرب.
(٢) رواه البخاري في الغسل، باب ٥، حديث ٢٥٧، وباب ١٠، حديث ٢٦٥، وباب ١٦، حديث ٢٧٤، ومسلم في الحيض، حديث ٣١٧.
(٣) رواه مسلم في الحيض، حديث ٣١٦.
(٤) هذه الجملة ليست في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ وإنما هي من حديث ميمونة ﵂ المتقدم تخريجه آنفًا، وأما من حديث عائشة فرواه أبو داود في الطهارة، باب ٩٨، حديث ٢٤٣، ٢٤٤، وأحمد (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧) بنحوه.
[ ١ / ٣٦١ ]
(ثم يتوضأ كاملًا) لقوله - ﷺ -: "ثم يتوضأ وضُوءهُ للصَّلاةِ" (^١) وعنه: يؤخر غسل رجليه لحديث ميمونة (^٢).
(ثم يحثي على رأسه ثلاثًا، يروي بكل مرة أصول شعره) لقول ميمونة: "ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثَيات" (^٣).
ولقول عائشة: "ثم يأخذ الماءَ فيُدخِلُ أصابِعَه في أصُول الشعر، حتَّى إذا رأى أنَّه قد استَبْرَأ حفَنَ على رأسِهِ ثلاث حَفَنات" (^٤).
ولقوله - ﷺ -: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جَنَابَةٌ، فاغْسِلُوا الشَّعْرَ وأنْقُوا البَشَرَةَ" رواه أبو داود (^٥)، يقال: حثوت أحثو حثوًا، كغزوت، وحثيت أحثي حثيًا، كرميت.
_________________
(١) رواه البخاري في الغسل، باب ١، ١٥، حديث ٢٤٨، ٢٧٢، ومسلم في الحيض حديث ٣١٦ من حديث عائشة ﵂، وروياه -أيضًا- من حديث ميمونة ﵂. وقد تقدم تخريجه ص/ ٣٥٩ تعليق ٢.
(٢) رواه البخاري في الغسل، باب ١، ٥، ٧، ٨، ١٠، ١١، ١٦، ١٨، ٢١، حديث ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١، ومسلم حديث ٣١٧.
(٣) رواه مسلم في الحيض، حديث ٣١٧، ولفظه: ثلاث حفنات، وعند البخاري في الغسل باب ٧، ١٦، حديث ٢٥٩، ٢٧٤ بلفظ: أفاض على رأسه الماء. وفي لفظ له حديث رقم ٢٧٦: ثم صب على رأسه.
(٤) رواه مسلم في الحيض، حديث ٣١٦. ورواه البخاري في الغسل، باب ١، حديث ٢٤٨، وباب ١٥، حديث ٢٧٢ بنحوه.
(٥) في الطهارة، باب ٩٨، حديث ٢٤٨، ورواه -أيضًا- الترمذي في الطهارة، باب ٧٨، حديث ١٠٦، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٠٦، حديث ٥٩٧، والبيهقي: (١/ ١٧٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٨٨)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٣٧٥) حديث ٦٢١، كلهم من حديث الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁. قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر =
[ ١ / ٣٦٢ ]
واستحب الموفق وغيره تخليل أصول شعر رأسه قبل إفاضة الماء عليه، لحديث عائشة (^١).
(ثم يفيض الماء على بقية جسده) لقول عائشة: "ثم أفاضَ على سائِر جَسدِهِ" (^٢) ولقول ميمونة: "ثم غَسَلَ سائرَ جسَدِهِ" (^٣) (ثلاثًا) قياسًا على الوضوء (يبدأ بشقه الأيمن، ثم) بشقه (الأيسر) لما تقدم أنَّه - ﷺ - (كان يعجِبُهُ التيمنُ في طهورِهِ" (^٤).
(ويدلك بدنه بيده) (^٥) لأنه أنقى، وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه، وبه يخرج من الخلاف (^٦). قال في "الشرح": يستحب إمرار يديه على جسده في الغسل والوضوء، ولا يجب إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده.
_________________
(١) = وهو ضعيف. وقال الترمذي: "حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه لا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك … وقال أبو حاتم (العلل ١/ ٢٩): هذا حديث منكر، والحارث، ضعيف الحديث. وضعفه -أيضًا- الدارقطني في "العلل" (٨/ ١٠٣)، والنووي في "الخلاصة" (١/ ١٩٧)، و"المجموع" (١/ ٣٦٦)، وقال الحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ١٤٢): ومداره على الحارث بن وجيه وهو ضعيف جدًا.
(٢) رواه البخاري، ومسلم، وقد تقدم تخريجه آنفًا.
(٣) رواه مسلم في الحيض حديث ٣١٦، ورواه البخاري في الغسل، باب ١ حديث ٢٤٨ بلفظ: ثم يفيض على جلده كله.
(٤) رواه مسلم في الحيض حديث ٣١٧، ورواه البخاري في الغسل، باب ٥، ١٠، ١١، ١٦، ١٨، ٢١، حديث ٢٥٧، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ بنحوه.
(٥) تقدم تخريجه ص/ ١٥٠ تعليق رقم ٢.
(٦) في "ح" و"ذ": "بيديه".
(٧) يعني خلاف الإمام مالك لقوله بوجوب ذلك. انظر المدونة (١/ ٢٧).
[ ١ / ٣٦٣ ]
(ويتفقد أصول شعره) لقوله - ﷺ -: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةٌ" (^١) (وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه، وإبطيه، وعمق سرته، وحالبيه) قال في "الصحاح" (^٢): الحالبان عرقان يكتنفان السرة (وبين أليتيه، وطي ركبتيه) ليصل الماء إليها.
(ويكفي الظن في الإسباغ) أي: في وصول الماء إلى البشرة؛ لأن اعتبار اليقين حرج ومشقة.
(ثم يتحول عن موضعه، فيغسل قدميه، ولو) كان (في حمام ونحوه) مما لا طين فيه، لقول ميمونة: "ثمَّ تنحَّى عنْ مقامِهِ فغسلَ رجليْهِ" (^٣).
(وإن أخر غسل قدميه في وضوئه، فغسلهما آخر غسله، فلا بأس) لوروده في حديث ميمونة.
(وتسن موالاة) في الغسل بين غسل جميع أجزاء البدن، لفعله - ﷺ -.
(ولا تجب) الموالاة في الغسل (كالترتيب)؛ لأن البدن شيء واحد، بخلاف أعضاء الوضوء، (فلو اغتسل إلا أعضاء الوضوء) ثم أراد غسلها من الحدثين (لم يجب الترتيب فيها) ولا الموالاة (لأن حكم الجنابة باق.
وإن فاتت الموالاة) قبل إتمام الغسل، بأن جف ما غسله من بدنه بزمن معتدل، وأراد أن يتم غسله (جدد لإتمامه نية وجوبًا) لانقطاع النية بفوات الموالاة، فيقع غسل ما بقي بدون نية.
(ويسن سدر في غسل كافر أسلم) لحديث قيس بن عاصم: "أنهُ أسلَم، فأمرهُ النَّبيُّ - ﷺ - أن يغتسل بماءٍ وسدرٍ" رواه أحمد، وأبو داود،
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٣٦٢ تعليق رقم ٥.
(٢) (١/ ١١٥).
(٣) تقدم تخريجه ص/ ٣٦٢ تعليق رقم ٢.
[ ١ / ٣٦٤ ]
والترمذي (^١) وحسنه.
(و) يسن (إزالة شعره، فيحلق رأسه، إن كان رجلًا) ويأخذ عانته، وإبطه مطلقًا، لقوله - ﷺ - لرجل أسلم: "ألقِ عنكَ شعرَ الكفرِ، واختَتِنْ" رواه أبو داود (^٢).
(ويغسل ثيابه) قاله أحمد (^٣)، قال بعضهم: إن قلنا بنجاستها، وجب وإلا استحب.
(ويختتن) الكافر إذا أسلم (وجوبًا بشرطه)، وهو أن يكون مكلفًا، وأن لا يخاف على نفسه منه.
(ويسن في غسل حيض، ونفاس سدر) لحديث عائشة أن النَّبيَّ - ﷺ - قال لها: "إذا كنتِ حائضًا خذِي ماءكِ وسدْرَكِ وامتَشطِي" (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٣٣٦ تعليق رقم ١.
(٢) في الطهارة، باب ١٣١، حديث ٣٥٦، ورواه عبد الرزاق (٦/ ١٠، ١٠/ ٣١٨) وأحمد (٣/ ٤١٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٣١٦، ٥/ ٢٦٩)، حديث ١٦٩٢، ٢٧٩٥، والبيهقي (١/ ١٧٢) كلهم من طريق ابن جريج، قال: أخبرت عن عثيم بن كليب، عن أبيه عن جده مرفوعًا. قال ابن أبي حاتم: في الجرح والتعديل (٧/ ١٦٧) كليب والد عثيم بصري روى عن أبيه مرسلًا، ونقل ذلك المنذري في مختصر سنن أبي داود (١/ ٢١٩) وأقره وزاد: "وفيه أيضًا رواية مجهول".
(٣) الجامع للخلال -أهل الملل والردة- (١/ ١١٤).
(٤) لم نجده بهذا السياق، وقد روى الدارمي في الطهارة، باب ٨٣، حديث ٧٧٩، وابن الجارود (١١٧) عن عائشة ﵂ قالت: سألت امرأة من الأنصار رسول الله - ﷺ - عن الحيض قال: خذي ماءك وسدرك، ثم اغتسلي، وأنقي … الحديث. ورواه -أيضًا- أحمد (٦/ ١٨٨)، وأبو عوانة في مسنده (١/ ٣١٨)، وابن حبان "الإحسان" (٣/ ٤٧٢) حديث ١١٩٩ بنحوه.
[ ١ / ٣٦٥ ]
وروت أسماء أنها "سألت النَّبيَّ - ﷺ - عن غسْلِ الحيض فقال: تأخذُ إحداكُنَّ ماءَها وسدرَهَا فتطَّهر - الحديث" رواه مسلم (^١)، والنفاس كالحيض.
(و) يسن أيضًا (أخذها مسكًا، إن لم تكن محرمة، فتجعله في فرجها في قطنة،) أو غيرها كخرقة (بعد غسلها ليقطع الرائحة) أي: رائحة الحيض أو النفاس، لقوله - ﷺ - لأسماء لما سألتهُ عن غسلِ الحيضِ: "تأخذُ فرصةً ممسكةً فتطهر بها" رواه مسلم (^٢) من حديث عائشة: والفرصة: القطعة من كل شيء. (فإن لم تجد) مسكًا (فطيبًا) لقيامه مقام المسك في ذلك.
(لا لمحرمة) فإن الطيب بأنواعه يمتنع عليها، لما يأتي في الإحرام.
(فإن لم تجد فطينًا، ولو محرمة. فإن تعذر فالماء) الطهور (كاف) لحصول الطهارة به.
(والغسل المجزئ) وهو المشتمل على الواجبات فقط (أن يزيل ما به) أي: ببدنه (من نجاسة، أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد) ما يمنع وصول الماء إليها، ليصل الماء إلى البشرة.
(وينوي) كما تقدم، لحديث: "إنما الأعمالُ بالنيّاتِ" (^٣).
(ثم يسمي) قال أصحابنا: هي هنا كالوضوء، قياسًا لإحدى الطهارتين على الأخرى.
وفي "المغني": أن حكمها هنا أخف؛ لأن حديث التسمية إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير.
_________________
(١) في الحيض، حديث ٣٣٢ (٦١).
(٢) في الحيض، حديث ٣٣٢ (٦٠)، وهو عند البخاري في الحيض، باب ١٣، حديث ٣١٤، وباب ١٤، حديث ٣١٥، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ٢٤، حديث ٧٣٥٧، من حديث عائشة ﵂ أن امرأة سألت النبي - ﷺ -.
(٣) تقدم تخريجه ص / ١٩٣ تعليق رقم ٢.
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال في "المبدع": ويتوجه عكسه؛ لأن غسل الجنابة وضوء وزيادة اهـ. وفيه نظر. لأنه ليس بوضوء. ولذلك لا تكفي نية الغسل عنه.
(ثم يعم بدنه بالغسل) فلا يجزئ المسح (حتى فمه وأنفه) فتجب المضمضة، والاستنشاق في غسل (كوضوء) كما تقدم. (و) حتى (ظاهر شعره وباطنه) من ذكر، أو أنثى، مسترسلًا كان أو غيره، لما تقدم من قوله - ﷺ -: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةٌ" (^١) (مع نقضه) أي: الشعر وجوبًا (لغسل حيض، ونفاس لا) غسل (جنابة إذا روّت أصوله) لحديث عائشة أن النَّبيَّ - ﷺ - قال لها: "إذا كنتِ حائضًا خذي ماءك وسدرك وامتشطي" (^٢) ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وللبخاري: "انقضي شَعْرَكِ وامتَشِطِي" (^٣) ولابن ماجه: "انقضي شعرَكِ واغتَسلي" (^٤).
ولأن الأصل وجوب نقض الشعر، لتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله. فعفي عنه في غسل الجنابة لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه، فبقي على الأصل في الوجوب.
والنفاس في معنى الحيض.
وقال بعض أصحابنا: هذا مستحب، وليس بواجب، وهو قول أكثر الفقهاء، قال في "المغني" و"الشرح" وغيرهما: وهو الصحيح إن شاء الله، لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: أنها قالت للنَّبيِّ - ﷺ - "إنِّي امرأةٌ أشدُّ ضفرَ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٣٦٢ تعليق رقم ٥.
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٣٦٥ تعليق رقم ٤.
(٣) رواه البخاري في الحيض، باب ١٥، ١٦، حديث ٣١٦، ٣١٧، وفي الحج باب ٣١، حديث ١٥٥٦، وفي العمرة باب ٥، ٧، حديث ١٧٨٣، ١٧٨٦، وفي المغازي باب ٧٧، حديث ٤٣٩٥ بلفظ: انقضي رأسك.
(٤) ابن ماجه في الطهارة، باب ١٢٤، حديث ٦٤١.
[ ١ / ٣٦٧ ]
رأسي، أفأنقُضُه للحيضِ؟ قال: لا، إنما يكْفِيكِ أن تحثِي على رأسِكِ ثلاثَ حثيَاتٍ. ثم تفيضين عليكِ الماء فتطهرينَ" رواه مسلم (^١). وهي زيادة يجب قبولها. وهذا صريح في نفي الوجوب.
(وحتى حشفة أقلف) أي: غير مختون (إن أمكن تشميرها) بأن كان مفتوقًا، لأنها في حكم الظاهر.
(و) حتى (ما تحت خاتم ونحوه، فيحركه) ليتحقق وصول الماء إلى ما تحته.
(و) حتى (ما يظهر من فرجها عند قعودها لقضاء حاجتها) لأنه في حكم الظاهر.
(ولا) يجب غسل (ما أمكن من داخله) أي: الفرج، لأنه إما في حكم الباطن على ما ذكره. وإما في حكم الظاهر، وعفي عنه للمشقة، وتقدم.
(و) لا غسل (داخل عين) بل ولا يستحب، ولو أمن الضرر (وتقدم في الوضوء.
فإن كان على شيء من محل الحدث) الأصغر، أو الأكبر (نجاسة) لا تمنع وصول الماء إلى البشرة بدليل ما تقدم (ارتفع الحدث قبل زوالها كالطاهرات) على محل الحدث التي لا تمنع وصول الماء.
وقدم المجد في "شرحه"، وابن عبيدان وصاحب "مجمع البحرين"، و"الحاوي الكبير" وصححه (^٢) أن الحدث لا يرتفع إلا مع آخر غسلة طهر عندها، قال الزركشي: وهو المنصوص عن أحمد. وقال في "النظم": هو الأقوى.
_________________
(١) في الحيض، حديث ٣٣٠.
(٢) في "ح" و"ذ": "وصححوه".
[ ١ / ٣٦٨ ]