وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله.
وأصله لغة: من التنفس، وهو الخروج من الجوف، أو من قولهم: نفس الله كربته، أي: فرجها.
وهو دم ترخيه الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين، أو ثلاثة، مع أمارة، وبعدها إلى تمام أربعين يومًا.
(وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا من ابتداء خروج بعض الولد) حكاه أحمد (^١) عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعثمان بن أبي العاص،
_________________
(١) مسائل ابن هانئ (١/ ٣٤)، ومسائل عبد الله (١/ ١٧٢). وأثر عمر - ﵁ -. رواه عبد الرزاق (١/ ٣١٢) رقم ١١٩٧، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤٩) رقم ٨٢٦، والدارقطني (١/ ٢٢١). وأثر ابن عباس - ﵄ -. رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٨)، والدارمي في الطهارة، باب ٩٨ رقم ٩٦٢، وابن المنذر (٢/ ٢٤٩) رقم ٨٢٧، والبيهقي (١/ ٣٤١)، وفي الخلافيات (٣/ ٤٣٨) رقم ١٠٧٥. وأثر أنس - ﵁ -. رواه عبد الرزاق (١/ ٣١٢) رقم ١١٩٨، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٥٠) رقم ٨٣٠. وأثر عثمان بن أبي العاص - ﵁ -. رواه عبد الرزاق (١/ ٣١٣) رقم ١٢٠١، ١٢٠٢، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٧)، والدارمي في الطهارة، باب ٩٧، رقم ٩٥٦، وابن الجارود رقم ١١٨، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤٩) رقم ٨٢٨، والطبراني =
[ ١ / ٥١٣ ]
وعائذ بن عمرو، وأم سلمة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم. قال الترمذي (^١): "أجمع أهل العلم من أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - ومن بعدهم على أن النفساء تدعُ الصلاةَ أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي" قال أبو عبيدٍ (^٢) وعلى هذا جماعة الناس، وقال إسحق: هو السنة
_________________
(١) = في الكبير (٩/ ٤٩) حديث ٨٣٨٣، والدارقطني (١/ ٢٢٠)، والبيهقي (١/ ٣٤١). وأثر عائذ بن عمرو - ﵁ -. رواه الدارمي في الطهارة، باب ٩٨، رقم ٩٦١، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤٩) رقم ٨٢٩، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٦) رقم ٢٣، والدارقطني (١/ ٢٢١)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ٤٣٨) رقم ١٠٧٦. وأثر أم سلمة - ﵂ -. رواه أبو داود في الطهارة، باب ١٢١، حديث ٣١١، والترمذي في الطهارة، باب ١٠٥، حديث ١٣٩، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٢٨، حديث ٦٤٨، وأحمد (٦/ ٣٠٠، ٣٠٤، ٣٠٩)، والدارمي في الطهارة، باب ٩٨، حديث ٩٦٠، وأبو يعلى (١٢/ ٤٥٢) حديث ٧٠٢٣، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٥٠) حديث ٨٣١، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٧٠) حديث ٨٧٨، والدارقطني (١/ ٢٢١، ٢٢٢)، والحاكم (١/ ١٧٥)، والبيهقي (١/ ٣٤١)، وفي الخلافيات (٣/ ٤٠١، ٤٠٣) حديث ١٠٥٠، ١٠٥١، عن أم سلمة - ﵂ - قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا. وهذا في حكم المرفوع. وقد اختلف في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه. فصححه ابن السكن كما في خلاصة البدر المنير لابن الملقن (١/ ٨٣)، والحاكم، ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع (٢/ ٥٢٥): حسن. وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٨٣): بعد ذكر كلام العلماء فيه: والحق صحته. وضعفه ابن حزم، وابن القطان. انظر الأحكام الوسطى للإشبيلي (١/ ٢١٨)، وبيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٩)، والتلخيص الحبير (١/ ١٧١).
(٢) في "سننه": (١/ ٢٥٨).
(٣) انظر الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٥٠).
[ ١ / ٥١٤ ]
المجمع عليها.
(فإن رأته) أي: الدم (قبله) أي: قبل خروج بعض الولد (بثلاثة أيام فأقل بأمارته) كتوجع (فـ)
_________________
(١) هو (نفاس) كالخارج مع الولادة (ولا يحسب) ما قبل الولادة (من مدته) أي: النفاس. (وإن جاوز) دم النفاس (الأربعين) يومًا (وصادف عادة حيضها) ولم يزد عن العادة (فـ) المجاوز (حيض) لأنه دم في زمن العادة، أشبه ما لو لم يتصل بزمن النفاس. (فإن زاد) المجاوز (على العادة ولم يجاوز أكثر الحيض) فحيض إن تكرر (أو لم يصادف عادة) حيضها (ولم يجاوز أكثره) أي: أكثر الحيض (أيضًا. فحيض إن تكرر) ثلاثًا. كدم المبتدئة المجاوز لأقل الحيض (وإلا) بأن زاد على العادة، وجاوز أكثر الحيض، أو لم يصادف عادة وجاوز أكثره (فاستحاضة) ولو تكرر، لأنه لا يصلح حيضًا، ولا نفاسًا. (ولا تدخل استحاضة في مدة نفاس) كما لا تدخل في مدة حيض، لأن الحكم للأقوى. (ويثبت حكم النفاس ولو بتعديها) على نفسها بضرب، أو شرب دواء، أو غيرهما، فلا تقضي الصلاة، لأن وجود الدم ليس بمعصية من جهتها، ولا يمكنها قطعه، بخلاف سفر المعصية. قال القاضي: والسكر جعل شرعًا كمعصية مستدامة يفعلها شيئًا فشيئًا، بدليل جريان الإثم والتكليف (بوضع ما يتبين فيه خلق الإنسان نصًا) فلو وضعت علقة، أو مضغة لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكم النفاس. ويأتى أن أقل ما يتبين فيه خلق الإنسان أحد وثمانون يومًا، وغالبها على ما ذكره المجد، وابن تميم، وابن حمدان، وغيرهم: ثلاثة أشهر. قال المجد في "شرحه": فمتى رأت دمًا على طلق
[ ١ / ٥١٥ ]
قبلها، لم تلتفت إليه، وبعدها تمسك عن الصلاة، والصوم. ثم إن انكشف الأمر بعد الوضع خلاف الظاهر، رجعت فاستدركت، وإن لم ينكشف، بأن دفن ولم تتفقد أمره، استمر حكم الظاهر. إذ لم يتبين فيه خطأ.
(ولا حد لأقله) أي: النفاس، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا عقب سببه فكان نفاسًا، كالكثير.
(فيثبت حكمه) أي: النفاس، من وجوب الغسل ونحوه (ولو بقطرة) وعنه: أقله يوم، وقدم في "التلخيص" ولحظة.
(فإن انقطع) الدم (في مدته) أي: في الأربعين (فـ)ــهي (طاهر) لانقطاع دم النفاس، كما لو انقطع دم الحائض في عادتها.
يؤيده ما روت أم سلمة أنها سألت النَّبيَّ - ﷺ - "كم تجلسُ المرأةُ إذا ولدتْ؟ قال: أربعينَ يومًا، إلا أن تَرى الطهر قبلَ ذلك" (^١) ذكره في "المبدع".
وحكى البخاري في "تاريخه": أن امرأة ولدت بمكة فلم تر دمًا، فلقيت عائشة فقالت: "أنتِ امرأةٌ طهركِ اللهُ" (^٢) (تغتسل، وتصلي)، وتصوم ونحوه (لأنه طهر صحيح) لما تقدم.
(ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير) قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها، على حديث عثمان بن أبي العاص، أنها أتته قبل الأربعين فقال: "لا تقربِيني" (^٣) ولأنه لا يأمن عود الدم في زمن الوطء.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٥١٤ تكميل تعليق رقم ١.
(٢) (٤/ ١٩٤) عن سهم مولى بني سليم، أن مولاته أم يوسف ولدت بمكة . . . الحديث. ومن طريق البخاري رواه - أيضًا - البيهقي (١/ ٣٤٣).
(٣) رواه عبد الرزاق (١/ ٣١٣) رقم ١٢٠٢، بلفظ: كان يقول للمرأة من نسائه إذا نُفِست: "لا تقربيني أربعين ليلة". وفيه راوٍ لم يسم. =
[ ١ / ٥١٦ ]
(فإن عاد) الدم بعد انقطاعه (فيها) أي: في الأربعين (فمشكوك فيه) أي: في كونه دم نفاس، أو فساد، لأنه تعارض فيه الأمارتان (كما لو لم تره) أي: الدم مع الولادة (ثم رأته في المدة) أي: في الأربعين فمشكوك فيه (فتصوم، وتصلي) أي: تتعبد. لأنها واجبة في ذمتها بيقين، وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه، وفي غسلها لكل صلاة روايتان قال في "تصحيح الفروع": الصواب عدم الوجوب، ويحتمل أن يكون الخلاف في الاستحباب وعدمه، فعلى هذا يقوى عدم الاستحباب أيضًا اهـ ملخصًا. قلت: إن كان الخلاف في الاستحباب قوي الاستحباب، كالمستحاضة. وأولى.
(وتقضي صوم الفرض) ونحوه، بخلاف الصلاة، احتياطًا، ولوجوبه يقينًا. لا يقال: إنها لا تقضي الصوم قياسًا على الناسية إذا صامت في الدم الزائد على غالب الحيض، لأنه يتكرر، فيشق القضاء بخلاف النفاس.
(ولا يأتيها في الفرج) زمن هذا الدم، كالمبتدئة في الدم الزائد على اليوم والليلة، قبل تكرره.
(وإن ولدت توأمين) فأكثر (فأول النفاس، وآخره من) ابتداء خروج بعض (الأول) لأنه دم خرج عقب الولادة، فكان نفاسًا واحدًا، كحمل واحد، ووضعه.
_________________
(١) = وروى ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٧)، والدارقطني (١/ ٢٢٠) أنه قال لنسائه: "لا تشرفن لي دون أربعين ليلة في النفاس". لفظ ابن أبي شيبة. ولفظ الدارقطني: "لا تشوفن لي"، وفي رواية له عن الحسن عن امرأة عثمان بن أبي العاص أنها لما تعلت من نفاسها، تزينت، فقال فإن بن أبي العاص: ألم أخبرك أن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن نعتزل النفساء أربعين ليلة. وفي رواية له: أنه كان يقول لنسائه: "إذا نفست امرأة منكن، فلا تقربني أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك".
[ ١ / ٥١٧ ]
(فلو كان بينهما) أي: التوأمين (أربعون) فأكثر (فلا نفاس للثاني نصًا) لأن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله (بل هو) أي: ما خرج مع الولد الثاني بعد الأربعين من الأول (دم فساد) لأنه لا يصلح حيضًا، ولا نفاسًا.
(ويجوز شرب دواء لإلقاء نطفة) وفي "أحكام النساء" لابن الجوزي (^١): يحرم. وفي "الفروع" عن "الفنون": إنما الموؤدة بعد التارات السبع. وتلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - إلى - ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (^٢) قال: وهذا لما حلته الروح، لأن ما لم تحله لا يبعث. فقد يؤخذ منه: لا يحرم إسقاطه، وله وجه.
ومن استمر دمها يخرج من فمها بقدر العادة في وقتها، وولدت فخرجت المشيمة ودم النفاس من فمها فغايته نقض الوضوء. لأنا لا نتحققه حيضًا، كزائد على العادة، كمني خرج من غير مخرجه، ذكره في "الفنون".
_________________
(١) ص/ ٣٧٦.
(٢) سورة المؤمنون، الآيات: ١٢، ١٤.
[ ١ / ٥١٨ ]