فصل
(ومن أحدث) حدثًا أكبر، أو أصغر (حرم عليه الصلاة)؛ لما روى ابن عمر أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "لا يقبلُ الله صلاةً بغيْرِ طُهورٍ" رواه مسلم (^١). وهو يعم الفرض والنفل، والسجود المجرد كسجود التلاوة، والقيام المجرد كصلاة الجنازة.
وحكى ابن حزم (^٢) والنووي (^٣) عن بعض العلماء: جواز الصلاة على الجنازة بغير وضوء ولا تيمم، (فلو صلى معه) أي: مع الحدث، ولو عالمًا (لم يكفر) كسائر المعاصي، خلافًا لأبي حنيفة (^٤).
(و) حرم عليه (الطواف، ولو نفلًا) لما روى الترمذي بإسناده عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "الطواف حولَ البيتِ مثلُ الصلاةِ إلا أنكم تتكلمون فيه، فمنْ تكلم فلا يتكلمْ إلا بخير" (^٥)
_________________
(١) في الطهارة حديث ٢٢٤.
(٢) مراتب الإجماع ص/ ٣٤.
(٣) شرح صحيح مسلم (٣/ ٩٨). وقد حكى ذلك عن الشعبي وابن جرير الطبري.
(٤) انظر الفتاوى البزازية (٦/ ٣٤١).
(٥) في الحج، باب ١١٢، حديث ٩٦٠، ورواه - أيضًا - ابن الجارود (٤٦١)، وأبو يعلى (٤/ ٤٦٧)، حديث ٢٥٩٩، وابن خزيمة (٤/ ٢٢٢)، والطحاوي (٢/ ١٧٨ - ١٧٩)، وفي شرح مشكل الآثار (١٥/ ٢٢٥)، حديث ٥٩٧٢، ٥٩٧٣، وابن حبان "الإحسان" (٩/ ١٤٣)، حديث ٣٨٣٦، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٤) حديث ١٠٩٥٥، وابن عدي (٥/ ٢٠٠١)، والحاكم (١/ ٤٥٩) و(٢/ ٢٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٨)، والبيهقي (٥/ ٨٥) كلهم من طرق عن عطاء بن =
[ ١ / ٣١١ ]
إسناده جيد إلى عطاء. وهو مختلف فيه. واختلط في آخر عمره. وتقدم كلام أحمد فيه. وقال أحمد (^١): عطاء رجل صالح. قال الترمذي (^٢): وقد روي عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاه بن السائب (ولم يصح) أي: ما تقدم من الصلاة والطواف مع الحدث لما تقدم.
(ويحرم عليه) أي: المحدث (مس المصحف وبعضه) لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^٣) أي: لا يمس القرآن، وهو خبر بمعنى النهي. ورُدّ بأن المراد اللوح المحفوظ. والمطهرون: الملائكة؛ لأن المطهر من طهره
_________________
(١) = السائب عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا، ورواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٤) حديث ١٠٩٥٥، والبيهقي (٥/ ٨٧) من طريق موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا. ورواه النسائي في الكبرى (٢/ ٤٠٦)، وعبد الرزاق (٥/ ٤٩٦)، والبيهقي (٥/ ٨٧) عن ابن عباس - ﵁ - موقوفًا. قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٢٩ - ١٣٠): واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الموقوف النسائي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي، وصحح المرفوع الحاكم، ومال إليه ابن حجر في التلخيص الحبير. وله شاهد عن رجل أدرك النبي - ﷺ - رواه النسائي في الكبرى (٢/ ٤٠٦)، وعبد الرزاق (٥/ ٤٩٥)، وأحمد (٣/ ٤١٤، ٤/ ٥٦، ٥/ ٣٧٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٥/ ٢٢٩) حديث ٥٩٧٤، ٥٩٧٥، والبيهقي (٥/ ٨٧). قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٣٠ - ١٣١): وهذه الرواية صحيحة وهي تعضد رواية عطاء بن السائب، وترجح الرواية المرفوعة، والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره فلا يضر إبهام الصحابة. اهـ.
(٢) الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٤)، ميزان الاعتدال (٣/ ٧١)، تهذيب الكمال (٢٠/ ٩٠).
(٣) جامع الترمذي (/ ٣/ ٢٩٣).
(٤) سورة الواقعة، الآية: ٧٩.
[ ١ / ٣١٢ ]
غيره. ولو أريد بنو آدم لقيل: المتطهرون.
وجوابه: أن المراد هم بنو آدم قياسًا عليهم، بدليل ما روى عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النَّبيَّ - ﷺ - كتب إلى أهلِ اليمن كتابًا، وكان فيه: "لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ" رواه الأثرم، والنسائي، والدارقطني متصلًا (^١). قال الأثرم: واحتج به أحمد، ورواه مالك مرسلًا (^٢).
_________________
(١) رواه النسائي في القسامة، باب ٤٦ - ٤٧، حديث ٤٨٦٨، ٤٨٧٢، وفي الكبرى (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، حديث ٧٠٥٨ - ٧٠٦٢، ولم يذكر لفظ "ولا يمس القرآن إلا طاهر"، والدارقطني: (١/ ١٢٢)، (٢/ ٢٨٥)، ورواه - أيضًا - الحكم مطولًا: (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧)، والبيهقي (١/ ٨٧ - ٨٨)، و(٤/ ٨٩ - ٩٠) مختصرًا، ومطولًا كلهم من طريق سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. وقال الحاكم: هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وإمام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري بالصحة كما تقدم ذكري له، وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان ابن معين قد غمزه، فقد عدله غيره. . . فقال أبو حاتم: سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به. . . وكذا قال أبو زرعة. له شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - رواه الطبراني في الصغير (٢/ ١٣٩)، وفي الكبير (١٢/ ٣١٣)، حديث ١٣٢١٧، والدارقطني: (١/ ١٢١)، والبيهقي (١/ ٨٨)، وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد": (١/ ٢٧٦)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" و"الصغير" ورجاله موثقون. وقال الحافظ في "التلخيص الحبير": (١/ ١٣١): إسناده لا بأس به.
(٢) موطأ الإمام مالك، القرآن باب (١/ ١٩٩)، ورواه - أيضًا - مرسلًا أبو داود في المراسيل ص/ ١٠٥، وعبد الرزاق (١/ ٣٤١)، حديث ١٣٢٨، وإسحاق بن راهويه "المطالب العالية" (٣/ ٢٨٣)، حديث ٨٩، والدارقطني (١/ ١٢١)، والبيهقي (١/ ٨٧ - ٨٨)، وقال الدارقطني: مرسل ورواته ثقات.
[ ١ / ٣١٣ ]
(من غير حائل)؛ لأن النهي إنما ورد عن مسه، ومع الحائل إنما يكون المس له دون المصحف.
(ولو) كان المس (بغير يده)؛ لعموم ما سبق. ولا يختص المس باليد، بل كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه (حتى جلده) أي: المصحف (وحواشيه) والورق الأبيض المتصل به؛ لأنه داخل في مسماه، بدليل شمول البيع له. (ولو كان الماس) للمصحف (صغيرًا) فلا يجوز لوليه تمكينه من مسه (إلا بطهارة كاملة) كالمكلف. (ولو) كانت الطهارة (تيممًا) مطلقًا. وقال الموفق: إن احتاجه، فإن عدم الماء لتكميل الوضوء تيمم للباقي، ثم مسه.
(سوى مس صغير لوحًا فيه قرآن) فلا يحرم مسه للوح من المحل الخالي من الكتابة للمشقة.
و(لا) يجوز تمكين الصغير من مس المحل (المكتوب فيه) القرآن من اللوح بلا طهارة، لعدم الحاجة إليه، لاستغنائه عنه بمس الخالي.
(وما حرم) مما تقدم (بلا وضوء، حرم بلا غسل) بطريق الأولى، لا العكس. فإن قراءة القرآن تحرم بلا غسل فقط.
(وللمحدث حمله) أي: المصحف (بعلاقته، وفي غلافه) أي: كيسه (وفي خُرْج فيه متاع، وفي كمه) من غير مس له؛ لأن النهي ورد عن المس، والحمل ليس بمس.
(و) له (تصفحه) أي: تصفح المصحف (بكمه أو) بـ (ــعود ونحوه) كخرقة وخشبة؛ لأنه غير ماس له.
(و) له (مسه) أي: المصحف (من وراء حائل) لما تقدم (كحمل رقى وتعاويذ فيها قرآن) (^١). قال في "الفروع": وفاقًا.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص/ ١٠٨ تعليق ٢.
[ ١ / ٣١٤ ]
وهل يجوز مس ثوب رقم بالقرآن، أو فضة نقشت به؟ قال في "الإنصاف": فيه وجهان أو روايتان. ثم قال: قال الزركشي: ظاهر كلامه الجواز، قال في النظم عن الدرهم المنقوش: هذا المنصور.
(و) له (مس تفسير ورسائل فيها قرآن)، وكذا كتب حديث، وفقه، ونحوها، فيها قرآن؛ لأن اسم المصحف لا يتناولها، وظاهره: قلّ التفسير، أو كثر.
(و) له مس (منسوخ تلاوة (^١» وإن بقي حكمه كـ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" (^٢).
(و) له مس (المأثور عن الله) تعالى، كالأحاديث القدسية.
(و) له مس (التوراة، والإنجيل) والزبور، وصحف إبراهيم، وموسى، وشيث، إن وجدت؛ لأنها ليست قرآنًا.
_________________
(١) في "ذ" تلاوته.
(٢) رواه النسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠، ٢٧١)، حديث ٧١٤٥، ٧١٤٨، وأحمد (٥/ ١٨٣)، والدارمي في الحدود باب ١٦، حديث ٢٣٢٨، وأبو يعلى (٦/ ٥)، والحاكم (٤/ ٣٦٠) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ورواه النسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠، ٢٧١)، حديث ٧١٤٦، ٧١٤٧، عن أبي أمامة بن سهل عن خالته - ﵄ -. ورواه - أيضًا - (٤/ ٢٧١) حديث ٧١٥٠ من حديث أبي بن كعب - ﵁ -. ورواه ابن ماجه في الحدود، باب ٩، حديث ٢٥٥٣، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، ورواه مالك في الحدود باب ١ (٢/ ٨٢٤)، عن سعيد بن المسيب عن عمر - ﵁ -. ومعناه عند البخاري في الحدود، باب ٣٠، ٣١، حديث ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ومسلم في الحدود حديث ١٦٩١ من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.
[ ١ / ٣١٥ ]
(فإن رفع الحدث من عضو من أعضاء الوضوء، لم يجز مس المصحف به قبل كمال الطهارة) لأنه لا يسمى متطهرًا قبل كمالها. (ولو قلنا: يرتفع الحدث عنه) أي: عن العضو المغسول قبل كمال الطهارة، وفيه وجهان. قال في "الإنصاف": الذي يظهر أن يكون ذلك مراعى. فإن أكمله ارتفع، وإلا فلا.
(ويحرم مسه) أي: المصحف (بعضو متنجس)؛ لأنه أولى من الحدث. قال في "الفروع": وكذا مس ذِكْرِ الله بنجس.
و(لا) يحرم مسه (بعضو طاهر إذا كان على غيره نجاسة)؛ لأن النجاسة لا يتعدى وجوب غسلها غير محلها. والحدث يحل جميع البدن، كما تقدم.
(وتجوز كتابته لمحدث من غير مس، ولو لذمي)؛ لأن النهي كما تقدم ورد عن مسه، وهي ليست مسًا.
(ويمنع) الذمي (من قراءته)؛ لأنه أولى بالمنع من الجنب.
(و) يمنع الذمي من (تملكه) أي: المصحف.
(ويمنع المسلم من تمليكه) أي: المصحف (له) أي: للذمي، لأنه متدين بانتهاكه وإزالة حرمته، والكافر غير الذمي أولى. (فإن ملكه) أي: المصحف كافر (بإرث، أو غيره، ألزم بإزالة ملكه عنه) لما تقدم، ويأتي في البيع ما يملك به الكافر المصحف.
(ويجوز للمسلم والذمي أخذ الأجرة على نسخه)؛ لأنه عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
(ويحرم بيعه) ولو لمسلم. (ويأتي في كتاب البيع) موضحًا. ويأتي أيضًا أنه لا يكره شراؤه استنقاذًا.
(و) يحرم (توسده) أي: المصحف، (والوزن به، والاتكاء عليه)؛ لأن ذلك ابتذال له.
[ ١ / ٣١٦ ]
(وكذا كتب العلم التي فيها قرآن، وإلا) بأن لم يكن في كتب العلم قرآن (كره) توسدها، والوزن بها، والاتكاء عليها.
(وإن خاف عليها) سرقة (فلا بأس) أن يتوسدها للحاجة.
(ولا يكره نقط المصحف، و) لا (شكله)، بل قال العلماء: يستحب نقطه، وشكله، صيانة من اللحن فيه والتصحيف. وأما كراهة الشعبي، والنخعي (^١) النقط؛ فللخوف من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم. ولا يمنع من ذلك كونه محدثًا فإنه من المحدثات الحسنة، كنظائره، مثل تصنيف العلم، وبناء المدارس ونحوها. قاله النووي في "التبيان" (^٢).
(و) لا (كتابة الأعشار فيه، وأسماء السور، وعدد الآيات، والأحزاب، ونحوها)؛ لعدم النهي عنه.
(وتحرم مخالفة خط عثمان) ابن عفان - ﵁ - (في) رسم (واو، وياء، وألف، وغير ذلك) كمد التاء، وربطها (نصًا) لقوله - ﷺ -: "عليكُم بسنَّتِي وسنَّةِ الخلفاء بَعْدِي" (^٣) الحديث. ولأن قول الصحابي ما يخالف القياس توقيف، كما يأتي.
_________________
(١) انظر المصنف لعبد الرزاق (٤/ ٣٢٢)، والمصاحف لابن أبي داود ص/ ١٤٢، والمحكم في نقط المصاحف للداني ص/ ١٠.
(٢) ص/ ١٥٦.
(٣) رواه أبو داود في السنة، باب ٦، حديث ٤٦٠٧، والترمذي في العلم، باب ١٦، حديث ٢٦٧٦، وابن ماجه في المقدمة، باب ٦، حديث ٤٢، ٤٣، ٤٤، وأحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، والدارمي في المقدمة، باب ١٦، حديث ٩٦، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٩، ٣٠) حديث ٥٥ - ٥٧، ومحمد بن نصر المروزي في السنة ص/ ٢١ - ٢٢، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣/ ٢٢٢، ٢٢٣)، حديث ١١٨٥، ١١٨٦، وابن حبان "الإحسان" (١/ ١٧٨)، حديث ٥، والآجري في الشريعة (١/ ٤٠٠، ٤٠٣) حديث ٨٦، ٨٧، ٨٨، والطبراني في الكبير =
[ ١ / ٣١٧ ]
(ويكره مد الرجلين إلى جهته) أي: المصحف، (وفي معناه: استدباره، وتخطيه، ورميه إلى الأرض بلا وضع، ولا حاجة، بل هو بمسألة التوسد أشبه)، قاله في "الفروع".
قلت: وكذا كُتب علم فيها قرآن.
(قال الشيخ: وجعله) أي: المصحف (عند القبر منهي عنه، ولو جعل للقراءة هناك) أي: عند القبر. (ورمى رجل بكتاب عند) الإمام (أحمد فغضب، وقال: هكذا يفعل بكلام الأبرار؟) انتهى، فكيف بكتاب الله تعالى، أو ما هو فيه.
(ويحرم السفر به) أي: المصحف (إلى دار الحرب) لحديث الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - "نهَى أن يسَافرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ" (^١). ولأنه عرضة إلى استيلاء الكفار عليه، واستهانته، وفي "المستوعب": يكره بدون غلبة السلامة.
(وتكره تحليته بذهب، أو فضة، نصًا) لتضييق النقدين.
_________________
(١) = (١٨/ ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٩) حديث ٦١٨، ٦١٩، ٦٢٢، ٦٢٤، والحاكم (١/ ٩٥، ٩٦، ٩٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٧٤) حديث ٧٩، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٢٠، ٢٢١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٢٢١)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٠٥) من حديث العرباض بن سارية - ﵁ -. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر: قال البزار: حديث العرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين هذا حديث ثابت صحيح … ثم قال: هو كما قاله البزار - ﵀ - حديث العرباض حديث ثابت. اهـ.
(٢) رواه البخاري في الجهاد، باب ١٢٩، حديث ٢٩٩٠، ومسلم في الإمارة حديث ١٨٦٩، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ٣١٨ ]
(ويحرم في كتب العلم) أن تحلى.
(ويباح تطييبه) أي: المصحف، (وجعله على كرسي، و) يباح (كسيه الحرير) نقله الجماعة؛ لأن قدر ذلك يسير.
(وقال) أبو الحسن علي (ابن) محمد (الزاغوني: يحرم كتبه بذهب) لأنه من زخرفة المصاحف، (ويؤمر بحكه، فإن كان يجتمع منه ما يتمول زكّاه). وقال أبو الخطاب: يزكيه إن بلغ نصابًا، وله حكه وأخذه.
(واستفتاح الفأل فيه) أي: المصحف (فعله) أبو عبد الله عبيد الله (ابن بطة) بفتح الباء، (ولم يره الشيخ (^١)، وغيره). ونقل عن ابن العربي أنه يحرم، وحكاه القرافي (^٢)، عن الطرسوسي (^٣) المالكي. وظاهر مذهب الشافعي الكراهة.
(ويحرم أن يكتب القرآن، و) أن يكتب (ذكر الله بشيء نجس أو عليه) أي: على شيء نجس، (أو فيه) أي: في شيء نجس. (فإن كتبا) أي: القرآن، وذكر الله (به) أي: بالنجس (أو عليه، أو فيه، أو تنجس؛ وجب غسله) ذكره في "الفنون"، وقال: فقد جاز غسله وتحريقه، لنوع صيانة.
(وقال) ابن عقيل (في الفنون: إن قصد بكتبه بنجس إهانته، فالواجب قتله انتهى. وتكره كتابته) أي: القرآن (في الستور، وفيما هو مظنة بِذْلَةٍ، ولا تكره كتابة غيره من الذكر فيما لم يدرس،
وإلا) بأن كان يداس (كره شديدًا، ويحرم دوسه) أي: الذكر، فالقرآن أولى.
_________________
(١) الاختيارات الفقهية ص/ ٢٩، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٦).
(٢) الذخيرة (١٣/ ٢٥٦)، والفروق (٤/ ٢٤٠).
(٣) كذا في الأصول. وصوابه "الطرطوشي". انظر الديباج المذهب (٢/ ٢٤٤)، وشجرة النور الزكية (١/ ١٢٤).
[ ١ / ٣١٩ ]
قال في "الفصول" وغيره: ويكره أن يكتب على حيطان المسجد ذكر أو غيره؛ لأن ذلك يلهي المصلي.
(وكره) الإمام (أحمد شراء ثوب فيه ذكر الله، يجلس عليه ويداس.
ولو بلي المصحف أو اندرس دفن نصًا). ذكر أحمد أن أبا الجوزاء بلي له مصحف، فحفر له في مسجده فدفنه. وفي البخاري (^١): أن الصحابة حرقته - بالحاء المهملة - لما جمعوه. وقال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. وذكر القاضي أن أبا بكر بن أبي داود روى بإسناده عن طلحة بن مصرف قال: "دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر" (^٢). وبإسناده عن طاوس: أنه لم يكن يرى بأسًا أن تحرق الكتب. وقال: إن الماء والنار خلق من خلق الله (^٣).
(ويباح تقبيله). قال النووي في "التبيان" (^٤): روينا في مسند الدارمي بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة، أن عكرمة بن أبي جهل كان يضع المصحف على وجهه، ويقول: "كتابُ ربِّي، كتابُ ربي" (^٥).
(ونقل جماعة الوقف) فيه، و(في جعله على عينيه)؛ لعدم التوقيف. وإن كان فيه رفعة وإكرام (^٦). لأن ما طريقه القرب، إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحب فعله، وإن كان فيه تعظيم، إلا بتوقيف، ولهذا قال عمر عن الحجر: "لولا أنِّي رأيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقبلُكَ ما قبلتُكَ" (^٧). ولما قبّل معاوية
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٩/ ١١).
(٢) "كتاب المصاحف" لأبي بكر بن أبي داود السجستاني: ص ٤٣.
(٣) المصاحف ص/ ١٩٥.
(٤) ص/ ١٥٧.
(٥) سنن الدارمي "فضائل القرآن"، باب ٤، رقم ٣٣٥٣.
(٦) في "ذ": "وأكرمه".
(٧) رواه البخاري في الحج، باب ٥٠، ٦٠، حديث ١٥٩٧، ١٦١٠، ومسلم في الحج حديث ١٢٧٠.
[ ١ / ٣٢٠ ]
الأركان كلها أنكر عليه ابن عباس فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال: "إنما هي السنَّةُ" (^١). فأنكر عليه الزيادة على فعل النَّبيِّ - ﷺ - وإن كان فيه تعظيم، ذكر ذلك القاضي، قاله في "الفروع".
(وظاهر الخبر) المذكور عن عمر، وابن عباس (لا يقام له) لعدم التوقيف. (وقال الشيخ (^٢): إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فقيامهم لكتاب الله أحق) إجلالًا وتعظيمًا، قال ابن الجوزي: إن ترك القيام كان في أول الأمر، ثم لما كان ترك القيام كالإهوان بالشخص استحب لمن يصلح له القيام، ويأتي له تتمة في آخر الجنائز.
(ويباح كتابة آيتين فأقل إلى الكفار) لحاجة التبليغ، نقل الأثرم: يجوز أن يكتب إلى أهل الذمة كتابًا فيه ذكر الله، قد كتب النَّبيُّ - ﷺ - إلى المشركين.
(وقال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: تضمين القرآن لمقاصد تضاهي مقصود القرآن لا بأس به) تحسينًا للكلام، (كما يضمن في الرسائل آيات إلى الكفار) مقتضية الدعاية، ولا يجوز في كتب المبتدعة، (و) كـ (ــتضمين (^٣) الشعر لصحة القصد وسلامة الوضع وأما تضمينه لغير ذلك، فظاهر كلام ابن القيم التحريم)، كما يحرم جعل القرآن بدلًا من الكلام.
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا في الحج، باب ٥٩، والترمذي في الحج، باب ٣٥، حديث ٨٥٨، وعبد الرزاق (٥/ ٤٥)، وأحمد (١/ ٢٤٦، ٣٣٢، ٣٧٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢٨ - ٣٣٠)، حديث ١٠٦٣١ - ١٠٦٣٦، والبيهقي (٥/ ٧٦ - ٧٧)، وفي معرفة السنن والآثار (٧/ ٢١٠) ولم يذكروا قوله: "إنما هي السنة"، وروى أحمد (١/ ٢١٧)، والطحاوي (٢/ ١٨٤) هذه القصة وزادا: فقال ابن عباس - ﵄ -: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". قال: صدقت.
(٢) الاختيارات الفقهية ص/ ٢٩.
(٣) في "ح" و"ذ": "وكتضمينه الشعر".
[ ١ / ٣٢١ ]
(ولا بأس أن يقول: سورة كذا) كسورة البقرة، أو النساء؛ لأنه قد ثبت في الصحيحين قوله - ﷺ -: "سُورةُ البقرة، وسورةُ الكهفِ" (^١) وغيرهما مما لا يحصى (^٢)، وكذلك عن الصحابة. قاله النووي في "التبيان" (^٣).
وفي "السورة" لغتان: الهمز وتركه. والترك أفصح.
(و) أن يقول: (السورة الذي يذكر فيها كذا)؛ لوروده في الأخبار، ومنها قوله - ﷺ -: "من قرأ السورةَ التي يذكرُ فيها آل عمرانَ" الحديث. رواه الطبراني (^٤) من حديث ابن عباس.
(وآداب القراءة تأتي) في فصل (في صلاة التطوع) مفصلة.
_________________
(١) البخاري في فضائل القرآن، باب ١٠، ٢٧، ٣٤، حديث ٥٠٠٩، ٥٠٤٠، ٥٠٥١، ومسلم في صلاة المسافرين، حديث ٨٠٧، من حديث أبي مسعود - ﵁ -. وعند مسلم من حديث أبي الدرداء - ﵁ - في صلاة المسافرين، حديث ٨٠٩.
(٢) في "ح": "لا يخفى".
(٣) ص/ ١٤٢.
(٤) في الكبير (١١/ ٤٨) حديث ١١٠٠٢، وفي الأوسط (٧/ ٩٢) حديث ٦١٥٣ عن ابن عباس - ﵄ -، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٢/ ١٦٨)، وفيه طلحة بن زيد الرقي - وهو ضعيف. وقال المناوي في فيض القدير (٦/ ١٩٨): قال الهيثمي: فيه طلحة بن زيد الرقي، وهو ضعيف جدًا، وقال ابن حجر: طلحة ضعيف جدًا، ونسبه أحمد، وأبو داود إلى الوضع؛ فكان ينبغي للمصنف [السيوطي] حذفه. والحديث مسلسل بالضعفاء والمجاهيل. وانظر: "مجمع البحرين": حديث ٩٥٣.
[ ١ / ٣٢٢ ]