فصل
(ومن لزمه الغسل) لجنابة، أو غيرها (حرم عليه الاعتكاف) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^١).
وقوله - ﷺ -: "لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جنبٍ" رواه أبو داود (^٢) من حديث عائشة.
(و) حرم عليه (قراءة آية فصاعدًا). رويت كراهة ذلك عن عمر، وعلي (^٣).
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٢) في الطهارة، باب ٩٣، حديث ٢٣٢، ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٧)، والدولابي في الكنى (١/ ١٥٠)، وابن خزيمة (٢/ ٢٨٤) رقم ١٣٢٧، والبيهقي (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣) وقال: وهذا إن صح فمحمول في الجنب على المكث فيه دون العبور بدليل الكتاب. وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٧): ولا يثبت من قبل إسناده. وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٨٦): وهذا كله باطل. وضعفه النووي في المجموع (٢/ ١٦٠) والخلاصة (١/ ٢١٠)، وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢) (٢٥٠٩). ورواه ابن ماجه في الطهارة، باب ١٢٦، حديث ٦٤٥، من حديث أم سلمة - ﵂ -. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٩٩): قال أبو زرعة: يقولون عن جَسْرَةَ، عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة. وقال البوصيري في الزوائد (ص/ ١١٥ طبعة دار الكتب العلمية): إسناده ضعيف محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول. وانظر - أيضًا - المحلى (٢/ ١٨٦).
(٣) أثر عمر رواه عبد الرزاق (١/ ٣٣٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٢)، وابن المنذر (٢/ ٩٦) رقم ٦١٨، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٨) رقم ٢٣٥، عن عبيدة، قال: كان عمر - ﵁ - يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. وقال: هذا إسناد صحيح. وصححه - أيضًا - النووي في الخلاصة (١/ ٢٠٧)، =
[ ١ / ٣٤٣ ]
وروى أحمد وأبو داود والنسائي من رواية عبد الله بن سلمة - بكسر اللام - عن علي قال: "كان النَّبيُّ - ﷺ - لا يحْجبُهُ - وربما قال: لا يحْجِزُهُ - من القرآن شيءٌ ليس الجنابةَ" (^١) ورواه ابن خزيمة، والحاكم والدارقطني وصححاه، قال
_________________
(١) = والحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٣٨). وأما أثر علي فرواه عبد الرزاق (١/ ٣٣٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٢)، وابن المنذر (٢/ ٩٦، ٩٧) رقم ٦١٩، ٦٢٠، والدارقطني (١/ ١١٨)، والبيهقي (١/ ٨٩)، وصححه الدارقطني. وقد روي مرفوعًا كما سيأتي.
(٢) أحمد (١/ ٨٣، ٨٤، ١٠٧، ١٢٤، ١٣٤)، وأبو داود في الطهارة، باب ٩١، رقم ٢٢٩، والنسائي في الطهارة، باب ١٧١، رقم ٢٦٥، ٢٦٦، وابن خزيمة (١/ ١٠٤)، والحاكم (١/ ١٥٢، ٤/ ١٠٧)، والدارقطني (١/ ١١٩)، وفي العلل (٣/ ٢٥١). ورواه - أيضًا - الترمذي في الطهارة، باب ١١١، حديث ١٤٦، وابن ماجه في الطهارة، باب ١٠٥، حديث ٥٩٤، والطيالسي ص/ ١٧، رقم ١٠١، والحميدي (١/ ٢٧٨) رقم ٦١، وابن أبي شيبة (١/ ١٠١، ١٠٢، ١٠٤)، والبزار في مسنده (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٧) رقم ٧٠٦ - ٧٠٨، وابن الجارود (٩٤)، وأبو يعلى (١/ ٢٤٧، ٢٨٨، ٣٢٦، ٣٢٧، ٤٠٠، ٤٣٦، ٤٥٩)، وعبد الله بن محمد البغوي في الجعديات (١/ ٢٧٨) رقم ٦١، وابن المنذر (٢/ ٩٩) رقم ٦٢٦، والطحاوي (١/ ٨٧)، وابن حبان "الإحسان" (٣/ ٧٩، ٨٠) رقم ٧٩٩، ٨٠٠، والبيهقي (١/ ٨٨ - ٨٩)، وفي معرفة السنن والآثار (١/ ٣٢٢)، وفي الخلافيات (٢/ ١٢ - ١٣، ١٦) رقم ٣١١ - ٣١٥، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤١١) رقم ٢٧٣. وقد اختلفت أقوال العلماء في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه: فقال الترمذي: حديث علي هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلمة، فمدار الحديث عليه، وعبد الله بن سلمة غير مطعون فيه. ووافقه الذهبي. وقال البغوي: حسن صحيح، وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٤)، وابن السكن كما في =
[ ١ / ٣٤٤ ]
شعبة: لست أروي حديثًا أجود من هذا.
واختار الشيخ تقي الدين (^١) أنه يباح للحائض أن تقرأه إذا خافت نسيانه، بل يجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
و(لا) يحرم عليه قراءة (بعض آية)؛ لأنه لا إعجاز فيه، المنقح (^٢): ما لم تكن طويلة. (ولو كرره) أي: البعض (ما لم يتحيل على قراءة تحرم عليه) كقراءة آية فأكثر، لما يأتي أن الحيل غير جائزة في شيء من أمور الدين.
(وله) أي: الجنب ونحوه (تهجيه) أي: القرآن لأنه ليس بقراءة له، فتبطل به الصلاة لخروجه عن نظمه وإعجازه، ذكره في "الفصول".
وله التفكر فيه.
وتحريك شفتيه به ما لم يبين الحروف.
_________________
(١) = التلخيص الحبير (١/ ٣٩). ونقل البيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٣٢٣) عن الشافعي أن أهل الحديث لا يثبتونه. وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٧٦): وكان أحمد بن حنبل يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وكان يوهن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة. وقال ابن المنذر: وحديث علي لا يثبت إسناده … وضعفه النووي في المجموع (٢/ ١٥٨)، والخلاصة (١/ ٢٠٦). وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩): وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد، فلا يدل على تحريم ما عداه. وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعًا بين الأدلة. اهـ.
(٢) الاختيارات الفقهية ص/ ٤٥.
(٣) كذا في جميع النسخ وفي هامش "ح": "لعله قال". قلنا: وهو كذلك كما في التنقيح ص/ ٣٠: "قلت: ما لم تكن طويلة".
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقراءة أبعاض آية متوالية، أو آيات سكت بينها سكوتًا طويلًا.
(و) له (الذكر) أي: أن يذكر الله تعالى؛ لما روى مسلم عن عائشة قالت: "كان النَّبيُّ - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه" (^١). ويأتي أنه يكره أذان جنب، قاله في "المبدع".
(و) له (قراءة لا تجزئ في الصلاة لإسرارها). نقله في "الفروع" عن ظاهر نهاية الأزجي، قال: وقال غيره: له تحريك شفتيه به إذا لم يبين الحروف.
(وله قول ما وافق قرآنًا ولم يقصده، كالبسملة، وقول: الحمد لله رب العالمين، وكآية الاسترجاع): ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (^٢). وهي بعض آية لا آية، (و) كآية (الركوب): ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (^٣). وكذا آية النزول: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (^٤).
(وله أن ينظر في المصحف من غير تلاوة).
(و) أن (يقرأ عليه وهو ساكت)؛ لأنه في هذه الحالة لا ينسب إلى القراءة، قاله أبو المعالي.
(ويمنع كافر من قراءته، ولو رجي إسلامه) قياسًا على الجنب وأولى.
(ولجنب) ونحوه (عبور مسجد، ولو لغير حاجة) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٥) وهو الطريق.
وروى سعيد بن منصور، عن جابر قال: "كان أحدُنا يمرُّ في المسجِدِ
_________________
(١) رواه مسلم في الحيض، حديث ٣٧٣.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٦.
(٣) سورة الزخرف، الآية: ١٣، ١٤.
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٢٩.
(٥) سورة النساء، الآية: ٤٣.
[ ١ / ٣٤٦ ]
جُنُبًا مجتازًا" (^١).
وحديث عائشة: "إن حيضتكِ ليستْ في يدِكِ" رواه مسلم (^٢)، شاهد بذلك.
وقيل: لحاجة فقط. ومشى عليه في "المختصر"، ومن الحاجة: كونه طريقًا قصيرًا، لكن كره أحمد اتخاذه طريقًا (^٣).
(وكذا حائض، ونفساء مع أمن تلويثه) أي: المسجد، فلهما عبوره كالجنب.
(وإن خافتا) أي: الحائض، والنفساء (تلويثه) أي: المسجد (حرم) دخولهما فيه (كلبثهما فيه) مطلقًا (- ويأتي في الحيض -.
ويمنع من عبوره واللبث فيه السكران) لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٤).
(و) يمنع منه (المجنون)؛ لأنه أولى من السكران بالمنع.
(ويمنع) من المسجد (من عليه نجاسة تتعدى)؛ لأنه مظنة تلويثه.
(ولا يتيمم لها) أي: للنجاسة التي تتعدى إن احتاج اللبث (لعذر). وقال بعضهم: يتيمم لها للعذر، قال في "الفروع": وهذا ضعيف.
(ويسن منع الصغير منه). نقل مهنا: ينبغي أن تجتنب (^٥) الصبيان
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور تفسير سورة النساء (٤/ ١٢٧٠)، حديث ٦٤٥. ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة: (١/ ١٤٦)، والدارمي في الطهارة، باب ١١٧، (١/ ٢٨١)، والبيهقي (٢/ ٤٤٣) وفي "معرفة السنن والآثار": حديث ٥٠٩٧. من رواية أبي الزبير المكي، عن جابر - ﵁ -، وأبو الزبير مدلس، وقد عنعن.
(٢) في الحيض، حديث ٢٩٨، ٢٩٩.
(٣) ينظر كتاب المسائل للكوسج (١/ ٤٥٢)، ومسائل ابن هانئ (١/ ٦٩).
(٤) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٥) صححت في "ذ" بـ "تجنب".
[ ١ / ٣٤٧ ]
المساجد. قال في "الآداب الكبرى" (^١): أطلقوا العبارة، والمراد والله أعلم: إذا كان صغيرًا لا يميز لغير مصلحة ولا فائدة اهـ فلهذا قال:
(ويمنع من اللعب فيه، لا لصلاة، وقراءة.
ويكره اتخاذ المسجد طريقًا) نصًا (ويأتي في الاعتكاف.
ويحرم على جنب، وحائض، ونفساء، انقطع دمهما لبث فيه) أي: المسجد لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (^٢) ولقوله - ﷺ -: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" رواه أبو داود (^٣). (ولو مصلى عيد، لأنه مسجد) لقوله - ﷺ -: "وليعتزلْ الحيضُ المصلَّى" (^٤). (لا مصلى الجنائز) فليس مسجدًا، لأن صلاة الجنائز ليست ذات ركوع وسجود، بخلاف صلاة العيد (إلا أن يتوضؤا) أي: الجنب، والحائض، والنفساء، إذا انقطع دمهما، فيجوز لهم اللبث في المسجد؛ لما روى سعيد بن منصور، والأثرم، عن عطاء بن يسار "قال: رأيت رجالًا من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - يجْلِسُونَ في المسْجِدِ، وهم مجنِبُونَ إذا توضأوا وُضُوءَ الصَّلاة" (^٥). قال في "المبدع": إسناده صحيح. ولأن الوضوء يخفف حدثه، فيزول بعض ما منعه. قال الشيخ
_________________
(١) الآداب الشرعية (٣/ ٢٩٦).
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٤٣ تعليق رقم ٢.
(٤) جزء من حديث رواه البخاري في الحيض، باب ٢٣، حديث ٣٢٤، عن حفصة - ﵂ -، ورواه - أيضًا - في الصلاة، باب ٢، حديث ٣٥١، وفي العيدين، باب ١٥، حديث ٩٧٤، وباب ٢٠، حديث ٩٨٠، ٩٨١، وفي الحج، باب ٨١، حديث ١٦٥٢، ومسلم في صلاة العيدين، حديث ٨٩٠، عن أم عطية - ﵂ -.
(٥) رواه سعيد بن منصور (٤/ ١٢٧٥) حديث ٦٤٦.
[ ١ / ٣٤٨ ]
تقي الدين (^١): وحينئذ فيجوز أن ينام في المسجد، حيث ينام غيره، وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء فذلك الوضوء الذي يرفع الحدث الأصغر، ووضوء الجنب لتخفيف الجنابة، وإلا فهذا الوضوء لا يبيح له ما يمنعه الحدث الأصغر، من الصلاة، والطواف، ومس المصحف. نقله عنه في "الآداب الكبرى" واقتصر عليه.
(فلو تعذر) الوضوء على الجنب، ونحوه (واحتيج إليه) أي: إلى اللبث في المسجد لخوف ضرر بخروجه منه (جاز) له اللبث فيه (من غير تيمم، نصًا) واحتج بأن وفد عبد القيس قدموا على النَّبيِّ - ﷺ - فأنزلهم المسجد (^٢)، (و) اللبث (به) أي: بالتيمم (أولى) خروجًا من الخلاف.
(ويتيمم) الجنب، ونحوه (لأجل لبثه فيه لغسل) إذا تعذر عليه الوضوء والغسل عاجلًا، قال ابن قندس: واحتاج إلى اللبث فيه. ورده في "شرح المنتهى" بأنه إذا احتاج للبث (^٣) جاز بلا تيمم قال: والظاهر تقييده بعدم الاحتياج.
(ولمستحاضة، ومن به سلس البول عبوره) أي: المسجد (واللبث فيه مع أمن تلويثه) بالنجاسة، لحديث عائشة: "أن امرأة من أزاوج النَّبيِّ - ﷺ - اعتكفت معه وهي مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعت
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ٣٤٥).
(٢) لم نقف على من أخرجه بهذا اللفظ، وقد روى أبو داود في الخراج، وإلامارة، باب ٢٦، حديث ٣٠٢٦، والطيالسي ص/ ١٢٦، حديث ٩٣٩، وأحمد (٤/ ٢١٨)، وابن الجارود (٣٧٣)، والبيهقي (٢/ ٤٤٥) عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص - ﵁ - أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله - ﷺ - فأنزلهم المسجد. والحسن مدلس وقد عنعن.
(٣) في "ح" و"ذ": "فيه".
[ ١ / ٣٤٩ ]
الطست تحتها وهي تصلي" رواه البخاري (^١). (ومع خوفه) أي: خوف تلويثه (يحرمان) أي: العبور، واللبث؛ لوجوب صون المسجد عما ينجسه.
(ولا يكره لجنب، ونحوه) كحائض، ونفساء (إزالة شيء من شعره، وظفره قبل غسله) كالمحدث.
_________________
(١) في الحيض، باب ١٠، حديث ٣٠٩، ٣١٠، وفي الاعتكاف، باب ١٠، حديث ٢٠٣٧.
[ ١ / ٣٥٠ ]