فصل
(وتطهر أرض متنجسة بمائع) كبول، (أو) بنجاسة (ذات جرم أزيل) ذلك (عنها، ولو) كانت النجاسة (من كلب، نصًا) أو خنزير.
(و) يطهر (صخر، وأجرنة حمام) ونحوه: صغار مبنية، أو كبار مطلقًا، قاله في "الرعاية" (وحيطان، وأحواض، ونحوها (^١): بمكاثرة الماء عليها) أي: المذكورات، من الأرض، والصخر، وما عطف عليها، لحديث أنس قال: "جاءَ أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فقامَ إليه الناسُ ليقَعُوا بِهِ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: دعُوه، وأرِيقُوا على بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ ماءٍ، أو ذَنوبًا من ماءٍ" متفق عليه (^٢). ولو لم يطهر بذلك لكان تكثيرًا للنجاسة، ولأن الأرض مصاب الفضلات، ومطارح الأقذار، فلم يعتبر في تطهيرها عدد، دفعًا للحرج والمشقة، (ولو) كان ما كوثرت به (من مطر، وسيل)، لأن تطهير النجاسة لا يعتبر فيه النية، فاستوى ما صبه الآدمي وغيره.
والمراد بالمكاثرة: صب الماء على النجاسة (بحيث يغمرها من غير) اعتبار (عدد) لما تقدم (ولم يبق للنجاسة عين، ولا أثر من لون، أو ريح) فإن لم يذهبا لم تطهر، (إن لم يعجز) عن إزالتهما، أو إزالة أحدهما.
_________________
(١) عبارة المبدع [١/ ٢٣٩] حيث قال: "إذا كانت على الأرض وما اتصل بها من الحيطان والأحواض" تشعر بأن الأحواض والأجرنة إذا لم تكن متصلة بالأرض تكون كالأواني الكبيرة، فلابد فيها من السبع، وليس ببعيد. وفي الرعاية. . . إلخ ما قاله الشارح ا هـ ش م ص. "ش".
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٤ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٣٧ ]
قال في "المبدع": وإن كان مما لا يزال إلا بمشقة، سقط، كالثوب. ذكره في "الشرح".
وتطهر الأرض ونحوها بالمكاثرة، (ولو لم ينفصل الماء) الذي غسلت به عنها للخبر السابق حيث لم يأمر بإزالة الماء عنها.
(ويضر) بقاء (طعم) النجاسة بالأرض، كالثوب، لما تقدم.
(وإن تفرقت أجزاؤها) أي: النجاسة (واختلطت بأجزاء الأرض كالرميم، والدم إذا جف، والروث. لم تطهر) الأرض إذن (بالغسل)، لأن عين النجاسة لا تنقلب (بل) تطهر (بإزالة أجزاء المكان) بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة.
(ولو بادر البول، ونحوه) كالدم (وهو رطب، فقلع التراب الذي عليه أثره، فالباقي طاهر) لعدم وصول النجاسة إليه.
(وإن جف) البول، ونحوه، (فأزال ما عليه الأثر) من التراب، (لم تطهر) الأرض؛ لأن الأثر إنما يبين (^١) على ظاهرها (إلا أن يقلع ما يتيقن به زوال ما أصابه البول، والباقي طاهر) لتحققه عدم وصول النجاسة إليه.
(ولا تطهر أرض متنجسة، ولا غيرها) من المتنجسات (بشمس، ولا ريح، ولا جفاف) لأنه - ﷺ - "أمرَ بغسلِ بولِ الأعرابيِّ" (^٢) ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به، ولأن الأرض محل نجس، فلم يطهر (^٣) بالجفاف، كثياب.
وحديث ابن عمر: "كانتْ الكلابُ تبولُ وتقبلُ وتدبرُ في المسجدِ فلمْ
_________________
(١) صححت في "ذ" بـ"يبقى".
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٤ تعليق رقم ١.
(٣) في "ح": "فلم تطهر".
[ ١ / ٤٣٨ ]
يكونُوا يرشُّون شيئًا من ذلِكَ" رواه أحمد (^١)، وأبو داود بإسناد على شرط البخاري. يحتمل أنها كانت تبول في غير المسجد، ثم تقبل وتدبر فيه. فيكون إقبالها وإدبارها بعد بولها جمعًا بين الأدلة.
(ولا) تطهر (نجاسة باستحالة) لأنه - ﷺ - "نهَى عنْ أكلِ الجلالةِ وألبَانها" (^٢) لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.
_________________
(١) الإمام أحمد: (٢/ ٧١)، وأبو داود في الطهارة، باب ١٣٩، حديث ٣٨٢، وهو عند البخاري في الوضوء معلقًا، باب ١٧٣، حديث ١٧٤، وكلمة "تبول" ليست في بعض نسخ البخاري. ورواه -أيضًا- ابن خزيمة (١/ ١٥١) حديث ٣٠٠، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٥٣٧)، حديث ١٦٥٦، والبيهقي (٢/ ٤٢٩)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٨٢) حديث ٢٩٢، وقال: صحيح.
(٢) رواه أبو داود في الأطعمة، باب ٢٥، حديث ٣٧٨٥، والترمذي في الأطعمة، باب ٢٤، حديث ١٨٢٤، وابن ماجه في الذبائح، باب ١١، حديث ٣١٨٩، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٠٨) حديث ١٣٥٠٦، والحاكم (٢/ ٣٤)، والبيهقي (٩/ ٣٣٢)، والبغوي (١١/ ٢٥٢) حديث ٢٨٠٩ عن ابن عمر ﵄، وقال الترمذي: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود "الجهاد"، باب ٥٢، حديث ٢٥٥٨، والأطعمة حديث ٣٧٨٧، والحاكم (٢/ ٣٤ - ٣٥)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها. ورواه ابن أبي شيبة (٨/ ٣٣٤ - ٣٣٥) عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة أن يركب عليها، أو يشرب لبنها. ورواه أبو داود في الأطعمة، باب ٣٤، حديث ٣٨١١، والنسائي في الضحايا، باب ٤٣، حديث ٤٤٥٩، وأحمد (٢/ ٢١٩)، والدارقطني (٤/ ٢٨٣)، والحاكم (٢/ ٣٩، ١٠٣)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ بنحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: إسماعيل وأبوه ضعيفان. وقال البيهقي ليس هذا بقوي. وروى أبو داود في الأطعمة حديث ٣٧٨٦، والنسائي في الضحايا، باب =
[ ١ / ٤٣٩ ]
(ولا) تطهر نجاسة أيضًا بـ (ـنار، فالقُصرِمِل) أي: الرماد من الروث النجس: نجس (وصابون عمل من زيت نجس، ودخان نجاسة وغبارها) نجس.
(وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل، أو غيره) نجس (وتراب جبل بروث حمار) أو بغل ونحوه مما لا يؤكل لحمه (نجس) ولو احترق كالخزف. وكذا لو وقع كلب في ملاحة فصار ملحًا، أو في صبانة فصار صابونًا.
(إلا علقة خلق منها آدمي) أو حيوان طاهر. فإنها تصير طاهرة، بعد أن كانت نجسة. لأن نجاستها بصيرورتها علقة. فإذا زال ذلك، عادت إلى أصلها، كالماء الكثير المتغير بالنجاسة.
(و) إلا (خمرة انقلبت خلا بنفسها) فإنها تطهر؛ لأن نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن تطهر،
_________________
(١) = ٤٤، حديث ٤٤٦٠، وأحمد (١/ ٢٢٦، ٢٩٣، ٣٢١، ٣٣٩)، وابن الجارود (٨٨٧)، وابن حبان "الإحسان" (١٢/ ٢٢٠) حديث ٥٣٩٩، والطبراني فى الكبير (١١/ ٣٠٧) حديث ١١٨٢١، والحاكم (٢/ ٣٤)، والبيهقى (٩/ ٣٣٣، ٣٣٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - نهى عن لبن الجلالة. وفى رواية أحمد (١/ ٢٤١، ٣٣٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٠٦، ٣٤٩) حديث ١١٨١٩، ١١٨٢٠، ١١٩٧٧، ١١٩٧٨، نهى عن المجثمة والجلالة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصححه -أيضًا- النووى في المجموع (٩/ ٢٨)، وابن دقيق العيد كما في التلخيص الحبير (٤/ ١٥٦). وحديث ابن عباس ﵄ رواه البيهقي (٩/ ٣٣٣) بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها، لكن في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وأبو الزبير وهو مدلس.
[ ١ / ٤٤٠ ]
كالماء الذي تنجس بالتغير إذا زال تغيره بنفسه. ولا يلزم عليه سائر النجاسات، لكونها لا تطهر بالاستحالة، لأن نجاستها لعينها، والخمرة نجاستها لأمر زال بالانقلاب.
(أو) انقلبت الخمرة خلًا (بنقلها) من موضع إلى آخر، أو من دن إلى آخر (لغير قصد التخليل) فتطهر، كما لو انقلبت بنفسها.
(ويحرم تخليلها) ولو كانت ليتيم، لحديث مسلم عن أنس قال: "سئل النَّبيُّ - ﷺ - عن الخمرِ تتخذُ خلًا؟ قال: لا" (^١) والنبيذ كالخمر فيما تقدم.
(فإن خللت) أي: فعل بها شيء تصير به خلًا (ولو بنقلها لقصده) أي: التخليل، (لم تطهر) لما تقدم أنه يحرم تخليلها. فلا يترتب عليه الطهارة.
(ودنها) أي: الخمرة (مثلها، فيطهر بطهارتها) تبعًا لها، (ولو مما لم يلاق الخل مما فوقه مما أصابه الخمر في غليانه) فيطهر كالذي لاقاه الخل (كمحتفر من الأرض طهر ماؤه بمكث) أي: بزوال تغيره بنفسه (أو) بـ (إضافة) ماء كثير، أو بنزح بقي بعده كثير. ويدخل في ذلك ما بني في الأرض من الصهاريج، والبحرات؛ لأن ذلك يطهر بمكاثرته بالماء الطهور، وهي حاصلة (لا إناء طهر ماؤه بمكثه، أو كوثر ماء نجس فيه بماء كثير طهور، حتى صار) ما فيه (طهورًا لم يطهر الإناء بدون انفصاله) أي: الماء (عنه . فإذا انفصل) الماء عنه (حسبت غسلة واحدة) ولو خضخضه مرات (يبني (^٢) عليها) ما بقي من الغسلات.
(وبحرم على غير خلال (^٣) إمساك خمر، ليتخلل بنفسه، بل يراق)
_________________
(١) رواه مسلم في الأشربة، حديث ١٩٨٣.
(٢) في "ح": "بنى".
(٣) خمر الخلال، وغيره سواء، قال شيخ الإسلام في الاختيارات الفقهية ص/ ٣٩: إن الخمرة إذا خللت لا تطهر، وهو مذهب أحمد وغيره، لأنه منهي عن اقتنائها، مأمور =
[ ١ / ٤٤١ ]
الخمر (في الحال.
فإن خالف) غير الخلال (وأمسك) الخمر (فصار خلًا بنفسه) أو بنقله لا لقصد تخليل (طهر) لما تقدم.
وأما الخلال فلا يحرم عليه إمساك الخمر ليتخلل، لئلا يضيع ماله.
وإذا تخللت بنفسها، أو بنقل، لا لقصد تخليل، حلت، وإلا فلا.
(والخل المباح: أن يصب على العنب، أو العصير خل قبل غليانه) وقبل أن تمضي عليه ثلاثة أيام بلياليهن (حتى لا يغلي) قيل للإمام: فإن صب عليه خل فغلي؟ قال: يهراق.
(والحشيشة المسكرة نجسة) اختاره الشيخ تقي الدين (^١). والمراد بعد علاجها. كما يدل عليه كلام الغزي في شرحه على منظومته.
وقيل: طاهرة. قدمه في "الرعاية الكبرى". وحواشي صاحب "الفروع" على "المقنع" وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، وهو الصواب. قاله في تصحيح الفروع. والقول الثاني هو ظاهر ما قدمه في "المبدع".
(ولا يطهر دهن) تنجس (بغسله) لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه، ولو تحقق ذلك لم يأمر النَّبيُّ - ﷺ - بإراقه السمن الذى وقعت فيه الفأرة (^٢).
وقال أبو الخطاب: يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله. كزيت ونحوه.
_________________
(١) = بإراقتها، فإذا أمسكها، فهو الموجب لتنجسها، وعدم حلها، وسواء في ذلك خمر الخلال، وغيره.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٤٠، ٣٤/ ١٩٨، ٢٠٣).
(٣) روى البخاري في الوضوء، باب ٦٧، حديث ٢٣٥، ٢٣٦، وفي الذبائح والصيد، باب ٣٤، حديث ٥٥٣٨، ٥٥٤٠، عن ميمونة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن فأرة سقطت في سمن؟ فقال: ألقوها، وما حولها، فاطرحوه وكلوا سمنكم.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وكيفية تطهيره: أن يجعل في ماء كثير ويحرك، حتى يصيب جميع أجزائه. ثم يترك حتى يعلو على الماء، فيؤخذ.
وإن تركه في جرة وصب عليه ماء وحركه فيه، وجعل لها بزالًا، يخرج منه الماء جاز (ولا) يطهر (باطن حبٍّ) تشرب النجاسة.
(و) لا (عجين) تنجس. لأنه لا يمكن غسله.
(و) لا (لحم تنجس (^١» وتشرب النجاسة.
(ولا إناء تشرب نجاسة.
و) لا (سكين سقيت ماء نجسًا) أو بولًا، أو نحوه من النجاسات؛ لأن الغسل لا يستأصل أجزاء النجاسة مما ذكر.
قال أحمد في العجين: يطعم النواضح، ولا يطعم لشيء يؤكل في الحال. ولا يحلب لبنه، لئلا ينجس به، ويصير كالجلالة.
وقال أبو الفرج المقدسي في "المبهج": آنية الخمر منها المزفت، فيطهر بالغسل. لأن الزفت يمنع وصول النجاسة إلى جسم الإناء.
ومنها ما ليس بمزفت، فيتشرب أجزاء النجاسة، فلا يطهر بالتطهير؛ فإنه متى ترك فيه مائع، ظهر فيه طعمه، أو لونه.
(وقال ابن عقيل، وجماعة: يطهر الزئبق بالغسل) لأنه لقوته وتماسكه يجري مجرى الجامد، وبعده ابن حمدان.
(ويجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير مسجد) لجواز الانتفاع بالنجاسة على وجه لا تتعدى. وأما في المسجد فلا، لئلا يفضي إلى تنجيسه.
(ولا يحل أكله، ولا بيعه. ويأتي في البيع) لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه.
_________________
(١) قوله: ولحم تنجس قال في المبدع (١/ ٢٤٣): وإن طبخ لحم بماء نجس طهر ظاهره بغسله هـ ح س م ص. "ش".
[ ١ / ٤٤٣ ]
(وإن وقع في مائع سنور) وهو الهر (أو فأرة ونحوهما، مما ينضم دبره إذا وقع) في مائع (فخرج حيًا فطاهر) لانضمام دبره.
(وكذا) إذا وقع (في جامد، وهو) أي: الجامد (ما لم تسر النجاسة فيه) غالبًا، وقال ابن عقيل: ما لو فتح وعاؤه لم تسل أجزاؤه. قال في "الشرح": والظاهر خلافه، لأن سمن الحجاز لا يكاد يبلغه.
(وإن مات فيه) أي: الجامد هر، أو نحوه ألقيت وما حولها (أو حصلت منه) أي: السنور، ونحوه (رطوبة) وفي نسخة: (في دقيق ونحوه) كالسمن الجامد (ألقيت وما حولها، وباقيه طاهر) لحديث أبي هريرة في الفأرة تموت في السمن. رواه أحمد، وأبو داود (^١).
_________________
(١) أحمد: (٢/ ٢٣٣، ٢٦٥، ٤٩٠)، وأبو داود في الأطعمة، باب ٤٨، حديث ٣٨٤٢. ورواه -أيضًا- عبد الرزاق (١/ ٨٤)، وابن أبي شيبة (٨/ ٢٨٠)، وأبو يعلى (١٠/ ٢١٣) حديث ٥٨٤١، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٢٣٧، ٢٣٨) حديث ١٣٩٣، ١٣٩٤، والدارقطني في العلل (٧/ ٢٨٧)، والبيهقي (٩/ ٣٥٣)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٤٠ - ١٤١)، والبغوي (١١/ ٢٥٧) حديث ٢٨١٢ من طريق معمر من الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن فأرة وقعت في سمن، فماتت؟ فقال: إن كان جامدًا، فخذوها وما حولها، ثم كلوا ما بقي، وإن كان مائعًا، فلا تأكلوه. وفي لفظ: فلا تقربوه. ورواه البخاري في الوضوء باب ٦٧، حديث ٢٣٥، ٢٣٦، وفي الذبائح والصيد، باب ٣٤، حديث ٥٥٣٨، ٥٥٤٠، وغيره من طريق مالك، وابن عيينة عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن فأرة سقطت في سمن؟ فقال: ألقوها، وما حولها فاطرحره، وكلوا سمنكم. =
[ ١ / ٤٤٤ ]
(فإن اختلط) النجس بالطاهر (ولم ينضبط) النجس (حرم) الكل، تغليبًا لجانب الحظر (وتقدم إذا وقعت النجاسة في مائع) في الثالث من أقسام المياه، وأنه ينجس وإن كثر، ولو كانت النجاسة معفوًا عنها.
(وإذا خفي موضع نجاسة في بدن، أو ثوب، أو مصلى صغير، كبيت صغير، لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها، فلا يكفي الظن) لأنه اشتبه الطاهر بالنجس، فوجب عليه اجتناب الجميع، حتى يتيقن الطهارة بالغسل. كما لو خفي المذكى بالميت. ولأن النجاسة متيقنة، فلا تزول إلا بيقين الطهارة.
فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله، وإن علمها في أحد كميه وجهله غسلهما.
وإن رآها في بدنه، أو ثوبه الذي عليه، غسل ما يقع عليه نظره.
(و) إن خفيت نجاسة (في صحراء واسعة ونحوها) كحوش واسع
_________________
(١) = ولذا حكم الأئمة على حديث معمر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ بالوهم، وقالوا: المحفوظ سندًا ومتنًا حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃. انظر سنن الترمذي، الأطعمة، باب ٨، حديث ١٧٩٨، وقال: … وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح، وروى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - - نحوه، وهو حديث غير محفوظ. . . وفي علل الترمذي الكبير ص/ ٢٩٨، حديث ٥٥٣، قال محمد "يعني البخاري": وحديث معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، وَهِمَ فيه معمر، ليس له أصل. انظر العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٢)، وتهذيب السنن لابن القيم (٥/ ٣٣٦)، وفتح الباري (٩/ ٦٦٩).
[ ١ / ٤٤٥ ]
(يصلي فيها بلا غسل، ولا تحر) فيصلي حيث شاء؛ لئلا يفضي إلى الحرج، والمشقة.
(وبول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة نجس) صرح به الجمهور، كبول الكبير، لكن (يجزئ نضحه. وهو غمره بالماء وإِن لم ينفصل) الماء عن المحل (ويطهر) المحل (به) أي: بالنضح بول الغلام المذكور، لحديث أم قيس بنت محصن أنها "أتتْ بابنٍ لها صغير لم يأكلْ الطعام إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فأجلسه في حجره، فبالَ على ثوبِهِ، فدعا بماءٍ فنضحَه، ولم يغْسلْهُ" متفق عليه (^١).
وقولها: "لم يأكل الطعام" أي: بشهوة واختيار، لا عدم أكله بالكلية، لأنه يسقى الأدوية، والسكر، ويحنك حين الولادة. فإن أكله بنفسه غسل؛ لأن الرخصة إنما وردت فيمن لم يأكل الطعام، فيبقى من عداه على الأصل.
(وكذا قيؤه) أي: قيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة (وهو أخف من بوله) فيكفي نضحه، بطريق الأولى.
و(لا) ينضح بول (أنثى وخنثى) وقيؤهما، بل يغسل، لقول علي يرفعه: "ينضحُ من (^٢) بولِ الغلامِ، ويغسلُ من (^٢) بولِ الجاريةِ" (^٣) قال قتادة: هذا إذا
_________________
(١) البخاري في الوضوء، باب ٥٩، حديث ٢٢٣، ومسلم في الطهارة، حديث ٢٨٧.
(٢) في "ح" و"ذ": بدون "من".
(٣) رواه أبو داود في الطهارة، باب ١٣٧، حديث ٣٧٨، والترمذي في الصلاة، باب ٧٧، حديث ٦١٠، وقال: حديث حسن صحيح. وفي العلل الكبير ص/ ٤٢، حديث ٣٨، وابن ماجه في الطهارة، باب ٧٧، حديث ٥٢٥، وأحمد (١/ ٧٦، ٩٧، ١٣٧)، وعبد الله بن الإمام أحمد من زوائده (١/ ١٣٧)، والبزار في مسنده (٢/ ٢٩٤)، حديث ٧١٧، وأبو يعلى (١/ ٢٦١) حديث ٣٠٧، وابن خزيمة (١/ ١٤٣)، حديث ٢٨٤، والطحاوي (١/ ٩٢)، وابن حبان "الإحسان" =
[ ١ / ٤٤٦ ]
لم يطعما، فإذا طعما، غسلا جميعًا.
والحكمة فيه: أن بول الغلام يخرج بقوة، فينتشر، أو أنه يكثر حمله على الأيدي، فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار، فبوله رقيق بخلاف الجارية.
وقال الشافعي: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما (^١).
وذكر بعضهم: أن الغلام أصله من الماء والتراب، والجارية من اللحم والدم. وقد أفاده ابن ماجه في "سننه" (^٢)، وهو غريب.
(وإذا تنجس أسفل خف، أو حذاء) وهو النعل (أو نحوهما) كالسرموزة (^٣) (أو) تنجس أسفل (رجل، أو ذيل امرأة، يمشي، أو غيره، وجب غسله) كالثوب، والبدن. قال في "الإنصاف": يسير النجاسة إذا كانت على أسفل الخف، والحذاء بعد الدلك يعفى عنه، على القول بنجاسته.
_________________
(١) = (٤/ ٢١٢) حديث ١٣٧٥، والدارقطني (١/ ١٢٩)، والحاكم (١/ ١٦٥ - ١٦٦)، والبيهقي (٢/ ٤١٥)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وحسنه النووي في المجموع (٢/ ٥٨٩). رواه أبو داود -أيضًا- حديث ٣٧٧، وعبد الرزاق (١/ ٣٨١) حديث ١٤٨٨، وابن أبي شيبة (١/ ١٢١)، والبيهقي (٢/ ٤١٥) عن علي ﵁ - موقوفًا. قال الحافظ في فتح الباري (١/ ٣٢٦): وليس ذلك بعلة قادحة. انظر علل الترمذي ص/ ٤٣، وعلل الدارقطني (٤/ ١٨٤) حديث ٤٩٥، والتلخيص الحبير (١/ ٢٨).
(٢) ينظر السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤١٦).
(٣) الطهارة، باب ٧٧ (١/ ١٧٥)، وهذه الإفادة عن الإمام الشافعي -أيضًا- وهي من زيادات أبي الحسن القطان على سنن ابن ماجه وليست من ابن ماجه كما ذكره المؤلف. انظر زيادات أبي الحسن القطان على سنن ابن ماجه ص/ ٥٢.
(٤) تقدم تعريفها ص/ ١١٠.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وقطع به الأصحاب. اهـ.
قلت: وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "إذا وطئ الأذى بخفيه، فطهورهما التراب" رواه أحمد، وأبو داود (^١) من رواية محمد بن عجلان وهو ثقة، روى له مسلم، ولأنه ﵇ هو وأصحابه "كانوا يصلُّون في نِعَالِهم" والظاهر أنها لا تسلم من نجاسة تصيبها، فلولا أن دلكها يجزئ، لما صحت الصلاة فيها، ولأنه محل يتكرر إصابة النجاسة له، فعفي (^٢) عنه بعد الدلك كالسبيلين.
_________________
(١) أبو داود في الطهارة، باب ١٤١، حديث ٣٨٦، ولم نجده في المسند، ورواه ابن خزيمة: (١/ ١٤٨) حديث ٢٩٢، والطحاوي (١/ ٥١)، والعقيلي (٢/ ٢٥٧)، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٢٥٠) حديث ١٤٠٤، وابن حزم في المحلى (١/ ٩٣، ٩٤)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠)، وفي معرفة السنن والآثار (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨). ورواه -أيضًا- أبو داود، حديث ٣٨٥ من طريق الإمام أحمد، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٦٨) حديث ٧٣٤، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٢٤٩) حديث ١٤٠٣، والحاكم (١/ ١٦٦)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٩٣) حديث ٣٠٠، بنحوه. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ولم يعقبه الذهبي بشيء. وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٣٤): وهو حديث مضطرب الإسناد لا يثبت. وضعفه النووي في المجموع (١/ ٩٧)، وقال الحافظ في التلخيص الكبير (١/ ٢٧٨): وهو معلول، اختلف فيه على الأوزاعي، وسنده ضعيف. انظر بيان الوهم والإيهام (٥/ ١٢٦)، ونصب الراية (١/ ٢٠٨). ولحديث أبي هريرة ﵁ هذا شاهد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. رواه أبو داود في الصلاة، باب ٨٩، حديث ٦٥٠، وغيره. وفيه: فإذا رأى في نعليه قذرًا فيمسحهما بالأرض ثم يصلي فيهما. وسيأتي تخريجه في باب اجتناب النجاسة من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
(٢) في "ح": "فيعفى".
[ ١ / ٤٤٨ ]