فصل
(ولا يصح التيمم إلا بتراب طهور)؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^١) وما لا غبار له، كالصخر لا يمسح بشيء منه.
وقال ابن عباس: "الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر" (^٢).
يؤكده قوله - ﷺ -: "وجُعِلَ لي الترابُ طَهُورًا" رواه الشافعي، وأحمد من حديث علي (^٣). وهو حديث حسن، فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٢) رواه عبد الرزاق (١/ ٢١١)، حديث ٨١٤، وابن أبي شيبة (١/ ١٦١)، والبيهقي (١/ ٢١٤) عن ابن عباس ﵄ بلفظ: أطيب الصعيد أرض الحرث. وفي لفظ: الصعيد الحرث، حرث الأرض. وذكره الحافظ في المطالب العالية (٣/ ٤٣٩) حديث ١٦٠، وعزاه إلى أبي يعلى، وقال: موقوف حسن. وقال البوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة (١/ ٢٧١): موقوف رجاله ثقات.
(٣) رواه أحمد: (١/ ٩٨، ١٥٨)، ولم نجده عند الشافعي من رواية علي ﵁، ورواه -أيضًا- ابن أبي شيبة (١١/ ٤٣٤)، والبزار في مسنده (٢/ ٢٥١) حديث ٦٥٦، والبيهقي (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٠) وقال: … الحديث حسن، وقال في موضع آخر (٨/ ٢٦٩): إسناده جيد. وحسن إسناده -أيضًا- الحافظ في الفتح (١/ ٤٣٨). وله شاهد من حديث حذيفة ﵁ أخرجه مسلم في المساجد حديث ٥٢٢.
[ ١ / ٤٠٧ ]
والقول بأن "من" لابتداء الغاية، قال في "الكشاف" (^١): قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسح برأسه من الدهن، ومن الماء، والتراب، إلا معنى التبعيض. والإذعان للحق أحق من المراء.
فلا يصح التيمم برمل، ونحت حجارة، ونحوه، ولا بتراب زالت طهوريته، وتأتي تتمته.
(مباح) فلا يصح بمغصوب ونحوه، لحديث: "من عملَ عملًا ليسَ عليهِ أمرنا فهو ردٌّ" (^٢). قال في "الفروع": وتراب مغصوب كالماء، وظاهره: ولو تراب مسجد، وفاقًا للشافعي (^٣)، وغيره. ولعله غير مراد، فإنه لا يكره بتراب زمزم، مع أنَّه مسجد.
(غير محترق) فلا يصح التيمم بما حرق من خزف، ونحوه؛ لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب.
(له غبار يعلق باليد) أو غيرها لما تقدم. (ولو على لبد أو غيره) كثوب، وبساط، وحصير، وحائط، وصخرة، وحيوان، وبرذعة حمار، وشجر، وخشب، وعدل شعير، ونحوه، مما عليه غبار طهور (حتى مع وجود تراب) ليس على شيء مما تقدم فلا يصح التيمم بسبخة، ونحوها مما ليس له غبار.
و(لا بطين) رطب، لأنه ليس بتراب (لكن إن أمكنه تجفيفه والتيمم به قبل خروج الوقت، لزمه ذلك) لأنه قادر على استعماله في الوقت، فلزمه كما لو وجد ماء ببئر، فإن لم يمكنه إلا بعد خروج الوقت، لم يلزمه.
(ولا) يصح التيمم (بتراب مقبرة تكرر نبشها) لاختلاطه بالصديد (فإن لم
_________________
(١) الكشاف للزمخشرى (١/ ٣٩٨).
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٦ تعليق رقم ١.
(٣) ينظر المجموع (٢/ ١٧٦، ١٨٣).
[ ١ / ٤٠٨ ]
يتكرر) نبشها (جاز) التيمم بترابها.
وإن شك فيه، أو في نجاسة التراب الذي يتيمم به، جاز التيمم به؛ لأن الأصل الطهارة، قاله في "الشرح" ومنع منه ابن عقيل، وإن لم يتكرر.
(وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيمم) احتياطًا للعبادة (وقال الشيخ (^١) وغيره: لا يحمله) قال في "الفروع": وهو أظهر، وقال في "الإنصاف": (وهو الصواب) إذ لم ينقل عن الصحابة، ولا غيرهم من السلف فعل ذلك، مع كثرة أسفارهم.
(ولو وجد ثلجًا وتعذر تذويبه، لزمه مسح أعضائه) الواجب غسلها (به) لقوله - ﷺ -: "إذا أمرتكم بأمرٍ فائتُوا منهُ ما استَطعتُم" (^٢)؛ ولأنه ماء جامد تعذر أن يستعمل الاستعمال المعتاد وهو الغسل، لعدم ما يذيبه، فوجب أن يستعمل الاستعمال المقدور عليه (ويعيد) الصلاة إن لم يجر على الأعضاء بالمس، لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة بلا طهارة كاملة، ومثله لو صلى بلا تيمم، مع وجود طين يابس عنده، لعدم ما يدقه به، ليصير له غبار.
(وإن كان) الثلج (يجري) أي: يسيل على الأعضاء (إذا مس يده) وغيرها من باقى الأعضاء (لم يعد) الصلاة حيث جرى بالمس. لوجود الغسل المأمور به، وإن كان خفيفًا.
(ولو نحت الحجر حتى صار ترابًا، لم يصح التيمم به) لما تقدم، (لا الطين الصلب كـ) ـالطين (الأرمني إذا دقه) وصار له غبار، فإنه يصح التيمم به، لأنه تراب.
(فإن خالط التراب) الطهور (ذو غبار لا يصح التيمم به، كالجص
_________________
(١) الاختيارات الفقهية ص/ ٣٦.
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٣٩٧ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ونحوه) كالنورة، ودقيق البر، ونحوه (فكالماء إذا خالطته الطاهرات) فإن كانت الغلبة للتراب جاز، وإن كانت للمخالط لم يجز، ذكره القاضي، وأبو الخطاب. قياسًا على الماء.
وإن خالطه نجاسة، فقال ابن عقيل: لا يجوز التيمم به، وإن كثر التراب، لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فهو كالمائعات.
(ولا يكره التيمم بتراب زمزم مع أنه مسجد، وما تيمم به) وهو ما تناثر من الوجه واليدين، أو بقي عليهما بعد مسحهما به (كماء مستعمل) لأنه استعمل في طهارة أباحت الصلاة، فأشبه الماء.
(ولا بأس بما تيمم منه) يعني لو تيمم جماعة من موضع واحد، فلا بأس بذلك، بلا خلاف، كما لو توضؤوا من حوض واحد يغترفون منه.
(وتشترط النية لما يتيمم له) من حدث أو خبث، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (^١)؛ ولأن التيمم طهارة حكمية، بخلاف غسل النجاسة.
(ولو يممه غيره فكوضوء) إن نواه المفعول به صح، إن لم يكن الفاعل مكرهًا (وتقدم فيه) باب الوضوء.
(فينوي) بالتيمم (استباحة ما لا يباح إلا به) كالصلاة ونحوها، ويعين ما يتيمم له وفرضه، إن كان له نفل؛ لقوله ﵇: "وإنما لكلّ امرئٍ ما نوى" (^١).
(فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه) لأن التيمم غير رافع، كما تقدم بخلاف الوضوء والغسل.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/١٩٣ تعليق رقم ٢.
[ ١ / ٤١٠ ]