فصل
(ويسن أن يتوضأ بمد، وهو مائة وأحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم) إسلامي.
(و) بالمثاقيل (مائة وعشرون مثقالًا.
و) بالأرطال (رطل وثلث رطل عراقي وما وافقه) أي: الرطل العراقي في زنته من البلدان.
(ورطل وأوقيتان وسبعا أوقية مصري. وما وافقه، وثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية دمشقية وما وافقه.
وأوقيتان وستة أسباع أوقية حلبية وما وافقه، وأوقيتان وأربعة أسباع أوقية قدسية وما وافقه، وأوقيتان وسبعا أوقية بعلية وما وافقه).
(و) يسن أن (يغتسل بصاع، وهو) أربعة أمداد فهو (ستمائة وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أسباع درهم وأربعمائة وثمانون مثقالًا، وخمسة أرطال وثلث رطل عراقي بالبر الرزين) الجيد، وهو المساوى للعدس في زنته (نص عليهما) أي: على أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وأنه بالبر الرزين. وذلك لما روى أنس أن النَّبيَّ - ﷺ - "كان يتوضأ بالمدِّ ويغتسلُ بالصَّاعِ" متفق عليه (^١).
وقال لكعب بن عجرة: "أطعمْ ستةَ مسكِينَ فرَقًا من طعامٍ" قال أبو عبيد (^٢): اختلاف بين الناس أعلمه أن الفرق ثلاثة آصع. والفرق -بفتح الراء-
_________________
(١) البخاري في الوضوء، باب ٤٧، حديث ٢٠١، ومسلم في الحيض، حديث ٣٢٥ (٥١).
(٢) كتاب الأموال ص/ ٦٢٥.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ستة عشر رطلًا بالعراقي.
(و) الصاع (أربعة أرطال وتسع أواق وسبع أوقية) رطل (مصري.
و) الصاع (رطل وأوقية وخمسة أسباع أوقية) رطل (دمشقي.
وإحدى عشرة أوقية وثلاثة أسباع أوقية حلبية.
وعشر أواق وسبعا أوقية قدسية.
وتسع أواق وسبع أوقية بعلية.
وهذا) أي: بيان قدر المد والصاع (ينفعك هنا) أي: في المياه (وفي) باب (الفطرة، والفدية، والكفارة) بسائر أنواعها (وغيرها) كما لو نذر الصدقة بمد أو صاع.
(فإن أسبغ بدونهما) بأن توضأ بدون مد، أو اغتسل بدون صاع (أجزأه) ذلك؛ لأن الله تعالى أمرَ بالغسل، وقد فعله، (ولم يكره) لحديث عائشة قالت: "كنتُ أغتسلُ أنا والنَّبيُّ - ﷺ - من إناءٍ واحدٍ يسعُ ثلاثةَ أمدادٍ أو قريبًا من ذَلكَ" رواه مسلم (^١).
وعن أم عمارة بنت كعب "أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - توضأ فأتي بماءٍ في إناءٍ قدر ثلثَيْ المدِّ" رواه أبو داود، والنسائي (^٢). ومنطوق هذا: مقدم على مفهوم قوله - ﷺ -: "يجزيءُ في الوضوء المدُّ، وفي الغسلِ الصاعُ" رواه أحمد، والأثرم (^٣).
_________________
(١) في الحيض، حديث ٣٢١ (٤٤).
(٢) أبو داود في الطهارة، باب ٤٤، حديث ٩٤، والنسائي في الطهارة، باب ٥٩، حديث ٧٤، ورواه البيهقي (١/ ١٩٦) وصحح إسناده النووي في الخلاصة (١/ ١١٨).
(٣) أحمد: (٣/ ٣٠٣، ٣٧٠)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، بلفظ: "يجزئ من الوضوء المد من الماء، ومن الجنابة الصاع"، ورواه -أيضًا- الطيالسي =
[ ١ / ٣٧٠ ]
(والإسباغ) في الوضوء والغسل: (تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه ولا يكون مسحًا)، لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . . الآية﴾ (^١) والمسح ليس غسلًا.
(فإن مسحه) أي: العضو بالماء (أو أمرَّ الثلج عليه، لم تحصل الطهاره به. وإن ابتل به) أي: الثلج (العضو) الذي يجب غسله؛ لأن ذلك مسح لا غسل.
(إلا أن يكون) الثلج (خفيفًا فيذوب، ويجري على العضو) فيجزئ، لحصول الغسل المطلوب.
(ويكره الإسراف فى الماء ولو على نهر جار) لحديث ابن عمر: "أن النَّبيَّ - ﷺ - مرَّ على سعدٍ وهوَ يتوضأ فقال: ما هذا السَّرَفُ؟ فقال: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قال نعمْ وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ" رواه ابن ماجه (^٢).
_________________
(١) = (٢٣٩) حديث ١٧٣٢، وابن أبي شيبة (١/ ٦٥ - ٦٦)، وعبد بن حميد (٣/ ٥٧) حديث ١١١٢، وابن خزيمة (١/ ٦٢)، والطحاوي (٢/ ٥٠)، والحاكم (١/ ١٦١)، وابن السكن كما في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٧٠)، والبيهقي (١/ ١٩٥)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وجود إسناده ابن القطان فى بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٧٠).
(٢) سورة المائدة، الآية ٦.
(٣) في الطهارة، باب ٤٨، حديث ٤٢٥، ورواه -أيضًا- أحمد (٢/ ٢٢١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، باللفظ الذي ذكره المؤلف، وأما حديث ابن عمر ﵄ فرواه -أيضًا- ابن ماجه، حديث ٤٢٤ بلفظ: "رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يتوضأ، فقال: لا تسرف، لا تسرف". وكلا الحديثين ضعيف، ضعفهما النووى في الخلاصة (١/ ١١٧، ١١٨)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٤) في حديث ابن عمرو: هذا إسناد ضعيف لضعف حيي بن عبد الله، وعبد الله بن لهيعة. وقال في حديث ابن عمر: هذا إسناد ضعيف، الفضل بن عطية ضعيف، وابنه كذاب، وبقية مدلس.
[ ١ / ٣٧١ ]
(وإذا اغتسل ينوي الطهارتين من الحدثين) أجزأ عنهما، ولم يلزمه ترتيب، ولا موالاة؛ لأن الله تعالى أمر الجنب بالتطهير، ولم يأمر معه بوضوء، ولأنهما عبادتان، فتداخلتا في الفعل، كما تدخل العمرة في الحج.
وظاهره كـ"الشرح" و"المبدع" وغيرهما: يسقط مسح الرأس، اكتفاء عنه بغسلها ولم (^١) يمر يده.
وقال أبو بكر: يتداخلان إن أتى بخصائص الصغرى كالترتيب، والموالاة، والمسح.
(أو) نوى (رفع الحدث وأطلق) فلم يقيده بالأكبر، ولا بالأصغر، أجزأ عنهما لشمول الحدث لهما.
(أو) نوى (استباحة الصلاة.
أو) نوى (أمرًا لا يباح إلا بوضوء وغسل كمس مصحف) وطواف (أجزأ عنهما) لاستلزام ذلك رفعهما، (وسقط الترتيب والموالاة) لدخول الوضوء في الغسل، فصار الحكم للغسل كالعمرة مع الحج.
(وإن نوى) من عليه غسل بالغسل استباحة (قراءة القرآن، ارتفع الأكبر فقط)؛ لأن قراءة القرآن إنما تتوقف على رفعه لا على رفع الأصغر.
(وإن نوى) الجنب ونحوه (أحدهما) أي: نوى رفع أحد الحدثين: الأكبر، أو الأصغر (لم يرتفع غيره) لقوله - ﷺ -: "وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى" (^٢) وقال الأزجي والشيخ تقي الدين (^٣): إذا نوى الأكبر ارتفعا.
(ومن توضأ قبل غسله) يعني أو في أوله (كره له إعادته بعد الغسل)
_________________
(١) في "ح" و"ذ": "وإن لم" وهو الأنسب للسياق.
(٢) تقدم تخريجه ص/١٩٣ تعليق رقم ٢.
(٣) الاختيارات الفقهية (٣١).
[ ١ / ٣٧٢ ]
لحديث عائشة قالت: "كان - ﷺ - لا يتوضأ بعد الغسل" رواه الجماعة (^١).
(إلا أن ينتقض وضوؤه بمس فرجه، أو غيره) كمس امرأة لشهوة، أو بخروج خارج، فيجب عليه إعادته للصلاة، ونحوها. وتستحب لنحو قراءة، وأذان، لوجود سببه.
(وإن نوت من انقطع حيضها) أو نفاسها (بغسلها حل الوطء صح) غسلها، وارتفع الحدث الأكبر؛ لأن حل وطئها يتوقف على رفعه.
وقيل: لا يصح، لأنها إنما نوت ما يوجب الغسل، وهو الوطء، وفيه نظر ظاهر، إذ لا فرق بين الوطء وحله.
(ويسن لكل مَن جَنُبَ ولو امرأة، وحائض، ونفساء بعد انقطاع الدم) قلت: وكافر أسلم قياسًا عليهم (إذا أراد النوم، أو الأكل، أو الشرب، أو الوطء ثانيًا، أن يغسل فرجه) لإزالة ما عليه من الأذي، (ويتوضأ). روى ذلك عن علي، وابن عمر (^٢).
أما كونه يستحب بالنوم، فلما روى ابن عمر أن عمر قال: "يا رسولَ اللهِ،
_________________
(١) رواه أبو داود في الطهارة، باب ٩٩، حديث ٢٥٠، والترمذي في الطهارة باب ٧٩، حديث ١٠٧، والنسائي في الطهارة، باب ١٦٠، حديث ٢٥٢، وفي الغسل باب ٢٤، حديث ٤٢٨، وابن ماجه في الطهارة، باب ٩٦، حديث ٥٧٩، وأحمد (٦/ ٦٨، ١١٩، ١٥٤، ١٩٢، ٢٥٣، ٢٥٨) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه -أيضًا- أبو يعلى (٨/ ٢٥) حديث ٤٥٣١، والحاكم (١/ ١٥٣)، والبيهقي (١/ ١٧٩)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ولم نجده في الصحيحين، فلعل كلمة: "الجماعة" محرفة من "الخمسة" علمًا بأن صاحب منتقى الأخبار (١/ ١٥١) قال: رواه الخمسة.
(٢) أثر علي ﵁ رواه عبد الرزاق (١/ ٢٨٠) حديث ١٠٧٨، وابن أبي شيبة (١/ ٦٠). وأثر ابن عمر ﵄ رواه -أيضًا- عبد الرزاق (١/ ٢٧٦، ٢٨٠) حديث ١٠٦٣، ١٠٨٠، وابن أبي شيبة (١/ ٦٠، ٨٠).
[ ١ / ٣٧٣ ]
أيرقدُ أحدُنا وهو جنُبٌ؟ قال: نعمْ، إذا توضأ فليَرقُدْ" (^١).
وعن عائشة قالت: "كان النَّبيُّ إذا أراد أن ينامَ وهو جنبٌ غسلَ فرجَهُ وتوضأ وضوءَه للصَّلاةِ" متفق عليهما (^٢).
وأما كونه يستحب للأكل، والشرب فلما روت عائشة قالت: "رخَّص النَّبيُّ - ﷺ - للجنُبِ إذا أراد أن يأكل، أو يشْرَبَ أن يتوضأ وضوءَه للصَّلاة" رواه أحمد (^٣) بإسناد صحيح.
وأما كونه يستحب لمعاودة الوطء فلحديث أبي سعيد قال: قال
_________________
(١) رواه البخاري في الغسل، باب ٢٦، ٢٧، حديث ٢٨٧، ٢٨٩، ومسلم في الحيض، حديث ٣٠٦.
(٢) البخاري في الغسل، باب ٢٧، حديث ٢٨٨، ومسلم في الحيض، حديث ٣٠٥.
(٣) لم نجده بهذا السياق في مسند أحمد ولا في غيره عن عائشة ﵂، وإنما فيه (٦/ ٣٦، ١٢٦، ١٩٢)، وفي صحيح مسلم الطهارة حديث ٣٠٥ وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ -، إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل، أو ينام توضأ وضوءه للصلاة"، وفي رواية لأحمد (٦/ ١٠٢، ١١٨ - ١١٩، ٢٧٩)، وأبي داود حديث ٢٢٣، والنسائي في الطهارة، باب ١٦٥، حديث ٢٥٧، وابن ماجه حديث ٥٩٣، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٢٠)،حديث ١٢١٨: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، فإذا أراد أن يأكل أو يشرب، غسَّل كفيه، ثم يأكل أو يشرب إن شاء. هذا لفظ أحمد. وأما اللفظ الذي ذكره المؤلف فرواه أحمد (٤/ ٣٢٠)، وأبو داود في الطهارة، باب ٨٩، حديث ٢٢٥، والترمذي في الصلاة، باب ٤٣٢، حديث ٦١٣، والطيالسي ص/ ٩٠، حديث ٦٤٦، وأبو يعلى (٣/ ٢٠٢) حديث ١٦٣٥، والبغوي (٢/ ٣٤) حديث ٢٦٧، عن عمار بن ياسر ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٧٤ ]
النَّبيُّ - ﷺ -: "إذا أتَى أحدُكم أهلَهْ ثم أراد أن يُعَاوِدَ فليتوَّضأ بينَهُما وضوءًا" رواه مسلم (^١)، ورواه ابن خزيمة، والحاكم وزاد (^٢): "فإنه أنشَطُ للعَوْدِ" (^٣).
(لكن الغسل لـ) ـمعاودة (الوطء أفضل) من الوضوء، لأنه أنشط (ويأتي في عشرة النساء.
ولا يضر نقضه) أى: الوضوء (بعد ذلك) أى: إذا توضأ الجنب لما تقدم، ثم أحدث قبله لم يضره ذلك، فلا تسن له إعادته؛ لأن القصد التخفيف أو النشاط، وظاهر كلام الشيخ تقي الدين (^٤)، يتوضأ لمبيته على إحدى الطهارتين.
(ويكره) للجنب، ونحوه (تركه) أي: الوضوء (لنوم فقط) لظاهر الحديث، ولا يكره تركه لأكل، وشرب، ومعاودة وطء.
(ولا يكره أن يأخذ الجنب، ونحوه) كالحائض، والنفساء شيئًا (من شعره وأظفاره) وتقدم.
(ولا أن يختضب قبل الغسل نصًا) (^٥).
_________________
(١) في الحيض، حديث ٣٠٨.
(٢) هكذا في الأصول، ولعل الصواب: "وزادا"، لوجود هذه الزيادة في صحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم.
(٣) ابن خزيمة (١/ ١١٠) حديث ٢٢١، والحاكم (١/ ١٥٢)، ورواه -أيضًا- بهذه الزيادة ابن حبان "الإحسان" (٤/ ١٢)، حديث ١٢١١، والبيهقي (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤، ٧/ ١٩٢)، والبغوي (٢/ ٣٨) حديث ٢٧١.
(٤) الاختيارات الفقهية ص/ ٣١.
(٥) مسائل أحمد لابن هانيء (١/ ٣٠)، ومسائل أحمد رواية صالح (١/ ١٦٨).
[ ١ / ٣٧٥ ]