فصل
(ثم يغسل وجهه) للنص، فيأخذ الماء بيديه جميعًا، أو يغترف بيمينه ويضم إليها الأخرى ويغسل بهما (ثلاثًا)؛ لأن السنة قد استفاضت به، خصوصًا حديث عثمان المتفق عليه (^١).
وحد الوجه (من منابت شعر الرأس المعتاد غالبًا)، فلا عبرة بالأفرع، الذي ينبت شعره في بعض جبهته، ولا بالأجلح الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه (مع ما انحدر من اللحيين) بفتح اللام وكسرها، (والذقن) وهو مجمع اللحيين، بفتح الذال والقاف (طولًا) أي: من جهة الطول.
(و) حد الوجه (من الأذن إلى الأذن عرضًا)؛ لأن ذلك تحصل به المواجهة، والأذنان ليسا من الوجه (فيدخل فيه) أي: الوجه (عذار. وهو الشعر النابت على العظم الناتئ) أي: المرتفع (المسامت) أي: المحاذي (صماخ الأذن) بكسر الصاد، وهو خرقها، وكذا البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه. ونص عليه الخرقي. لأنه يغفل الناس عنه.
وقال مالك: ليس من الوجه، ولا يجب غسله. قال ابن عبد البر (^٢): لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقوله هذا.
(ولا يدخل) في الوجه (صدغ) بضم الصاد المهملة (وهو الشعر الذي بعد انتهاء العذار يحاذي رأس الأذن وينزل عنه قليلًا) وهو من الرأس؛ لأن في حديث الرُّبَيّع أن النَّبيَّ - ﷺ - "مسحَ برأسِهِ وصُدْغَيهِ وأذُنَيهِ مرةً واحدةً" رواه
_________________
(١) تقدم تخرجه ص/ ٢٠٩ تعليق ١.
(٢) التمهيد (٢٠/ ١١٨).
[ ١ / ٢١٧ ]
أبو داود (^١). ولم ينقل أحد أنه غسله مع الوجه.
(ولا) يدخل أيضًا في الوجه (تحذيف، وهو الشعر الخارج إلى طرفي الجبين في جانبي الوجه بين النزَعة ومنتهى العذار).
(ولا النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من فودي الرأس، وهما جانبا مقدميه) قال في "القاموس" (^٢): الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن وناحية الرأس (بل جميع ذلك من الرأس، فيمسح معه). أما الصدغ فلما تقدم، وأما التحذيف فلأنه شعر متصل بشعر الرأس لم يخرج عن حده، أشبه الصدغ، وأما النزعتان: فلأنه لا تحصل بهما المواجهة، ولدخولهما في حد الرأس؛ أنه ما ترأس وعلا. وقول الشاعر (^٣):
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا … أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
فالإضافة لأدنى ملابسة، كما في: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره" (^٤) مع أن الأذنين ليستا من الوجه، بل مجاورتان له. وكذا النزعتان.
_________________
(١) في الطهارة، باب ٥٠، حديث ١٢٩، ورواه أيضًا الترمذي في الطهارة، باب ٢٦، حديث ٣٤، وأحمد (٦/ ٣٥٩)، والطحاوي (١/ ٣٣)، والدارقطني (١/ ١٠٦)، والبيهقي (١/ ٥٩ - ٦٠)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وتعقبه الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٢٠٥) بقوله: مدار جميع رواياته على ابن عقيل وفيه مقال. وقال الغساني في تخريج الأحاديث الضعاف في سنن الدارقطني ص/ ٢٩: ابن عقيل ليس بقوي. وقال النووي في المجموع (١/ ٣٩٧): رواه أبو داود بإسناد حسن.
(٢) ص/ ٣٩٢.
(٣) هو هدبة بن خشرم. انظر خزانة الأدب (٩/ ٣٣٨).
(٤) رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٧٧١ في حديث طويل عن علي - ﵁ -.
[ ١ / ٢١٨ ]
(ولا يجب) غسل داخل عين (بل ولا يسن غسل داخل عين لحدث) أصغر أو أكبر. قال في "الشرح" وغيره: لأن النبي - ﷺ - لم يفعله ولا أمر به (ولو أمن الضرر، بل يكره) لأنه مضر. وقد روي أن ابن عمر عمي من كثرة إدخال الماء في عينيه (^١).
(ولا يجب) غسل داخل العين، (من، نجاسة فيها) أي: في العين، لما تقدم، فيعفى عنها في الصلاة.
(والفم والأنف من الوجه) لدخولهما في حده، (فتجب المضمضة والاستنشاق في الطهارتين الكبرى والصغرى) فلا يسقط واحد منهما، لما روت عائشة أن النبي - ﷺ - قال: "المضمضةُ والاستِنْشَاقُ من الوضُوءِ الذي لا بدَّ مِنْه" رواه أبو بكر في "الشافي" (^٢).
_________________
(١) روى مالك في الموطأ (١/ ٤٥)، عن نافع أن عبد الله بن عمر - ﵄ - كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى فغسلها ثم غسل فرجه ثم مضمض واستنثر ثم غسل وجهه ونضح في عينيه. قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٧٦): وأما فعل ابن عمر - ﵄ - في نضحه الماء في عينيه إذا كان يغتسل من الجنابة فشيء لم يتابع عليه، لأن الذي عليه غسل ما ظهر لا ما بطن، وله رحمة الله أشياء شذ فيها، حمله الورع عليها. وفي أكثر الموطآت: سئل مالك عن نضح ابن عمر الماء في عينيه؟ فقال: ليس على ذلك الأمر عندنا. اهـ. وذكر ذلك أيضًا العلامة ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٤٧). ولم نجد من خرج مسندًا أن ابن عمر - ﵄ - عمي بسبب إدخاله الماء في عينيه.
(٢) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد أبو بكر البغدادي المعروف بغلام الخلال لكثرة ملازمته له: وكتابه الشافي في الفقه لم يطبع. انظر: طبقات الحنابلة =
[ ١ / ٢١٩ ]
وعن أبي هريرة قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - بالمضمضة والاستنشاق" (^١).
وفي حديث لَقيط بن صبرة: "إذا توضأت فتمضمض" (^٢) رواهما أبو داود والدارقطني (^٣).
ولأن كل من وصف وضوء النبي - ﷺ - يستقصي، ذكر أنه تمضمض واستنشق، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما؛ لأن فعله يصلح أن يكون بيانًا لأمر الله تعالى.
ولأن الفم والأنف في حكم الظاهر، بدليل أن الصائم لا يفطر بوصول شيء إليهما، ويفطر بعود القيء بعد وصوله إليهما. ويجب غسلهما من النجاسة.
(ويسميان) أي: المضمضة والاستنشاق (فرضين)؛ لأن الفرض والواجب مترادفان على الصحيح. وقال ابن عقيل: هما واجبان لا فرضان.
_________________
(١) = (٢/ ١١٩)، والمقصد الأرشد (٢/ ١٢٦). والحديث رواه ابن عدي (٣/ ١١١٦)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٥٢)، ورواه الدارقطني (١/ ١٨٤) وضعفه. وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٣٨)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٦٣): ضعيف، وضعفه من وجهين: أحدهما لضعف الرواة، والثاني: أنه مرسل، ذكر ذلك الدارقطني وغيره. اهـ.
(٢) رواه الدارقطني (١/ ١١٦)، وذكر في العلل (٨/ ٣٣٥) وقال: الصحيح أنه مرسل، ورواه - أيضًا - البيهقي (١/ ٥٢) وقال: غير محفوظ. ولم نجده بهذا اللفظ عند أبي داود، وإنما رواه في الطهارة، باب ٥٥، حديث ١٤٠، بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر"، وقد رواه - أيضًا - البخاري في الوضوء، باب ٢٦، حديث ١٦٢، ومسلم في الطهارة، حديث ٢٣٧.
(٣) في سنن أبي داود: "فمضمض".
(٤) رواه أبو داود في الطهارة، باب ٥٥، حديث ١٤٤، ولم يروه الدارقطني خلافًا لما توهمه عبارة المؤلف.
[ ١ / ٢٢٠ ]
(ولا يسقطان سهوًا) لما تقدم.
(ويجب غسل اللحية) بكسر اللام، (وما خرج عن حد الوجه منها) من الشعر المترسل (طولًا وعرضًا)؛ لأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة. وخرج ما نزل من الرأس عنه لعدم مشاركته الرأس في الترؤس.
(ويسن تخليل الساتر للبشرة منها) أي: من اللحية (بأخذ كف من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة فيها) أي: اللحية (أو) يضعه (من جانبيها ويعركها) لحديث عثمان: "أنَّه توضَّأ وخلّلَ لحْيَتَهُ حينَ غَسَل وجْهَهُ - ثم قال: رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - فعلَ الذي رأيتُمُوني فَعَلْتُ" رواه الترمذي وصححه، وحسنه البخاري (^١).
_________________
(١) رواه الترمذي في الطهارة، باب ٢٣، حديث ٣١، ولفظه: "أن النبي - ﷺ - كان يخلل لحيته"، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأما اللفظ الذي ذكره المؤلف فرواه ابن ماجه في الطهارة، باب ٥٠، حديث ٤٣٠، وعبد الرزاق (١/ ٤١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣)، والدارمي في الطهارة، باب ٣٢، حديث ٧٠٤، وابن الجارود رقم (٧٢)، وابن خزيمة (١/ ٧٨)، حديث ١٥١، ١٥٢، وابن حبان "الإحسان" (٣/ ٣٦٢) رقم ١٠٨١، والدارقطني (١/ ٨٦ و٩١)، والحاكم (١/ ١٤٨)، والبيهقي (١/ ٥٤، ٦٣). قال الترمذي في العلل الكبير (٣٣) حديث ١٩، قال البخاري: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن. وقال الحاكم: قد اتفق الشيخان على إخراج طرق لحديث عثمان في دبر وضوئه، ولم يذكرا في رواياتهما تخليل اللحية ثلاثًا، وهذا إسناد صحيح، قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق، ولا أعلم في عامر بن شقيق طعنًا بوجه من الوجوه. وتعقبه الذهبي بقوله: ضعفه ابن معين. وصححه النووي في المجموع (١/ ٣٧٤). وفي مسائل أبي داود (٣٠٩): قال أحمد: أحسن شيء في تخليل اللحية عندي حديث شقيق عن عثمان. وفي =
[ ١ / ٢٢١ ]
(وكذا عنفقة، وشارب، وحاجبان، ولحية امرأة، وخنثى) إذا كان كثيفًا، (ويجزئ غسل ظاهره) كلحية الذكر، (ويسن غسل باطنه) أي: باطن ذلك الشعر غير شعر اللحية، خروجًا من خلاف من أوجبه كالشافعي (^١).
(و) يسن (أن يزيد في ماء الوجه) لأساريره، ودواخله، وخوارجه، وشعوره (^٢). قاله أحمد. وكره أن يأخذ الماء ثم يصبه ثم يغسل وجهه. وقال: هذا مسح وليس بغسل.
(والخفيف) من شعور الوجه كلها؛ وهو الذي يصف البشرة (يجب غسله، و) غسل (ما تحته)؛ لأن الذي لا يستره شعره يشبه ما لا شعر عليه. ويجب غسل الشعر تبعًا للمحل. فإن كان في شعره كثيف وخفيف، فلكل حكمه.
(وتخلل اللحية عند غسلها) لحديث عثمان السابق (^٣). (وإن شاء إذا مسح رأسه نصًا).
_________________
(١) = التلخيص الحبير (١/ ٨٧): قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٥) سمعت أبي يقول: لا يثبت في تخليل اللحية حديث.
(٢) انظر الأم (١/ ٢٠).
(٣) الأسارير: هي كرمشة الوجه، ودواخله: أي دواخل حفر الوجه. وخوارجه: أي ظاهر الوجه، وشعوره: أي جميع شعر الوجه. (ش).
(٤) ص/ ٢٠٩، ٢١٢ تعليق رقم ١.
[ ١ / ٢٢٢ ]