المقدمة
الحمد لله الذي شرح صدورنا بالهداية إلى الإسلام، ووفقنا للتفقه في الدين وما شرعه من بديع محكم الأحكام، أحمده ﷾ على جزيل الإنعام، وأشكره أن علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، فأتقن وأحكم أي إحكام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمةً للأنام، والهادي إلى سواء الصراط وإيضاح الحلال والحرام، ﷺ وعلى آله وصحبه الكرام، صلاة وسلامًا دائمين لا يعتريهما نقص ولا انثلام.
أما بعد:
فإن أجلّ العلوم قدرًا، وأعلاها فخرًا، وأبلغها فضيلة، وأنجحها وسيلة، علم الشرع الشريف، ومعرفة أحكامه، والاطلاع على سرِّ حلاله وحرامه، فلذلك تعينت إعانة قاصده، وتيسير موارده لرائده، ومعاونته على تذكار لفظه ومعانيه، وفهم عباراته ومبانيه، ولما رأيتُ الكتاب الموسوم بـ "الإقناع" تأليف الشيخ الإمام، والحبر العمدة العلَّام، شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم المقدسي الحجاوي، ثم الصالحي الدمشقي - تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه الغرفات العليا من جنانه - في غاية حسن الوقع، وعظم النفع، لم يأت أحد بمثاله، ولا نسج ناسج على منواله، غير أنه يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدّراته النقاب، ويبرز مِنْ خَفي مكنوناته بما وراء الحجاب، فاستخرتُ اللهَ تعالى، وشمرت عن ساعد الاجتهاد، وطلبتُ من اللهِ تعالى العناية والرشاد، وكنت أود لو رأيت لي سابقًا
[ ١ / ١ ]
أكون وراءه مصليا (^١)، ولم أكن في حلبة رهانه مجليا (^٢)، إذ لست لذلك كفؤًا بلا مراء، والفَهِمُ لقصوره يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وسألت الله أن يمدني بذارف لطفه، ووافر عطفه، وسميته "كشاف القناع عن الإقناع" والله أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يعاملنا بفضله، ومزجته بشرحه حتى صارا كالشيء الواحد لا يميز بينهما إلا صاحب بصر أو بصيرة، لحل ما قد يكون من التراكيب العسيرة، وتتبعت أصوله التي أخذ منها كـ "المقنع" و"المحرر" و"الفروع" و"المستوعب" وما تيسر الاطلاع عليه من شروح تلك الكتب وحواشيها، كـ "الشرح الكبير" و"المبدع"، و"الإنصاف" وغيرها مما منَّ الله تعالى بالوقوف عليه كما ستراه، خصوصًا: "شرح المنتهى" و"المبدع"، فتعويلي في الغالب عليهما، وربما عزوت بعض الأقوال لقائلها خروجًا من عهدتها، وذكرت ما أهمله من القيود، وغالب علل الأحكام وأدلتها على طريق الاختصار غير المردود، وبينت المعتمد من المواضع التي تعاوض كلامه فيها، وما خالف فيه المنتهى، متعرضًا لذكر الخلاف فيها، ليعلم مستند كل منهما، وأستغفر الله تعالى مما يقع لي من الخلل في بعض المسائل المسطورة، وأعوذ بالله من شرِّ حاسدٍ يريد أن يطفئ نور الله - ويأبى الله إلا أن يتم نوره -، ومن عثر على شيء مما طغى به القلم، أو زلَّت به القدم، فليدرأ بالحسنة السيئة، ويحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان، وأن الصفح عن عثرات الضعاف من
_________________
(١) المصلّي: تالي السابق، يقال: صلى إذا جاء مصليًا وهو الذي يتلو السابق؛ لأن رأسه عند صلاه. انتهى صحاح (ش). الصحاح (٦/ ٢٤٠٢). والصلا: وسط الظهر، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بن الجاعرة والذنب، أو ما عن يمين الذنب وشماله. القاموس ص/ ١٦٨١.
(٢) المجلّي: السابق في الحلبة. قاموس (ش). القاموس ص/ ١٦٤١.
[ ١ / ٢ ]
شيم الأشراف، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
قال المصنف - ﵀ -:
(بسم الله الرحمن الرحيم) تأسيًا بالكتاب، وعملًا بحديث "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ فهو أَبْتَرُ"، أي: ذاهب البركة. رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتابه "الجامع" (^١)، والحافظ عبد القادر الرهاوي.
والباء في البسملة للمصاحبة، أو الاستعانة متعلقة بمحذوف، وتقديره فعلًا أولى، لأن الأصل في العمل للأفعال، وخاصًّا لأنه أمس بالمقام، ومؤخرًا لإفادة الاختصاص، ولأنه أوفق للوجود، وأدخل في التعظيم، ولا يرد ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (^٢) لكونه مقام أمر بجعل الفعل مقرونًا باسم الله، فتقديمه - أي الفعل - لكونها أول سورة نزلت، على أن الكشاف (^٣) أن معناه: "اقرأ مفتتحًا باسم ربك أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ"، فيكون معناه: مفتتحًا باسم الله أقرأ. وكفى به شاهدًا على أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة، إذ هو أمر بإيجاد القراءة مطلقًا بدون تعلقه بمقروء دون مقروء، فتكون مأمورًا بها في ابتداء غير هذه السورة أيضًا.
وكسرت الباء - وإن كان حق الحروف المفردة الفتح - للزومها للحرفية والجر، ولتشابه حركتها عملها، وحذفت الألف من اسم الله دون اسم ربك
_________________
(١) (٢/ ٦٩). ورواه السبكي في طبقاته (١/ ٦) من طريق الرهاوي وفي سنده أحمد بن محمد بن عمران، ويعرف بابن الجندي، ترجم له الخطيب في تاريخه (٥/ ٧٧) وقال: كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في مذهبه (يعني التشيع) قال الأزهري: ليس بشيء. وقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير (٥/ ١٣) ورمز لضعفه. وانظر ما سيأتي ص/ ٦.
(٢) سورة العلق، الآية: ١.
(٣) الكشاف للزمخشرى (٤/ ٦١٨).
[ ١ / ٣ ]
ونحوه لكثرة الاستعمال، وعوض عنها تطويل الباء.
و"الله" أصله إله حذفت همزته وعوض عنها اللام، وإله اسم لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على مفهوم كلي هو المعبود بحق و"الله": علم خاص لذات معين هو المعبود بالحق، إذ لم يستعمل في غيره تعالى. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^١). ومن ثم كان "لا إله إلا الله" توحيدًا، أي: لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق، فهو من الأعلام الخاصة من حيث إنه لم يسم به غيره، ومن الأعلام الغالبة من حيث إن أصله إله، قاله الدَلْجي (^٢) في "شرح الشفاء" (^٣).
و"الرحمن" خاص لفظًا إذ لم يسم به غيره تعالى، وما شذ لا يعتدّ به، عام معنى لأنه صفة بمعنى كثير الرحمة، ثم غلب على البالغ في الرحمة والإنعام بجلايل النعم في الدنيا والآخرة، فهو لوقوعه صفة لا موصوفًا، وكونه بإزاء المعنى دون الذات من الصفات الغالبة.
"الرحيم" عام لفظًا لأنه قد يسمى به غيره تعالى، وهما صفة مشبهة من رحم، بجعله لازمًا بنقله إلى باب فعل بضم ثانيه، إذ لا تشتق من متعد. والرحمة عطف، أي: تعطف وشفقة وميل روحاني لا جسماني، ومن ثم جعل الإنعام مسببًا عن العطف والرقة لا عن الانحناء الجسماني، وكلاهما في حقه تعالى محال، فهو مجاز إما عن نفس الإنعام فيكون صفة فعل، أو عن إرادته
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٦٥.
(٢) هو شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد العثماني الدلجي الشافعي المتوفى سنة (٩٤٧ هـ) - رحمه الله تعالى -. والدَلْجي بفتح الدال وسكون اللام نسبة إلى دلجة قرية بصعيد مصر شذرات الذهب (١٠/ ٣٨٦) ولب اللباب (١/ ٣٢١).
(٣) واسمه "الاصطفاء لبيان معاني الشفاء" لا زال مخطوطًا.
[ ١ / ٤ ]
فيكون صفة ذات، وإما تمثيل للغائب - أي تمكنه تعالى من الإنعام - بالشاهد، أي: تمكن الملك من ملكه، فتفرض حاله تعالى على سبيل التمكن منه، بحال ملك عطف على رعيته ورق لهم، فعمهم معروفه، فأطلقا عليه تعالى على طريق الاستعارة التمثيلية (^١).
وقدم "الرحمن" لأنه علم، أو كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، أو لأن الرحيم ذكر كالتتمة والرديف للرحمن، لئلا يتوهم كون دقايق الرحمة لغيره تعالى.
(الحمد لله) أي: الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم ثابت له تعالى، والحمد عرفًا فعل ينبيء عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره، بدأ بذلك لقوله - ﷺ - من حديث أبي هريرة: "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه بالحمد للهِ فهو أقطَعُ"، وفي رواية: "بحمد الله"، وفي رواية: "بالحمد"، وفي رواية: "كلُّ كلامٍ لا يُبْدأ فيه بالحمد للهِ فهو أجْذَمُ"، قال النووي في "شرح المهذب" (^٢): روينا كل هذه الألفاظ في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي، ورويناه عنه من رواية كعب بن مالك (^٣) الصحابي
_________________
(١) مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، وما ذكره المؤلف هنا جارٍ على مذهب الأشاعرة.
(٢) المجموع (١/ ١٢١).
(٣) رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٧٢)، حديث ١٤، ومن طريقه السبكي في طبقات الشافعية (١/ ١٤) بلفظ: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع أو أجذم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفي صدقة بن عبد الله ضعفه أحمد، والبخاري، ومسلم وغيرهم، ووثقه أبو حاتم، ودحيم في رواية.
[ ١ / ٥ ]
- ﵁ -، والمشهور رواية أبي هريرة، وحديثه هذا حسن، رواه أبو داود وابن ماجه في "سننهما"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني في أول "صحيحه" المخرج على "صحيح مسلم"، ورُوي موصولًا ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيد (^١).
_________________
(١) رواه أبو داود في الأدب، باب ٢١، حديث ٤٨٤٠ بلفظ: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"، ورواه ابن أبي شيبة (٩/ ١١٦) بلفظ: كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أقطع. ورواه ابن ماجه في النكاح، باب ١٩، حديث ١٨٩٤، وابن الأعرابي في معجمه (١/ ٢٠٦)، حديث ٣٦٢، بلفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع"، ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة": حديث ٤٩٨. وابن حبان في صحيحه "الإحسان" (١/ ١٧٣ - ١٧٥)، حديث ١، ٢، بلفظ "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع". ورواه الإمام أحمد (٢/ ٣٥٩) بلفظ: "كل كلام، أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله - ﷿ - فهو أبتر أو قال: أقطع". ورواه الدارقطني (١/ ٢٢٩) والبيهقي في السنن (٣/ ٢٠٩) بلفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله أقطع". ورواه عبد الرزاق (١١/ ١٦٣) عن معمر، أخبرني رجل من الأنصار رفع الحديث. قال: كل حديث ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله، فهو أبتر. قال السندي في حاشيته على ابن ماجه (٢/ ٤٣٦): "الحديث قد حسنه ابن الصلاح والنووي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك". ونقل السبكي في طبقاته (١/ ٩) عن ابن الصلاح أن الحديث حسن دون الصحيح، وفوق الضعيف، ونقل الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١/ ٥٣) عن ابن الصلاح أنه قال: هذا حديث حسن بل صحيح، وقال النووي في الأذكار (١٠٣)، وشرح صحيح مسلم (١٣/ ١٨٥): وهو حديث حسن، وكذا قال في المجموع (١/ ١٢١)، وقال العيني في عمدة القاري (١/ ١٣): الحديث صحيح صححه ابن حبان، وأبو عوانة. ورمز له السيوطي في الجامع الصغير (٥/ ١٣) بالحسن، وقال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ١١) إسناده حسن. وذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ١٧٤) برقم ١٩٦٤ وقال: الحديث حسن.
[ ١ / ٦ ]
قوله - ﷺ -: "كل أمر ذي بال" معناه له حال يهتم به، ومعنى "أقطع": أي: ناقص قليل البركة و"أجذم" بمعناه، وهو بجيم وذال معجمة، يقال: جَذِمَ يَجْذَمُ كعلم يعلم. قال العلماء: تستحب البداءة بالحمد لله لكل مصنف، ودارس ومدرس، وخطيب، وخاطب، ومزوّج، ومتزوج، وبين يدي سائر الأمور المهمة انتهى. وفي لفظ: "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبْدأ فيه بحمدِ اللهِ والصلاةِ عليَّ فهوَ أقْطَعُ أبْتَرُ ممحوقٌ من كلِّ بركةٍ". رواه الرهاوي عن أبي هريرة.
وقدم البسملة على الحمدلة عملًا بالكتاب والإجماع، فوقع الابتداء بها حقيقة، وبالحمدلة بالنسبة لما بعدها إذ الابتداء أمر عرفي يعتبر ممتدًا من الأخذ في التأليف إلى الشروع في المقصود، فلا تعارض بين خبريهما.
وأصل الحمد النصب، لأنه من مصادر شاع استعمالها منصوبة بإضمار أفعالها، وعدل إلى رفعه كما في "سلام عليكم" للدلالة على الدوام والثبات، وأل في الحمد للجنس، أو الاستغراق، أو العهد، واللام في لله للملك، أو الاستحقاق، أو التعليل، أي: جميع المحامد مملوكة، أو مستحقة، أو ثابتة لأجل الله تعالى.
(الذي فقه) أي: فهم (من أراد) أي: الله تعالى (به خيرًا) هو ضد الشر (في الدين) متعلق بفقّه. روى الإمام أحمد، وغيره عن ابن عباس، ومعاوية، وغيرهما مرفوعًا: "من يردِ اللهُ بهِ خيرًا يفقهْهُ في الدِّينِ" (^١). أي: يفهمه الأحكام
_________________
(١) حديث ابن عباس - ﵄ - عند الإمام أحمد (١/ ٣٠٦) والترمذي في العلم باب (١) حديث ٢٦٤٥. وحديث معاوية - ﵁ - عند الإمام أحمد: (٤/ ٩٢، ٩٣، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ٩٩، ١٠١، ١٠٤)، والبخاري في العلم، باب ١٣، حديث ٧١، وفي الاعتصام، باب ١٠، حديث ٧٣١٢، وفي فرض الخمس، باب ٧، حديث ٣١١٦، ومسلم في الزكاة، حديث ١٠٣٧. =
[ ١ / ٧ ]
الشرعية، إما بتصورها (^١) والحكم عليها، وإما باستنباطها من أدلتها. كل ميسر لما وهب له. و"الدين" ما شرعه الله من الأحكام ويطلق على الملة، والإسلام، والعادة، والسيرة، والحساب، والقهر، والقضاء، والحكم، والطاعة، والحال (^٢)، والجزاء، والرأي، والسياسة. ودان: عصى، وأطاع، وذل، وعز، فهو من الأضداد.
(وشرع) أي: بيَّن (أحكام) جمع حكم، وهو في اللغة: القضاء والحكمة، وفي الاصطلاح: خطاب الله المفيد فائدة شرعية.
(الحلال) وهو لغة وشرعًا: ضد الحرام؛ فيعم الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح.
(والحرام) وهو لغة: المنع، وشرعًا: ما يثاب على تركه امتثالًا ويعاقب على فعله. والحكم الشرعي: فرعي: لا يتعلق بالخطأ في اعتقاد مقتضاه، ولا في العمل به قدح في الدين ولا وعيد في الآخرة كالنية في الوضوء: والنكاح بلا ولي. وأصلي: وهو بخلافه (^٣).
(في كتابه) أي: كلامه المنزل على النَّبيِّ - ﷺ -، المعجز بنفسه، المتعبد بتلاوته. ويحتمل أن يعم سائر الكتب المشتملة على الأحكام كالتوراة لاشتمالها على الحلال والحرام في تلك الشريعة.
(المبين) أي: المشتمل على بيان ما للناس حاجة إليه في دينهم
_________________
(١) = وجاء من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد: (٢/ ٢٣٤). ومن حديث ابن عمر - ﵄ - عند الطحاوي في "مشكل الآثار": (٢/ ٢٨١)، وابن حبان "الإحسان": حديث ٨٩ (١/ ٢٩١).
(٢) في (ذ): أي بتصورها والحكم.
(٣) في (ذ) زيادة: والحلال والحرام.
(٤) في (ح): خلافه.
[ ١ / ٨ ]
ودنياهم، والإبانة وإن كانت لله تعالى إلا أنه جعلها به. وما ثبت من الأحكام بالسنة، أو الإجماع، أو القياس، أو الاستصحاب فإنه يرجع إلى الكتاب، لأن حجيته (^١) إنما ثبتت به، كما بُيِّن في علم الأصول. فجميع الأحكام ثابتة بالكتاب أصالة قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٢) وإن كان بعضها بواسطة سنة أو غيرها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٣).
(وأعزَّ العلم) أي: شرفه. والعز: ضد الذلّ تقول منه: عز يعز عزًّا بكسر العين فيهما وعزازة أي: قوي بعد ذلة وأعزه الله، وفي المثل: إذا عز أخوك فَهِنْ. وفي المثل أيضًا: من عز بزَّ أي: من غَلَبَ سلَبَ، والاسم العزة وهي الغلبة والقوة.
(ورفع) الرفع ضد الوضع وبابه قطع، ورفع فلان على العامل رفيعة وهو ما يرفعه من قصته ويبلغها. وفي الحديث: "كل رافعةٍ رُفعتْ إلينا من البلاغِ" أي: كل جماعة مبلغة تبلغ عَنّا "فلْتُبَلغْ أنّي حرَّمْتُ المدِينَة" (^٤) والرفع تقريبك
_________________
(١) في (ح) و(ذ): حجته.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
(٣) سورة النحل، الآية: ٤٤.
(٤) رواه ابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٣٩٣) بسنده عن جابر - ﵁ - بلفظ: كل رافعة رفعت علينا من البلاغ، فقد حرمتها أن تعضد أو تخبط إلا لعصفور قتب، أو مسد محالة،، أو عصا حديدة. ورواه الزبير بن بكار كما في التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة لمحمد بن أحمد المطري ص/ ٦٥ بلفظ: كل دافعة دفعت علينا من هذه الشعاب فهي حرام أن تعضد، أو تخبط، أو تقطع، إلا لعصفور قتب أو مسد محالة، أو عصا حديدة. ورواه عبد الرزاق (٩/ ٢٦١)، حديث ١٧١٤٧ بلفظ: أن النبي - ﷺ - حرم كل =
[ ١ / ٩ ]
الشيء. وقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (^١) قال: مقربة لهم، ومن ذلك رفعته إلى السلطان، ومصدره الرفعان بالضم.
(أهله) أي: حمَلَتَهُ (العاملين به) أي: بالعلم الشرعي كالتفسير، والحديث، والفقه، فأل في العلم للعهد الشرعي أو للجنس. والمراد غير الحرام، - على ما يأتي تفصيله في الجهاد.
(المتقين) أي: الذين وقوا أنفسهم ما يضرهم في الآخرة، والتقوى مراتب: توقي العذاب المخلد بالتبري من الشرك. قال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ (^٢) (^٣).
وتوقي ما يؤثم من فعل أو قول حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى في الشرع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (^٤).
وتوقي ما يشغل السر عن الحق، والتبتل إليه بشراشره (^٥) وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٦).
_________________
(١) = دافعة أقبلت على المدينة من العضد - وشيئًا آخر قاله - إلا لمنشد ضالة، أو عصا لحديدة ينتفع بها. والصواب ما جاء في رواية الزبير بن بكار بلفظ: كل دافعة دفعت علينا ..، ورواية عبد الرزاق بنحوه وإن وقع فيها بعض التحريف. ومدار هذا الحديث عند الجميع على حرام بن عثمان الراوي عن جابر، وهو متروك. انظر: ترجمته في المغني في الضعفاء للذهبي (١/ ١٥٢)، واللسان لابن حجر (٢/ ٣٩٤)، وانظر كتاب "الأحاديث الواردة في فضائل المدينة".
(٢) سورة الواقعة، الآية: ٣٤.
(٣) سورة الفتح، الآية: ٣٦.
(٤) وهي لا إله إلا الله (ش).
(٥) سورة الأعراف، الآية: ٩٦.
(٦) الشراشر في اللغة تطلق على معان منها: النفس، والمحبة، وجميع الجسد كما في القاموس ص ٥٣٢.
(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
[ ١ / ١٠ ]
وإعزاز العلم ورفع أمره غير خفي. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (^١)، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٢).
وقال - ﷺ -: "فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدْناكم. إن اللهَ وملائكتَه وأهلَ السمَاوَات والأرضِينَ، حتى النملة في جُحْرِها، وحتى الحُوت ليُصَلُّون عَلى مُعَلمِ النَّاس الخيرَ" رواه الترمذي (^٣) عن أبي أمامة.
وقال "لا حسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ: رجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هلكَتِهِ في الخيْرِ، ورجُلٌ آتاهُ اللهُ الحكمةَ فهو يقْضِي بِهَا ويُعَلِّمهَا" رواه البخاري (^٤) من حديث ابن مسعود.
وقال: "مَنْ سَلَكَ طرِيقًا يلتَمسُ فيه علمًا سَهَّلَ اللهُ له طريقًا إلى الجنةِ" رواه الترمذي (^٥) - وحسنه - عن أبي هريرة: واسمه عبد الرحمن (^٦) بن صخر على الأصح.
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: ١١.
(٢) سورة طه، الآية: ١١٤.
(٣) في العلم، باب ١٩، حديث ٢٦٨٥، وقال: هذا حديث غريب ورواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٨)، ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٧٤)، وله شاهد من حديث الحسن مرسلًا رواه الدارمي في المقدمة باب ٣٢؛ حديث ٣٤٠.
(٤) في العلم، باب ١٥، حديث ٧٣، وفي الزكاة، باب ٥، حديث ١٤٠٩، وفي الأحكام، باب ٣، حديث ٧١٤١، وفي الاعتصام، باب ١٣، حديث ٧٣١٦. ورواه مسلم في صلاة المسافرين، حديث ٨١٦.
(٥) في العلم، باب ٢، حديث ٢٦٤٦، وقال: حديث حسن. ورواه مسلم مطولًا في الذكر والدعاء، حديث ٢٦٩٩، وأبو داود في العلم، باب ١، حديث ٣٦٤٣، بلفظ: "ما من رجل سلك طريقًا يطلب فيه علمًا". وابن ماجه في المقدمة، باب ١٧، حديث ٢٢٥، وابن أبي شيبة: (٨/ ٧٢٩)، والإمام أحمد: (٢/ ٤٠٧)، والدارمي: في المقدمة باب ٣٢، حديث ٣٤٢، ٣٤٤.
(٦) في (ح): عبد الله.
[ ١ / ١١ ]
(أحمده) أي: أصف الله تعالى بجميل صفاته مرة بعد أخرى، لأن المضارع المثبت يشعر بالاستمرار التجددي، وفيه موافقة بين الحمد والمحمود عليه، لأن آلاء الله تعالى لا تزال تتجدد في حقنا دائمًا. كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد، وحمد أوّلًا بالجملة الاسمية، وثانيًا بالفعلية اقتداء به - ﷺ - ففي خبر مسلم وغيره: "إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُهُ" (^١).
(حمدًا يفوق حمد الحامدين) مصدر مبين لنوع الحمد لوصفه بالجملة بعده (^٢). وهذا إخبار عن الحمد الذي يستحقه الله ﷾، كقول من قال: حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، إذ العبد لا يمكنه الإتيان بذلك. وكذا: الحمد لله ملء السماوات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، وعدد الرمال، والتراب، والحصى، والقطر، وعدد أنفاس الخلائق، وعدد ما خلق الله، وما هو خالق. فهذا إخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد، أشار إليه ابن القيم في "عدة الصابرين" (^٣).
(وأشكره) أي: الله تعالى (على نعمه) جمع نعمة، والإنعام الإعطاء من غير مقابلة، قال في "القاموس" (^٤): أنعمها الله تعالى، وأنعم بها عطيته. والشكر لغة: الحمد عرفًا. واصطلاحًا: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه
_________________
(١) صحيح مسلم في الجمعة، حديث ٨٦٨، ورواه أبو داود في النكاح باب ٣٣، حديث ٢١١٨، والترمذي في النكاح باب ١٦، حديث ١١٠٥، والنسائي في الجمعة باب ٣٩، حديث ٣٢٧٧، والإمام أحمد (١/ ٣٩٢، ٣٩٣، ٤٠٨، ٤٣٢، ٤٣٧) والدارمي في النكاح باب ٢٠، (٢/ ١٤٢) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) ويجوز أن يكون مصدرًا موكدًا للعامل وهو اقتصار على أحد الجائزين (ش).
(٣) ص/ ١١٧.
(٤) ص/ ١٥٠١ والذي فيه: "وأنعمها الله تعالى عليه، وأنعم بها. ونعيم الله تعالى: عطيّته".
[ ١ / ١٢ ]
لما خلق لأجله. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^١) فبَيْنَ الحمد والشكر اللغويين عموم وخصوص من وجه، فالحمد أعم من جهة التعلق (^٢)، لأنه لا يعتبر في مقابلة نعمة، وأخص من جهة المورد وهو اللسان، والشكر أعم من جهة المورد وأخص من جهة المتعلق. والنسبة بين باقي الأقسام تظهر للمتأمل. (التي لا تحصى) قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^٣) ومن ثم قال - ﵇ -: "سبحانَك لا نُحصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثنيتَ على نفسِكَ" (^٤).
_________________
(١) سورة سبأ، الآية: ١٣.
(٢) في (د): المتعلق.
(٣) سورة النحل، الآية: ١٨.
(٤) رواه أبو داود في الوتر، باب ٥، حديث ١٤٢٧، والترمذي في الدعوات، باب ١١٣، حديث ٣٥٦٦، والنسائي في قيام الليل، باب ٥١، حديث ١٧٤٦، وفي الكبرى (١/ ٤٥٢) حديث ١٤٤٤، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ١١٧، حديث ١١٧٩، والطيالسي حديث ١٢٣، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٠٦، ١٠/ ٣٨٦)، وأحمد (١/ ٩٦، ١١٨، ١٥٠)، وعبد بن حميد (١/ ١٣١) حديث ٨١، وأبو يعلى (١/ ٢٣٨) حديث ٢٧٥ من حديث علي - ﵁ - دون قوله: "سبحانك". ورواه مسلم في الصلاة، حديث ٤٨٦، وأبو داود في الصلاة، باب ١٥٢، حديث ٨٧٩، والترمذي في الدعوات، باب ٧٦، حديث ٣٤٩٣، والنسائي في الطهارة، باب ١٢٠، حديث ١٦٩، وفي التطبيق، باب ٤٧، حديث ١٠٩٩، وابن ماجه في الدعاء، باب ٣، حديث ٣٨٤١، وأحمد: (٦/ ٥٨، ٢٠١)، وابن خزيمة (١/ ٣٢٩، ٣٣٥)، حديث ٦٥٥، ٦٧١. والطحاوي (١/ ٢٣٤)، وابن حبان (٥/ ٢٥٨)، حديث ١٩٣٢، والبغوي في شرح السنة (٥/ ١٦٦). من حديث عائشة - ﵂ - دون قوله: "سبحانك". ورواه عبد الرزاق (٢/ ١٥٦)، حديث ٢٨٨١، عن معمر، عن عمران أن عائشة قامت ذات ليلة تلتمس النبي - ﷺ - في جوف الليل، قال: فوقعت يدها على بطن قدم النبي - ﷺ - وهو ساجد وهو يقول: سبحان ربي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء، =
[ ١ / ١٣ ]
(وإياه أستعين) أي: أطلب المعونة منه دون غيره، لأنه القدير وغيره العاجز.
(وأستغفره) أي: أطلب منه المغفرة أي: الستر عما فرط.
(وأتوب) أي: أرجع (إليه إن الله يحب التوابين) الرجاعين إليه مما فرط منهم من الذنوب.
(وأشهد) أي: أعلم (أن لا إله) أي: معبود بحق في الوجود (إلا الله وحده) أي: منفردًا في ذاته (لا شريك له) في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، (وبذلك أمرت) قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١)، (وأنا من المسلمين) الخاضعين المنقادين لألوهية الله تعالى، القابلين لأمره ونهيه. - ويأتي الكلام على الإسلام والإيمان في باب الردة -.
(وأشهد أن محمدًا) سمي به لكثرة خصاله المحمودة، وهو علم منقول من التحميد، مشتق، كأحمد من اسمه تعالى: الحميد، وأسماؤه - عليه السلام - كثيرة أفرد لها الحافظ أبو القاسم بن عساكر كتابًا في "تاريخه" (^٢) بعضها في "الصحيحين" (^٣)، وبعضها في غيرهما، منها أحمد،
_________________
(١) = والعظمة، أعوذ بالله برضاك من سخطك، وأعوذ بمغفرتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.
(٣) تاريخ دمشق (٣/ ١٧) كما أفردها جماعة من العلماء بالتأليف منهم: أحمد بن فارس في كتابه "أسماء رسول الله - ﷺ -" وجلال الدين السيوطي في كتابه "الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة - ﷺ - ومعانيها" وكلاهما مطبوع.
(٤) ففي صحيح البخاري في المناقب - باب ١٧ - حديث ٣٥٣٢ وفي تفسير سورة الصف باب ١ حديث ٤٨٩٦ ومسلم في الفضائل حديث ٢٣٥٤، عن جبير بن مطعم - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس =
[ ١ / ١٤ ]
ومحمد، والحاشر، والعاقب، والمقفي، وخاتم الأنبياء، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، ونبي التوبة، والفاتح، وقال بعض الصوفية: لله - ﷿ - ألف اسم، وللنبي - ﷺ - ألف اسم (^١).
قال أبو بكر بن العربي في "شرح الترمذي" (^٢): أما أسماء الله تعالى فهذا
_________________
(١) = على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي". ورواه الطيالسي ص/ ١٢٧، حديث ٩٤٢، وعنده بدل "الماحي والعاقب" نبي التوبة ونبي الملحمة. ورواه ابن سعد (١/ ١٠٤، ١٠٥)، وأحمد (٤/ ٨١، ٨٤)، والبغوي في الجعديات، حديث ٣٤٤٥، والطحاوي في المشكل (٣/ ١٨٢)، حديث ١١٥١، والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٣) حديث ١٥٦٣، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٥٥، ١٥٦) وزادوا: الخاتم. وفي صحيح مسلم الفضائل حديث ٢٣٥٥، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". ورواه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٠٥)، وابن أبي شيبة (١١/ ٤٥٧)، وأحمد (٤/ ٤٠٤، ٤٠٧)، والطحاوي في المشكل (٣/ ١٨٣) حديث ١١٥٢، وابن حبان "الإحسان" (١٤/ ٢٢٠) حديث ٦٣١٤، والطبراني في الصغير (١/ ٨٠)، والحاكم (٢/ ٦٠٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٥٦) وزادوا: "نبي الملحمة". وروى الترمذي في الشمائل (٣٦٠)، وابن سعد في الطبقات (١/ ١٠٤)، وابن أبي شيبة (١١/ ٤٥٧)، وأحمد (٥/ ٤٠٥)، والبزار كشف الأستار (٣/ ١٢٠). وابن حبان "الإحسان" (١٤/ ٢٢١)، حديث ٦٣١٥، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٢١٢)، حديث ٣٦٣١، عن حذيفة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: في سكة من سكك المدينة: أنا محمد وأحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة. وزاد بعضهم: وأنا نبي التوبة، وأنا نبي الملاحم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٤) وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، وفيه سوء حفظ.
(٢) لم يرد في ذلك نص شرعي معتمد.
(٣) عارضة الأحوذي (١٠/ ٢٨٠).
[ ١ / ١٥ ]
العدد حقير فيها، وأما أسماء النبي - ﷺ - فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهر بصيغة الأسماء البينة، فوعيت منها أربعة وستين اسمًا، ثم ذكرها مفصلة مشروحة فاستوعب وأجاد.
(عبده) قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية. قال في "المُطْلع" (^١): ولهذا وصف الله تعالى نبيه - ﷺ - بالعبودية في أشرف مقاماته حين دعا الخلق إلى توحيده وعبادته، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (^٢) وحين أنزل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (^٣)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (^٤)، وحين أسرى به إليه، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (^٥) قال بعضهم: (^٦)
لا تدْعُني إلا بِيَا عَبْدَها … فإِنَّه أشرفُ أسْمائي
وله أحد عشر جمعًا أشار إليها ابن مالك في هذين البيتين:
عِبادٌ عَبيدٌ جمع عَبدٍ وأعبدٌ … أعابدُ معبودا (^٧) معبدةٌ عُبُد
_________________
(١) لعله: قاله. وانظر: المطلع ص ٨٠.
(٢) سورة الجن، الآية: ١٩.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣.
(٤) سورة الكهف، الآية: ١.
(٥) سورة الإسراء، الآية: ١.
(٦) ذكر هذا البيت جماعة من العلماء منهم: أبو القاسم القشيري في الرسالة (٢/ ٤٣١)، والقرطبي في تفسيره (١/ ٢٣٢) و(١٠/ ٢٠٥)، وابن كثير في التفسير (١/ ٢٦)، والصالحي في سبل الهدى والرشاد (٣/ ٢٢). ولم ينسبوه لقائل معين.
(٧) في المطلع ص/ ٨٠ وتاج العروس (٨/ ٣٢٩) "معبوداء" وهو الصواب، وبه يستقيم الوزن.
[ ١ / ١٦ ]
كذلك عُبدانٌ وعبِدانُ أثبتا (^١) … كذلك العُبُد (^٢) وامدد إن شئت أن تمد (^٣)
(ورسوله) إلى الخلق أجمعين، والرسول: إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي.
(الذي مهد) يقال: مهد الفراش بسطه ووطأه، وبابه قطع، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها، (قواعد الشرع) جمع قاعدة، وهي أمر كلي منطبق على جزئيات موضوعة. والشرع ما شرعه الله من الأحكام (وبينها أحسن تبيين) أي: أوضحه وأكمله، لأنه المخصوص بجوامع الكلم.
(ﷺ) الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التضرع والدعاء.
واختار ابن القيم في "جِلاء الأفهام" (^٤) أن صلاة الله عليه ثناؤه عليه وإرادة إكرامه برفع ذكره ومنزلته وتقريبه، وأن صلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن
_________________
(١) في تاج العروس (٨/ ٣٢٩) اثبتن بهمزة الوصل.
(٢) في المطلع ص ٨٠ وتاج العروس (٨/ ٣٢٩) كذاك العِبِدَّى.
(٣) وذيل السيوطي على ذلك فقال: وقد زيد أعبادٌ عبُود عِبِدَّةٌ … وخفف بفتح والعِبِدَّان تَشُدّ وأعبُدُه عبدون ثمَّتَ بَعدَهَا … عبيدون معبودًا (*) بقصر فخذ تَسُدْ (ش) وانظر شرحي عقود الجمان في المعاني والبيان ص ٢، ٤ وتاج العروس.
(٤) ص/ ٢٦٠. (*) في التاج (٨/ ٣٢٩) "معبودى".
[ ١ / ١٧ ]
يفعل ذلك به، وردَّ قول من قال: صلاته عليه رحمته ومغفرته من خمسة عشر وجهًا، وقال بوجوب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه جماعة؛ منهم ابن بطة (^١) مِنَّا، والحَليمي (^٢) من الشافعية، واللخمي من المالكية، والطحاوي (^٣) من الحنفية.
(وعلى آله) أي: أتباعه على دينه. وقيل مؤمنو بني هاشم وبني المطلب. وقيل: أهله.
والصواب جواز إضافته للضمير، خلافًا للكسائي والنحاس والزبيدي فمنعوها لتوغله في الإبهام.
(وصحبه) نقل الخطيب (^٤) بإسناده عن الإمام أحمد قال: أصحاب رسول الله - ﷺ - كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، وهذا مذهب أهل الحديث نقله عنهم البخاري وغيره.
وجمع بينهما ردًّا على المبتدعة الذين يوالون الآل دون الصحب، وأهل السنة يوالونهما.
وقدم الآل للأمر بالصلاة عليهم في حديث: "كيف نصَلِّي عليْكَ؟" (^٥).
_________________
(١) أي: من الحنابلة.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٤٣).
(٣) انظر فتح القدير (١/ ٣١٧).
(٤) "الكفاية": ص ٩٩.
(٥) متفق عليه رواه البخاري في الدعوات، باب ٣٢، حديث ٦٣٥٧، وفي تفسير سورة الأحزاب، باب ١٠، حديث ٤٧٩٧، ومسلم في الصلاة، حديث ٤٠٦، من حديث كعب بن عجرة - ﵁ -. ومن حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - رواه البخاري في الدعوات، باب ٣٢، حديث ٦٣٥٨، وفي تفسير سورة الأحزاب، باب ١٠، حديث ٤٧٩٨. ومن حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - رواه مسلم في الصلاة، حديث ٤٠٥.
[ ١ / ١٨ ]
(أجمعين) تأكيد للآل والصحب لإفادة الإحاطة والشمول.
(وتابعيهم) أي: تابعي الصحب، يقال: تبعه (^١) من باب ضرب وسلم إذا مشى خلفه، أو مر به (^٢) فمضى معه.
(بإحسان) في الاعتقاد والأقوال والأفعال.
(إلى يوم الدين) أي: القيامة لأنه يوم الجزاء يوم تجد كل نفس ما عملت.
(وسلم) من السلام وهو التحية، أو السلامة عن النقائص والرذائل. (تسليمًا) مصدر مؤكد.
(أما بعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر استحبابًا في الخطب والمكاتبات، لأنه - ﷺ - كان يقولها في خطبه وشبهها. نقله عنه خمسةٌ وثلاثون صحابيًّا. ذكره في شرح التحرير. وذكر ابن قندس في "حواشي المحرر": أن الحافظ عبد القادر الرهاوي رواه في الأربعين التي له عن أربعين صحابيًّا. وقيل: إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود. والصحيح أنه الفصل بين الحق والباطل.
واختلف في أول من نطق بها. فقيل: داود - ﵇ -. وقيل: يعقوب - ﵇ -. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: كعب بن لؤي. وقيل: قس بن ساعدة. وقيل: سحبان بن وائل. قال الحافظ ابن حجر (^٣): والأول أشبه، ويجمع بينه وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الأولية المحضة، والبقية غير الثاني بالنسبة إلى العرب خاصة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القائل.
_________________
(١) بالفتح والكسر (ش).
(٢) في (ذ): وأمر به.
(٣) فتح الباري (٢/ ٤٠٤).
[ ١ / ١٩ ]
والثاني ضعيف جدًّا فلا يحتاج إلى الجمع.
والمعروف بناء "بعد" على الضم، وأجاز بعضهم تنوينها مرفوعة ومنصوبة والفتح بلا تنوين على تقدير المضاف إليه؛ وهي ظرف زمان، وربما استعملت ظرف مكان. و"أما" حرف تفصيل ضمن معنى الشرط.
(فهذا) إشارة إلى ما استحضره في ذهنه، وأقامه مقام الملفوظ المقروء الموجود بالعيان، سواء كانت الخطبة قبل التأليف أو بعده، بناء على أن مسمى الكتب الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني.
(كتاب) أي: مكتوب جامع.
(في الفقه) وهو لغة: الفهم عند الأكثر، وعرفًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل، أو القوة القريبة، أو الأحكام المذكورة نفسها.
والفقيه: من عرف جملة غالبة كذلك بالاستدلال.
وموضوعه: أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها.
ومسائله: ما يذكر في كل باب من أبوابه.
(على مذهب) بفتح الميم مفعل من ذهب يذهب إذا مضى بمعنى الذهاب أو مكانه أو زمانه، ثم نقل إلى ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به، وكذا ما أجرى مجراه. (إمام الأئمة) أي: قدوتهم (ومجلي) أي: كاشف ومذهب (دجى) جمع دجية وهي: الظلمة (المشكلات) جمع مشكلة، من أشكل الأمر إذا التبس، كشَكَلَ وشكّل. وشكَل الكتاب أي: أزال إشكاله، (المدلهمة) أي: الشديدة الالتباس، من ادلهمّ الظلام أي: كثف واسود، وليلة مدلهمة أي: مظلمة.
(الزاهد) من الزهد، وهو الإعراض بالقلب عن الدنيا.
وقال الإمام أحمد: "الزهد قصر الأمل والإياس عما في أيدي الناس".
[ ١ / ٢٠ ]
وقسمه إلى ثلاثة أوجه ذكرتها في الحاشية (^١) (الرباني) أي: المتأله العارف بالله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (^٢).
(والصديق) البالغ في الصدق وهو ضد الكذب (الثاني) لقب به، لنصرته للسنة وصبره على المحنة، كصبر الصديق الأول أبي بكر - رضي الله عنه - قال علي بن المديني: "أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة".
قال إسحاق بن راهويه: "لولا أحمد بن حنبل وبذله نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام". وعن بشر بن الحارث: أنه قيل له حين ضرب أحمد بن حنبل: أبا نصر (^٣)، لو أنك خرجت فقلت إني على قول أحمد بن حنبل؟ فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء. نقله في "المُطْلع" (^٤).
(أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان - بالياء المثناة - ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب - بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة - ابن أفصى - بالفاء والصاد المهملة - ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الشيباني) المروزي البغدادي. هكذا ذكره الخطيب الحافظ
_________________
(١) الأول: ترك الحرام بالقلب. وهو زهد العوام من المسلمين. والثاني: ترك الفضول من الحلال بالقلب. وهو زهد الخواص منهم. والثالث: ترك ما يشغل العبد عن الله بالقلب، وهو زهد العارفين وهم خواص الخواص (ش).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٩.
(٣) في (ح): يا أبا نصر.
(٤) ص/ ٤٢٤.
[ ١ / ٢١ ]
أبو بكر البغدادي (^١)، وأبو بكر البيهقي (^٢)، وابن عساكر (^٣)، وابن طاهر (^٤).
قال الجوهري: وشيبان حي من بكر، وهما شيبانان أحدهما: شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والآخر: شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة انتهى.
حملت به أمه بمرو، وولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة والجزيرة. وتوفي ببغداد، يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول، والمشهور الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، وأسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس. وفضائله كثيرة. ومناقبه شهيرة.
من مصنفاته "المسند" ثلاثون ألفًا، و"التفسير" مائة وخمسون ألفًا، و"الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"المقدم والمؤخر في كتاب الله سبحانه"، و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير والصغير".
قال القاضي أبو يعلى: إنما اخترنا مذهب أحمد على مذهب غيره من الأئمة، ومنهم من هو أسن منه وأقدم هجرة مثل مالك وسفيان وأبي حنيفة: لموافقته الكتاب والسنة (^٥) والقياس الجلي. فإنه كان إمامًا في القرآن، وله فيه "التفسير العظيم"؛ وكتب من علم العربية ما اطلع به على كثير من معاني كلام الله - ﷿ -.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٤/ ٤١٢).
(٢) في كتابه "مناقب الإمام أحمد" لم يطبع. وقد نقل منه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٣٦٨).
(٣) تاريخ دمشق (٥/ ٢٥٢).
(٤) الجمع بين رجال الصحيحين (١/ ٥).
(٥) أي شدة موافقته وإلا فالأئمة المذكورون موافقون للكتاب والسنة اهـ عثمان النجدي (ش).
[ ١ / ٢٢ ]
(﵁) أي: أثابه (وأرضاه) أي: أحل به رضوانه الذي لا سخط بعده (وجعل جنة الفردوس) بكسر الفاء: هي (^١) أعلى درجات الجنة، وأصله البستان الذي يجمع النخل والكرم، وإضافة الجنة إليه كشجر أراك (مأواه) أي: مكان إقامته.
(اجتهدت) أي: بذلت وسعي (في تحرير نقوله) أي تهذيب مسائله المنقولة عن الإمام أو (^٢) الأصحاب (واختصارها) أي: النقول، وفي نسخة بخطه: واختصاره: أي: الكتاب، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من اللفظ الكثير مع بقاء المعنى، والإيجاز تجريد المعنى من غير رعاية اللفظ (لعدم) أي: لأجل عدم (تطويله) لقصور الهمم وكثرة الموانع.
(مجردًا) هذا الكتاب (غالبًا عن دليله) وهو لغة: المرشد حقيقة، وما به الإرشاد مجازًا. وعرفًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (و) مجردًا غالبًا عن (تعليله) أي: ذكر علة الحكم، والعلة لغة: عَرَض يوجب خروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي. وشرعًا: ما أوجب حكمًا شرعيًّا لا محالة، أو حكمة الحكم، أو مقتضيه، وهي أخص من الدليل، إذ كل تعليل دليل ولا عكس، لجواز أن يكون نصًّا أو إجماعًا.
(على قول واحد) من غير تعرض للخلاف طلبًا للاختصار، وكذلك صنعت في شرحه. والقول يعم ما كان رواية عن الإمام، أو وجهًا للأصحاب (وهو) أي: القول الواحد الذي يذكره ويحذف غيره هو (ما رجحه أهل الترجيح) من أئمة المذهب (منهم العلامة) الجامع بين علمي المعقول والمنقول (القاضي) الإمام الفقيه الأصولي المحدث النحوي الفرضي المقرئ
_________________
(١) في (ح) و(ذ): هو. وهو المناسب للسياق.
(٢) في (ح) و(ذ): والأصحاب.
[ ١ / ٢٣ ]
(علاء الدين) علي بن سليمان السعدي المرداوي، ثم الصالحي، المجتهد في التصحيح، أي: تصحيح المذهب (في كتبه: الإنصاف) في معرفة الراجح من الخلاف أربع مجلدات (وتصحيح الفروع) مجلد واحد مفيد بعد الإنصاف (والتنقيح) مجلد بديع لم يسبق إلى نظيره. وله أيضًا "تحرير المنقول في علم الأصول"، وشرحه في مجلدين، و"مولد"، وكتاب في الأدعية، وشرع في شرح الطوفي. وتوفي ليلة الجمعة سادس جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وثمانمائة.
وأما صاحب الفروع فهو الإمام الأوحد شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي تلميذ أبي العباس ابن تيمية، قال في حقه ابن القيم مع معاصرته له: "ما تحت أديم السماء أعلم بالفقه من شمس الدين بن مفلح، وناهيك بكتابه هذا الجامع". توفي ليلة الخميس ثاني رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
(وربما ذكرت بعض الخلاف) في بعض المسائل (لقوته) تكثيرًا للفائدة ولتعلم رتبته.
(و) ربما (عزوت) أي: نسبت (حكمًا إلى قائله) من العلماء (خروجًا من تبعته) قال في "القاموس" (^١): كفرحة وكتابة: الشيء الذي فيه بغية، شبه ظلامة ونحوها انتهى. وقال بعضهم: التبعة ما اتبع به (^٢). وقد يكون عزو القول لقائله ارتضاء له وموافقة، كما هو شأن أئمة المذهب، وصرّح به ابن قندس في حاشية "الفروع".
(وربما أطلقت الخلاف) في بعض المسائل (لعدم) وقوفي على (مصحح) له من الأئمة المتقدمين.
_________________
(١) ص/ (٩١١).
(٢) في لسان العرب (٨/ ٣٠): التبعة ما فيه إثم ثم يُتَّبع به.
[ ١ / ٢٤ ]
(ومرادي بالشيخ) حيث أطلقته (شيخ الإسلام) بلا ريب (بحر العلوم) النقلية والعقلية (أبو العباس أحمد) تقي الدين بن عبد الحليم ابن شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي (بن تيمية) الحراني، ولد يوم الاثنين عاشر - وقيل: ثاني عشر - ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي ليلة الاثنين عشر (^١) ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. كان إمامًا مفردًا أثنى عليه الأعلام من معاصريه فمن بعدهم، وامتحن بمحن، وخاض فيه أقوام حسدًا، ونسبوه للبدع والتجسيم، وهو من ذلك بريء، وكان يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، فكان من أمره ما كان، وأيده الله عليهم بنصره، وقد ألف بعض العلماء في مناقبه وفضائله قديمًا وحديثًا ﵀ ونفعنا به.
"تتمة" إذا أطلق المتأخرون كصاحب "الفروع" و"الفائق" و"الاختيارات" وغيرهم: الشيخ، أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسيّ.
وإذا قيل: الشيخان، فالموفق والمجد.
وإذا قيل: الشارح، فهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي، وهو ابن أخي الموفق وتلميذه.
وإذا أُطلق: القاضي، فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد الفراء.
وإذا قيل: وعنه، أي: عن الإمام أحمد - ﵀ -، وقولهم نصًّا: معناه نسبته إلى الإمام أحمد - ﵀ -.
_________________
(١) في (ح): عشرين، وهو الصواب كما في البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ١١٧)، وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٥)، والمنهج الأحمد (٥/ ٣٩).
[ ١ / ٢٥ ]
(وعلى الله) لا على غيره (أعتمد) أي: أتكل (ومنه) دون ما سواه (المعونة) أي: الإعانة (أستمد) أي: أطلب المدد (هو ربي) دون غيره، ورب كل شيء: مالكه. والرب من أسمائه تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك. (لا إله إلا هو) قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^١) (عليه توكلت) أي: فوضت أمري إلى الله دون ما سواه (وإليه متاب) أي: توبتي، وتاب الله عليه: وفقه للتوبة.
* * *
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٢.
[ ١ / ٢٦ ]