حُكم حاكم) لأنه مجمع عليه، أشبه الرد بالعيب؛ قاله في "الكافي".
(وليس للعبد فَسْخها) أي: الكتابة بحال، قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه. قال في "المغني": لأنها سبب الحرية، وفيها حق مُعلَّق، وفي فَسْخها إبطال لذلك الحق.
(ولقادر على الكسب تعجيز نفسه) بترك التكسُّبِ؛ لأن معظم المقصود من الكتابة تخليصه من الرق، فإذا لم يرد ذلك؛ لم يُجبر عليه (إن لم يملك) المُكاتَب (وفاء) لمال الكتابة (فإن ملكه) لم يملك تعجيز نفسه، و(أُجبر على وفائه، ثم عَتَق) لأن سبب الحرية -وهو الأداء- حاصلٌ، يمكنه فعله من غير كلفة، والحرية حق لله تعالى، فلا يملك إبطالها مع حصول سببها، بخلاف ما إذا لم يملك وفاء، فإن السبب غير حاصل، وعليه في السعي كلفة ومشقَّة.
(ويجوز فَسْخُها) أي: الكتابة (باتفاقهما) أي: السيد والمكاتب، بأن يتقايلا أحكامها، قياسًا على الييع، قال في "الفروع": ويتوجه ألا يجوز؛ لحق الله تعالى. انتهى. قلت: ويؤيده ما فيها من معنى التعليق.
(ويجب على سيده) أي: المُكاتَب (-ولو كان العبد المُكاتَب ذميًّا- أن يؤتيه رُبع مال الكتابة).
أما وجوب الإيتاء من غير تقدير؛ فلقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (^١) وظاهر الأمر الوجوب.
وأما كونه ربع مال الكتابة، فلما روى أبو بكر بإسناده عن علي، عن النَّبِيّ - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال:
_________________
(١) سورة النور، الآية: ٣٣.
[ ١١ / ١٠٣ ]
"رُبعُ الكِتابَة" (^١) وروي موقوفًا عنه (^٢).
_________________
(١) أخرجه النَّسَائِيّ في الكبرى (٣/ ١٩٨، ١٩٩) حديث ٥٠٣٤، ٥٠٣٥، وعبد الرَّزّاق (٨/ ٣٧٥) حديث ١٥٥٨٩، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١/ ١٦٦) حديث ٤٣٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨٨) -، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٠) حديث ٣٠٢٥، وابن عدي (٥/ ٢٠٠٢)، والحاكم (٢/ ٣٩٧)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، والضياء في المختارة (٢/ ١٩٤، ١٩٥) حديث ٥٧٦، ٥٧٧، عن ابن جريج، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي ﵁ مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وعبد الله بن حبيب هو أبو عبد الرحمن السلمي، وقد أوقفه عن علي في رواية أخرى. ووافقه الذهبي. وقال النسائي -كما في تحفة الأشراف (٧/ ٤٠٢) -: حديث ابن جريج خطأ، والصواب موقوف. وقال الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١/ ١٦٨): فكان الذي رفع هذا الحديث عن علي إلى النَّبِيّ - ﷺ - هو ابن جريج، عن عطاء، وعطاء فقد كان خلط بأخرة، … فحديث ابن جريج عنه، هو ما أخذ عنه في حال الاختلاط، فلم يكن ذلك مما يوجب رفع هذا الحديث. وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٨) عند قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: هذا حديث غريب، رفعه منكر، والأشبه أنَّه موقوف على علي ﵁، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى. وقال النَّسَائِيّ وعبد الرزاق والطحاوي والبيهقي: قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد عن عطاء بن السائب أنه كان يحدث بهذا الحديث لا يذكر فيه النبي - ﷺ -. وزاد البيهقي: قال ابن جريج: ورفعه لي.
(٢) الموقوف أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ١٩٩) رقم ٥٠٣٧، ٥٠٣٨، وعبد الرَّزّاق (٨/ ٣٧٥، ٣٧٦) رقم ١٥٥٩٠، ١٥٥٩١، والطبري في تفسيره (١٨/ ١٢٩، ١٣٠، ١٣١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١/ ١٦٥)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٩)، والضياء في المختارة (٢/ ١٩٤) رقم ٥٧٥، من طرق عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ موقوفًا. قال الدارقطني في العلل (٤/ ١٦٥): وهو الصواب. وقال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف.
[ ١١ / ١٠٤ ]
فإن قيل: إنه ورد غير مقدَّر؟ فجوابه: أن السنة بيَّنته وقدَّرته، كالزكاة. وفارقت الكتابة في ذلك سائر العقود؛ لأن القصد بها رفق المكاتب، بخلاف غيرها.
فـ (ـإن شاء) السيد (وَضعه) أي: الربع (عنه) أي: المُكاتَب (من أول الكتابة) أي: من أول أنجمها (أو) وضَعه عنه (من أثنائها. وإن شاء قبضه) أي: الربع منه (ثم دفعه إليه) لأن الله تعالى نصَّ على الدفع إليه، فنبَّه به على الوضع؛ لكونه أنفع من الدفع؛ لتحقق النفع به في الكتابة (والوضع عنه أفضل) من الدفع إليه بعد؛ لما تقدم من أنَّه أنفع.
(وإن مات السيد قبل الإيتاء) لربع مال الكتابة بعد أدائه (فهو) أي: الربع (دين في تَرِكته) يحاصص به غرماءه؛ لأنه حق لآدمي؛ فلم يسقط بالموت، كسائر الحقوق.
(فإن أعطاه) أي: الربع للمُكاتب (السيد من جنس مال الكتابة) من غيره (لزمه) أي: المُكاتَب (قَبوله) لأنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء من عينه والإيتاء من غيره من جنسه، فوجب أن يتساويا في الإجزاء، كالزكاة، وغير المنصوص إذا كان في معناه أُلحق به، لكن الأولى أن يؤتيه من عينه.
(وإن أعطاه) أي: السيد (من غير جنسها، مثل أن يُكاتبه على دراهم، فيعطيه دنانير، أو) يعطيه (عُروضًا؛ لم يلزمه) أي: المُكاتَب (قَبوله) لأنه لم يؤته من مال الكتابة ولا جنسه.
(وإن أدَّى) المُكاتَب (ثلاثة أرباع المال، وعجز عن الربع، لم يعتق، وللسيد فسخها) أي: الكتابة؛ لحديث عَمرو بن شُعيب، عن أَبيه، عن جده مرفوعًا: "المُكاتَب عبدٌ ما بقيَ عليه
[ ١١ / ١٠٥ ]
دِرهم" (^١)، وروى الأثرم عن عمر، وابنه، وعائشة، وزيد بن ثابت أنهم قالوا: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ" (^٢)، وروي ذلك -أيضًا- عن أم سلمة (^٣)، ويؤيده ما روى سعيد بإسناده عن أبي قلابة قال: "كُنَّ أزواج رسول الله - ﷺ - لا يحتجِبنَ من مُكاتَبٍ ما بقي عليه دينار" (^٤).
وأما حديث ابن عباس مرفوعًا: "إذا أصاب المكاتَبُ حدًّا، أو ميراثًا ورث بحسابِ ما عَتقَ منه، ويُؤدَى المُكاتبُ بحصَّةِ ما أدَّى ديَة حُرٍّ،
_________________
(١) تقدم تخريجه (١٠/ ٥٢٠) تعليق رقم (١).
(٢) لعل الأثرم رواه في سننه، ولم تطبع. وقد ذكره البخاري تعليقًا في المكاتب، باب ٤، قبل حديث ٢٥٦٤: قال: وقالت عائشة: هو عبد ما بقي عليه شيء، وقال زيد بن ثابت: ما بقي عليه درهم. وقال ابن عمر: هو عبد -إن عاش، وإن مات، وإن جنى- ما بقي عليه شيء. وقد رويت هذه الآثار موصولة، فأثر عمر بن الخطاب: أخرجه ابن أبي شيبة -كما في نصب الراية (٤/ ١٤٤) - والبيهقي (١٠/ ٣٢٥، ٣٣٢). وأثر ابن عمر ﵄: وصله مالك في الموطأ (٢/ ٧٨٧)، وعبد الرزاق (٨/ ٤٠٦) رقم ١٥٧٢٢، وابن أبي شيبة (٦/ ١٤٦)، والطحاوي (٣/ ١١٢)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٤). وأثر عائشة ﵂: وصله عبد الرزاق (٨/ ٤٠٨، ٤١٢) رقم ١٥٧٢٦، ١٥٧٢٧، ١٥٧٤٠، وابن أبي شيبة (٦/ ١٤٧)، والطحاوي (٣/ ١١٢)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٤ - ٣٢٥). وأثر زيد ﵁: وصله الشافعي في مسنده (ترتيبه ٢/ ٧٠)، وعبد الرزاق (٨/ ٤٠٥، ٤١٠) رقم ١٥٧١٧، ١٥٧٣٥، وابن أبي شيبة (٦/ ١٤٦ - ١٤٧)، والطحاوي (٣/ ١١٢)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٤)، وفي معرفة السنن والآثار (١٤/ ٤٤٦) رقم ٢٠٦٩٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٤٠٨) رقم ١٥٧٢٨، والطحاوي (٣/ ١١٢).
(٤) لم نقف عليه في المطبوع من سنن سعيد، وأخرجه -من طريقه- البيهقي (١٠/ ٣٢٥). وأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٤٧)، عن مجاهد ﵀ بنحوه.
[ ١١ / ١٠٦ ]