فأقرع بينهم ثم علم (بعدها) أي: القرعة (أن المعتَق غيرُه) أي: غير من خرجت له القرعة (عتق، وبطل عِتقُ الأول) لتبين خطأ القرعة (إلا أن تكون القُرعة بحكم حاكم، فيعتقان) لأن في إبطال عِتْق المخرج نقضًا لحكم الحاكم بالقرعة. ويأتي في القضاء: أن قرعة الحاكم نفسها حكم، فلا يحتاج الحاكم مع القرعة إلى الحكم بها، كتزويج اليتيمة ونحوه.
(و) إذا أعتق معينًا ثم نسيه ثم تذكره (قبل القرعة) فإنَّه (يقبل تعيينه) لأنه غير متهم فيه (فيعتق من عيَّنه) للعتق (^١).
(وإن قال) السيد: (أعتقت هذا لا بل هذا، عتَقَا) جميعًا؛ لأن إضرابه عن الأول لا يبطله.
(وكذا الحكم في إقرار الوارث) إذا قال: مورثي أعتق هذا، لا بل هذا، عتق الاثنان.
وإن قال لعبديه: إن قدم زيد في هذا الشهر -مثلًا - فأحدكما حر. فمات أحدهما، أو باعه السيد قبل قدوم زيد، ثم قدم زيد في الشهر المعلَّق عتقه على قدومه فيه؛ عتق الباقي في ملكه؛ لمصادفة وجود الشرط لمن هو محل لوقوع العتق، كقوله لِقنّه، وأجنبي، أو بهيمة: أحدهما حر، فيعتق قِنّه وحده، وكذا الطلاق، ويأتي.
فصل
(وإن أعتق في مرض موته المَخُوف جزءًا من عبده) أو من أمته (أو دبّره) أي: دبر جزءًا من عبده، أو أَمَته (مثل أن يقول: إذا متُّ فنصف عبدي) فلان، أو نصف أمَتي فلانة (حر، أو وصَّى بعتقه) أي: بعتق جزء
_________________
(١) في "ح": "المعتق".
[ ١١ / ٤٥ ]
من عبده، أو أَمَته، ثم مات (وثلثُه) حين الموت (يحتمل) قيمة (جميعه، عتق) القِن (كله) لأن عتق الميت جزءه أو تدبيره جزءه، أو عتق الورثة بالوصية يسري إلى باقيه من ثلث ماله؛ لأن ملك المعتق لثلث ماله ملك تام يملك التصرُّف فيه بالتبرُّع وغيره، فأشبه عِتق الصحيح.
(فلو مات العبد) الذي نجز سيده المريض عتق جزء منه (قبل) موت (سيده) ثم مات سيده (عتق) منه (بقَدْر ثلثه) أي: ثلث مال السيد عند الموت، بخلاف المُدَبّر والموصى بعتقه، فإنه يموت قِنًّا.
(وكذا لو أعتق) أحد شريكين في رقيق (شركًا له في عبد) أو أَمَة (في مرض موته) المخوف (أو دبَّره) أي: دبَّر شركًا له في رقيق، ولو في الصحة (وثلثه يحتمل باقيه) فإنه يعتق كله؛ لما تقدم، كالصحيح الموسر (ويعطى الشريك قيمه حصته) يوم عتقه من التركة؛ لقوله - ﷺ -: "ويُعْطى شُركاؤه حِصَصهُم" (^١).
(وإن أعتق في مرضه) المخوف (ستةَ أعبد) أو ست إماء، أو ستة منهما (قيمتهم سواء، وثلثه يحتملهم) في الظاهر (ثم ظهر عليه) أي: على معتقهم (دين يستغرقهم) أي: يستغرق الستة الذين أعتقهم، وما معهم من ماله (بيعوا في دَيْنه) لتبين بطلان عتقهم بظهور الدَّيْن، ويكون عتقهم وصية، والدَّيْن مقدَّم على الوصية؛ لقول علي ﵁: "إنَّ النبي - ﷺ - قضى بالدَّين قبل الوصية" (^٢) وإن استغرق الدَّيْن بعضهم، بيع منهم بقَدْره ما لم يلتزم الوارث بقضائه فيهما (فإن) لم يظهر عليه دَيْن، ولم يعلم له مال غيرهم (أعتقنا ثلثهم) لأنه تبرع في مرض الموت، أشبه الوصية.
_________________
(١) تقدم تخريجه (١١/ ٢٤) تعليق رقم (١).
(٢) تقدم تخريجه (٤/ ٤١) تعليق رقم (١).
[ ١١ / ٤٦ ]
(ثم) إن (ظهر له) أي: للمعتق (مال يخرجون من ثلثه، عتق من أُرِقَّ منهم) لأن تصرُّف المريض في ثلثه نافذ، وقد بان أنهم ثلث ماله، وخفاء ما ظهر من المال علينا، لا يمنع كون المعتق موجودًا من حينه (وكان حكمهم) أي: الستة الذين أعتقهم في مرضه، وتبيَّنا خروجهم من الثلث (حكم الأحرار من حين أعتقهم) لنفوذ عتقهم إذًا (وكسبهم لهم منذ عتقوا. وإن كانوا قد تُصُرِّف فيهم) من الورثة، أو غيرهم (ببيع أو هبة) أو إجارة، أو نحوها (أو رهن أو تزويج بغير إذن) منهم، إن كانوا أهلًا له (كان) التصرف (باطلًا) لأنه تصرُّف في حر بغير إذنه، ولا ولاية عليه.
(وإن كانوا) أي: العتقاء (قد تصرَّفوا) ببيع أو هبة ونحوها (فحكم تصرفهم حكم تصرُّف) سائر (الأحرار) لأنهم من جُملتهم.
(فإن لم يظهر له) أي: لمعتق الستة المتساوين في القيمة (مال غيرُهم) ولم يكن عليه دَيْن (جزأناهم ثلاثة أجزاء، كل اثنين جزءًا، ثم أقرعنا بينهم بسهمِ حرية وسهمي رِق، فمن خرج له سهم الحرية، عتق، ورَقَّ الباقون) لحديث عمران بن حصين "أنَّ رجُلًا من الأنصار أعتق ستةَ مملوكين في مرضِه، لا مالَ له غيرهم، فجزَّأهم النبيُّ - ﷺ - فأعتق اثنين، وأرق أربعة" رواه مسلم وأبو داود وسائر أصحاب السنن (^١)، ورواه الإمام أحمد بإسناده عن أبي زيد الأنصاري الصحابي (^٢)، وروي نحوه
_________________
(١) مسلم في الأيمان، حديث ١٦٦٨، وأبو داود في العتق، باب ١٠، حديث ٣٩٥٨، والترمذى في الأحكام، باب ٢٧، حديث ١٣٦٤، والنسائي في الجنائز، باب ٦٥، حديث ١٩٥٦، وفي الكبرى (٣/ ١٨٧) حديث ٤٩٧٤ - ٤٩٧٧، وابن ماجه في الأحكام، باب ٢٠ حديث ٢٣٤٥.
(٢) أحمد (٥/ ٣٤١). وأخرجه -أيضًا- أبو داود في العتق، باب ١٠ حديث ٣٩٦٠، والنسائي في الكبرى (٣/ ١٨٧) حديث ٤٩٧٣، وسعيد بن منصور (١/ ١٠٤) حديث =
[ ١١ / ٤٧ ]
عن أبي هريرة مرفوعًا (^١)؛ ولأن العتق حق في تفريقه ضرر، فوجب جمعه بالقُرعة، كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشركاء، والوصية لا ضرر في تفريقها، بخلاف مسألتنا. وإن سلَّمنا مخالفته لقياس الأصول فرسول الله - ﷺ - واجب الاتباع سواء وافق نصه القياس أو لا.
هذا إن تساوَوْا في القيمة، فإن اختلفت، كستة: قيمة اثنين ثلاثمائة ثلاثمائة، واثنين مائتان مائتان، واثنين مائة مائة، جعلت الاثنين اللذين قيمتهما أربعمائة جزءًا، وكل واحد من اللذين قيمتهما مائة مع واحد من الأولين جزءًا، وقِسْ على ذلك.
هذا إن أعتقهم دفعة، فإن أعتقهم واحدًا بعد آخر (^٢)، فقد تقدَّم أنه يبدأ بالأول فالأول، خِلافًا لـ "المبدع" هنا.
(فإن كانوا) أي: العبيد الذين أعتقهم في مرض موته المَخوف دفعة واحدة (ثمانية) وقيمتهم سواء، ولم يخرجوا من ثلثه، ولم تجز الورثة عتقهم (فإن شاء أقرع بينهم بسهمَيْ حرية، وخمسةِ) أسهم (رِق، وسهمٍ لمن ثلثاه حُر) لأن الغرض خروج الثلث بالقُرعة، فكيف اتَّفق حصل ذلك الغرض (وإن شاء جَزَّأهم أربعة أجزاء، وأقرع بينهم بسهم حرية وثلاثةٍ رق، ثم أعاد القُرعة بين الستَّة لإخراج مَنْ ثلثاه حر) ليظهر المعتَق من
_________________
(١) = ٤٠٩، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٨) حديث ٧٤٠، عن أبي قلابة، عن أبي زيد، أن رجلًا من الأنصار … الحديث. قال ابن أبي حاتم فى المراسيل ص/ ٩٦: قال أبي: أبو قلابة لم يسمع من أبي زيد عمرو بن أخطب، بينهما عمرو بن بجدان.
(٢) أخرجه النسائي فى الكبرى (٣/ ١٨٨) حديث ٤٩٧٨، وابن أبي شيبة (٧/ ٣٥١، ١٤/ ١٥٨)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٤١٩).
(٣) في "ذ": "واحد بعد واحد".
[ ١١ / ٤٨ ]
غيره (وكيف أقرع جاز) بأن يجعل ثلاثة جزءًا، وثلاثة جزءًا، واثنين جزءًا، فإن خرجت القُرعة على الاثنين عتقا، ويكمل الثلث بالقُرعة من الباقين، وإن خرجت لثلاثة، أقرع بينهم بسهمي حرية وسهم رِق لمن ثلثاه حر.
وإن كان جميعُ ماله عبدين وأعتقها، أقرعنا بينهما بسهم حرية وسهم رق على كل حال.
(وإن أعتق في مرضه) المخوف (عبدين لا يملك غيرهما، قيمة أحدهما مائتان، و) قيمة (الآخر ثلاثمائة، جمعتَ قيمتهما، وهي خمسمائة، فجعلْتَها الثُّلث) إن لم تجز الورثة عتقهما؛ لئلا يكون فيه كسر فتعسر النسبة إليه (ثم أقرعتَ بينهما) ليتميز المعتَق من غيره.
(فإن وقعت) القُرعة (على الذي قيمته مائتان، ضربتها في ثلاثة) كما يعمل في مجموع القيمة (تبلغ ستمائة، ثم تنسب منه) أي: من حاصل الضرب وهو الستمائة (الخمسمائة) لأنها الثلث تقديرًا (يكون العتق خمسة أسداسه) لأن الخمسمائة خمسة أسداس الستمائة.
(وإن وقعت) القُرعة (على) العبد (الآخر) الذي قيمته ثلاثمائة (عتق منه خمسة أتساعه) لأنك تضرب قيمته وهي الثلاثمائة في ثلاثة، يحصل تسعمائة، تنسب إليها الخمسمائة، تكن خمسة أتساعها.
(وكل شيء) من المسائل (يأتي من هذا الباب، فسبيله) أي: طريقه (أن يضرب في ثلاثة) مخرج الثلث (ليخرج) صحيحًا (بلا كسر.
وإن أعتق) مريض (واحدًا) مبهمًا (من ثلاثة أعبد غير معيَّن، فمات أحدهم) أي: أحد العبيد الثلاثة (في حياته) أي: السيد المريض (أُقرع بينه) أي: العبد الميت (وبين الحيَّين) لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث،
[ ١١ / ٤٩ ]