(وإن اتفقا على زيادة الأجل والدَّين) مثل أن يكاتبه على ألف في نجمين إلى سنة، يؤدّي نصفها في نصف السنة، والباقي في آخرها، ثم جعلاها إلى سنتين بألف ومائتين في كل سنة ستمائة، أو يحل عليه نجم فيقول: أخِّرني إلى كذا، وأريدك كذا (لم يجز) لأن هذا يُشبه ربا الجاهلية المُحرَّم؛ ولأن المؤجَّل إلى وقت، لا يتأخر أجله عن وقته باتفافهما عليه، ولا يتغير أجله بتغييره، وإذا لم يتأخر عن وقته، لم تصح الزيادة التي في مقابلته؛ ولأنه يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد، بخلافه في الأولى.
(وإذا دفع) المُكاتَب أو غيره (إلى السيد مال الكتابة ظاهرًا؛ فقال له السيد: أنت حرٌّ، أو قال) بعد الدفع إليه: (هذا حُرٌّ، ثم بان العوض مستحقًّا) لغيره، بأن تبين أنه غصبه، أو سرقه ونحوه (لم يعتق) المُكاتَب (بذلك) لفساد القبض، وقوله: أنت حرّ ونحوه، إنما قاله اعتمادًا على صحة القبض.
(فلو ادَّعى المُكاتَبُ أن السيد قَصَد بذلك عتقه) لا في مقابلة القبض (وأنكر السيدُ) ذلك (فقول السيد) بيمينه؛ لأنه أدرى بنيته.
فصل
(ويملك المُكاتَبُ نَفْعَ نفسه، و) يملك (كسبَه، والإقرارّ، وكلَّ تصرف يُصْلح ماله من البيع والشراء، والإجارة والاستئجار) لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق، ولا يحصل إلا بأداء عوضه، وهو متعذِّر ألا بالاكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب؛ فإنه قد جاء في
[ ١١ / ٧٧ ]
الأثر "أنَّ تسعة أعْشَارِ الرِّزْقِ في التجارة" (^١) (و) يملك (الإنفاق على نفسه وولده التابع له من أَمَته، و) على (رقيقه) لأن ذلك مما لا غناء عنه.
(وله) أي: المكاتب (أن يقتص لنفسه ممن جنى عليه، على طرفه، أو جرحه) وقوله: (بغير إذن سيده) متعلق بـ"يقتص"، ويحتمل أن يتعلق بقوله: "ويملك المكاتب" لأنه لو عفا على مال؛ كان له، فكذلك بدله.
(وله) أي: المكاتب (شراء ذوي رحمه) لأنه اشترى مملوكًا بما لا ضرر على السيد في شرائه، أشبه الأجنبي.
(و) له (قبولهم إذا وُهِبوا له، أو وُصِّي له بهم، ولو أضروا بماله، وله أن يفديهم إذا جَنوا) لأن في ذلك كله تحصيلًا لحريتهم بتقدير عتقه،
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (١/ ٢٩٩)، وسعيد بن منصور -كما في الدر المنثور (٢/ ١٤٤)، ولم نقف عليه في المطبوع من سننه-، ومسدد -كما في المطالب العالية (٢/ ١٠٨) حديث ١٤٤٧- وابن أبي الدنيا في إصلاح المال ص / ٧٣ حديث ٢١٣، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (١/ ٨١) عن نعيم بن عبد الرحمن، عن النبي - ﷺ -. قال الحافظ العراقي في تخريجه على الإحياء (٢/ ٦٢): "رجاله ثقات، ونعيم هذا قال فيه ابن منده: ذُكر في الصحابة ولا يصح، وقال أبو حاتم الرازي [الجرح والتعديل (٩/ ٤٦١)]، وابن حبان [الثقات ٥/ ٤٧٧]: إنه تابعي، فالحديث مرسل". وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣/ ٢٧٥): هذا إسناد ضعيف؛ لجهالة نعيم بن عبد الرحمن. وقال في مختصره (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦): رواه مسدد مرسلًا بسند صحيح. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٣/ ٢٤٤ مع الفيض) مرسلًا ورمز لحسنه. وأخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال ص / ٧٣، حديث ٢١٤، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: الرزق عشرون بابًا، فتسعة عشر بابًا للتجار، وباب للصانع بيده. وأورده الديلمي في الفردوس (٥/ ٢٨٧) حديث ٨٢٠٥، من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا بنحوه.
[ ١١ / ٧٨ ]
فكان له ذلك؛ لأن العتق مطلوب شرعًا (وإذا ملكهم لم يجز بيعهم) لأنه لا يملكه لو كان حرًّا، فلا يملكه مُكاتَبًا (وكسبهم له) أي: كسب ذوي رَحِم المُكاتَب المحرم له؛ لأنهم عبيده، فكان له كسبهم كالأجانب (وحكمهم) أي: حكم ذوي رحمه المحرم (حكمه) أي: المُكاتَب (إن عتق) بالأداء أو الإبراء؛ (عتقوا) لأنه كمل فيهم ملكه، وزال تعلق حق سيده بهم.
(وإن عجز؛ رقوا لسيده) لأنهم من ماله، فيصيرون للسيد عند عجزه، كعبيده الأجانب (إلا إذا أعتقه سيده، فلا يعتقُون، بل) هم (أرقَّاء لسيده) لأن من عتق على غير مال، يكون ما بيده لسيده، كما تقدم (^١) (وولده) أي: المُكاتَب (من أمَته كذلك) أي: كذوي رَحِمه المحرم، إن عتق عتق معه، وإن عجز رق. وإن أعتق المُكاتَبَ سيدُه كان ولده لسيده، وأما ولده من غير أَمَته فتابع لأمّه.
(وله) أي: المُكاتَب (تأديب رقيقه، و) له (تعزيرهم، و) له (خَتْنهم) لأنه من مصلحة ملكه (لا إقامة الحد عليهم) لأنه موضع ولاية، وما هو من أهلها.
(وله المطالبة بالشفعة، والأخذ بها) أي: الشفعة (ولو من سيِّده. وكذا السيد) له الأخذ بالشفعة (منه) أي: من مُكاتَبه (لأنه) أي: المُكاتَب (مع سيده في البيع والشراء كالأجنبي) وتقدم في الشفعة (^٢).
(وله) أي: المُكاتَب (الشراء نسيئة بلا رهن) لأنه لا غرر فيه. قال في "الشرح": ولا يجوز أن يدفع به رهنًا، لأن الرهن أمانة وقد يتلف، أو
_________________
(١) (١١/ ٢١).
(٢) انظر: (٩/ ٣٦٨).
[ ١١ / ٧٩ ]
يجحده الغريم، وله أن يستسلف في ذمته وأن يقترض؛ لأنه ينتفع بالمال.
(وله شراء من يعتق على سيِّده) كابن سيده، وأخيه، ويعتق إن عجز المُكاتَب، أو أعتقه سيده.
(وسفره) أي: المُكاتَب (كـ) ـــسفر (مدين) فلسيده منعه، ولا يتأتَّى أن يوثق برهن يحرز أو كفيل مليء؛ لأنهما لا يصحان بمال الكتابة على ما تقدم (وتقدم في الحَجْر (^١» حكم سفر الغريم.
(وله) أي: المُكاتَب (أخذ الصدقة الواجبة والمستحبة) لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (^٢) وإذا جاز الأخذ من الواجبة، فالمستحبة أَولى.
(فإن شرط) السيد (عليه ألَّا يسافر، ولا يأخذ الصدقة، ولا يسأل الناس؛ صح) الشرط وكان لازمًا؛ لقوله - ﷺ -: "المسلمون على شُروطهم" (^٣)؛ ولأن للسيد في هذا الشرط فائدة، فلزم، كما لو شرط نقدًا معلومًا.
(فلو خالف) المُكاتَب (وفعل) ما شرط عليه ألَّا يفعله (كان لسيده تَعجيزُه) لمخالفته الشرط، قال أحمد (^٤): قال جابر بن عبد الله: "هم على شُروطهم" (^٥) إنْ رأيته يسأل تنهاه، فإن قال: لا أعود، لم يرده عن كتابته
_________________
(١) انظر: (٨/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٣) تقدم تخريجه (٧/ ١٠٧) تعليق رقم (٣).
(٤) المغني (١٤/ ٤٧٧).
(٥) أخرجه البخاري تعليقًا في الشروط، باب ١٧، قبل حديث ٢٧٣٥، ووصله الثوري في الفرائض ص / ٤٩، رقم ٧٧، ومن طريقه عبد الرزاق (٨/ ٤٠٥) رقم ١٥٧١٧، =
[ ١١ / ٨٠ ]