لقصة بَرِيرةَ.
(وإن شرط) السيد (عليه) أي: المُكاتَب (خدمةً معلومة) كشهر أو سنة (بعد العتق؛ جاز) الشرط، ولزمه الوفاء به، كما لو نجز عتقه واشترط عليه الخدمة، وكبيعه بذلك الشرط؛ ولأنه شرط نفعًا معلومًا، أشبه ما لو شرط عوضًا معلومًا، وهذا الشرط لا يُنافي مقتضى العقد؛ فإنَّ مقتضاه العتق عند الأداء، وهذا لا ينافيه.
(وإذا كاتبه على ألفين، في رأس كل شهر ألف، وشرط) السيد (أن يعتق) المُكاتَب (عند أداء) الألف (الأول؛ صح) العقد، وكان على ما شرطا (ويعتق عند أدائه) الألف الأول؛ لأن السيد لو أعتقه بغير أداء شيء؛ صح، فكذلك إذا جعل عتقه عند أداء بعض الكتابة (ويبقى الألْفُ الآخر دينًا عليه بعد عتقه) كما لو باعه نفسه به.
(ومن كاتب بعض عبده) أو بعض أَمَته بألف أو نحوه (ملك) العبد (من كسبه بقدره) لأن الكتابة عقد معاوضة، فصحَّت في بعضه، كالبيع.
ويجب أن يؤدي إلى سيده من كسبه بحسب ما له فيه من الرق، إلَّا أن يرضى سيده بتأدية الجميع في الكتابة؛ فيصح.
(فإن أدَّى ما عليه) في الكتابة (عَتَق كله) ما كوتب منه بالكتابة، وباقيه بالسراية؛ لأن العتق إذا سرى إلى ملك غير السيد، فلأن يسري إلى ملكه أولى.
(وإن كاتب) السيد (حصة له في عبد) أو أَمَةٍ (صح) العقد (سواء كان باقيه حرًّا أو ملكًا لغيره، بإذن شريكه أو لا) لأن الكتابة عقد معاوضة على نصيبه؛ فصح كبيعه؛ ولأنه ملك يصح بيعه وهبته، فصحت كتابته، كالعبد الكامل، وكما لو كان باقيه حرًّا، أو أذن فيه الشريك. ولا يمنع
[ ١١ / ١٠٩ ]
كسبه، ولا يمنع أخذه الصدقة بجزئه المُكاتَب، ولا يستحق الشريك شيئًا منه، كالمبعَّض إذا ورث بجزئه الحر، ومتى هايأه مالك البقية، فكسب في نوبته شيئًا اختص به، وإن لم يهايئه، فكسب بجملته شيئًا، كان له من كسبه بقَدْر ما فيه من الجزء المُكاتَب، ولسيده الذي لم يكاتبه الباقي؛ لأنه كسبه بجزئه المملوك.
(فإن أدَّى ما كوتب عليه) للذي كاتبه (و) أدَّى (مثله لسيده الآخر) الذي لم يكاتبه (عتق كله؛ إن كان) الذي (كاتبه موسرًا) بقيمة باقيه بالسراية، لا بالكتابة (وعليه قيمة حصة شريكه) لحديث ابن عمر السابق (^١).
(فإن أعتق الشريك) -الذي لم يُكاتِب- نصيبَهُ منه (قبل أدائه) ما كوتب عليه (عتق كله؛ إن كان) المعتق (موسرًا) بقيمة باقيه (وعليه قيمة نصيب) شريكه (المكاتِب) -بكسر التاء- مُكاتَبًا؛ لعموم ما سبق.
(وإن كاتبا) أي: الشريكان (عبدهما) أو أَمَتهما، سواء تساوى ملكهما فيه، بأن كان بينهما نصفين، أو تفاضلا، كما لو كان بينهما أثلاثًا (ولو) كان العوض الذي كاتباه عليه (متفاضِلًا) بأن كان العبد بينهما نِصفين، وكاتباه على ثلاثمائة، لواحد مائتان، وللآخر مائة (صح) العقد، سواء كاتباه في عقد واحد أو عقدين؛ لأن كل واحد منهما يعقد على نصيبه عقد معاوضة؛ فجاز أن يختلفا في العوض كالبيع؛ ولأنه إنما يؤدي إِليهما على التساوي. وظاهره: ولو اختلفا في التنجيم، أو جعل لأحدهما في النجوم قبل النجم الأخير أكثر من الآخر؛ لأنه يمكن أن يعجل لمن تأخَّر نجمه قبل محلّه، ويعطي من قلَّ نجمه أكثر من الواجب
_________________
(١) تقدم تخريجه (١١/ ٢٤) تعليق رقم (١).
[ ١١ / ١١٠ ]
له، ويمكن أن يأذن له أحدهما في الدفع إلى الآخر قبله، أو أكثر منه، ويمكن أن ينظره من حَلَّ نجمه، أو يرضى من له الكثير بأخذ دون حقه، وإذا أمكن إفضاء العقد إلى مقصوده، فلا نبطله باحتمال عدم الإفضاء إليه. وإذا عَجِزَ، قُسِم ما كسبه بينهما على قَدْر الملكين، فلم يكن أحدهما ينتفع إلَّا بما يقابل ملكه، وعاد الأمر بعد زوال الكتابة إلى حكم الرِّق، كما لو لم يزل.
(ولم يؤد) أي: ولا يجوز للمُكاتَب أن يؤدي (إليهما) أي: إلى سيِّدَيه (إلا على قدر ملكيهما) منه، فلا يجوز أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر، ولا يقدّم أحدهما على الآخر؛ لأنهما سواء فيه، فيتساويان في كسبه، وحقُّهما متعلِّق بما في يده تعلُّقًا واحدًا، فلم يكن له أن يخصَّ أحدهما بشيء دون الآخر.
(فإن قبض أحدهما) أي: الشريكين (دون الآخر بغير إذنه شيئًا، لم يصح القبض، وللآخر أن يأخذ منه حصته) لما تقدم. وإن عجز مكاتَبهما؛ فلهما الفسخ والإمضاء، فإن فسخا جميعًا أو أمضيا الكتابة؛ جاز ما اتفقا عليه، وإن فسخ أحدهما، وأمضى الآخر؛ جاز، وعاد نصفه رقيقًا، ونصفه مكاتَبًا. وقال القاضي: ينفسخ في جميعه. وجوابه: أنهما عقدان، فلم ينفسخ أحدهما بفسخ الآخر.
(فإن كاتَباه منفردَين) في صفقتين (فأدى) العبد (إلى أحدهما ما كاتبه عليه؛ لكون نصيبه من العوض أقل) من نصيب شريكه (أو أبرأه) أحدهما (من حصته؛ عَتَق نصيبه خاصة؛ إن كان) المستوفي لنصيبه، أو المبرئ (معسرًا) بقيمة حصة شريكه؛ لعدم السراية إذًا (وإلا) أي: وإن لم يكن معسِرًا، بأن كان موسرًا بها؛ عَتَق (كله) وعليه قيمة حصة شريكه
[ ١١ / ١١١ ]
مكاتبًا، وولاؤه كله لمن عتق عليه.
(وإن كاتَباه كتابة واحدة) في صفقة واحدة (فأدى إلى أحدهما مقدارَ حقِّهِ بغير إذن شريكه؛ لم يَعتِق منه شيءٌ) لعدم صحة القبض؛ لتعلُّق حق كلٍّ من الشريكين بما في يد المُكاتَب تعلُّقًا واحدًا.
(وإن كان) أداؤه لأحدهما (بإذنه) أي: إذن الشريك الآخر؛ صح القبض، و(عَتَق نصيبُه) لأن المنع من صحة القبض لحق الشريك الآخر، فإذا أذن فيه صح، كما لو أذن المُرتَهن للراهن في التصرُّف في الرهن، أو أذن الشريكان للمُكاتَب في التبرُّع (وسَرَى) العتق (إلى باقيه؛ إن كان) المستوفي كتابته (موسِرًا) بقيمة باقيه كما تقدم (وضَمِن نصيبَ شريكه بقيمته مكاتَبًا) حال العتق؛ لعتقه عليه مبقىً على كتابته، وولاؤه كله له، وما في يده من المال للذي لم يقبض منه شيئًا -مع كونه بينهما نصفين- بقدر ما قبض صاحبه، والباقي بين العبد وسيده الذي عتق عليه؛ لأن نصفه عَتَق بالكتابة، ونصفه بالسراية، فحصَّة ما عَتَق بالكتابة للعبد، وحصة ما عَتَق بالسراية للسيد.
(ولو كاتب ثلاثةٌ عبدًا) بينهم (فادَّعى الأداءَ إليهُم، فأنكرَه) أي: أنكر وفاء مال كتابته (أحدهم) أي: أحد الثلاثة، وأقرَّ الآخران (شارَكَهما) المنكِرُ (فيما أقرَّا بقبضِه) من العبد، فلو كانت كتابته على ثلاثمائة، واعترف اثنان منهم بقبض مائتين، وأنكر الثالث قَبْض المائة، شاركهما في المائتين اللتين اعترفا بقبضهما؛ لأنهما اعترفا بأخذهما من ثمن العبد، والعبد مشترَكٌ بينهم، فثمنه يجب أن يكون بينهم؛ ولأن ما في يد العبد لهم، والذي أخذاه كان في يده، فيجب أن يشترك فيه الجميع.
[ ١١ / ١١٢ ]