فصل فِي الْحجر مَا يتَعَلَّق بِهِ. وَهُوَ بِالْفَتْح وَالْكَسْر، لُغَة التَّضْيِيق وَالْمَنْع، وَمِنْه سمى الْحَرَام حجرا قَالَ الله تَعَالَى ١٩ «وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا» أَي حَرَامًا محرما لِأَنَّهُ مَمْنُوع مِنْهُ، وسمى الْعقل حجرا لِأَنَّهُ يمْنَع صَاحبه من ارْتِكَاب مَا يقبح وتضر عاقبته. وَشرعا منع الْمَالِك من التَّصَرُّف فِي مَاله، سَوَاء كَانَ الْمَنْع من قبل الشَّرْع كالصغير وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه أَو الْحَاكِم كمنعه المُشْتَرِي من التَّصَرُّف فِي مَاله حَتَّى قضى الثّمن الْحَال. والمفلس لُغَة من لَا مَال وَلَا مَا يدْفع بِهِ حَاجته، وَعند الْفُقَهَاء من دينه أَكثر من مَاله. وَالْحجر نَوْعَانِ: أَحدهمَا لحق الْغَيْر كعلى مُفلس وراهن ومريض وقن ومكاتب ومرتد ومشتر بعد طلب الشَّفِيع وَنَحْو ذَلِك، الثَّانِي لَحْظَة نَفسه كعلى صَغِير وَمَجْنُون وسفيه وَيَأْتِي وَلَا يُطَالب وَلَا يحْجر بدين لم يحل. ولغريم من أَرَادَ سفرا طَويلا وَلَيْسَ بِدِينِهِ رهن يحرز أَو كَفِيل ملىء
[ ٢ / ٤٣٥ ]
مَنعه حَتَّى يوثقه بِأَحَدِهِمَا وَلَو غير مخوف أَو لَا يحل قبل مدَّته قَالَه فِي الْإِقْنَاع، وَلم يُقيد فِي الْمُنْتَهى بالطويل تبعا لأكْثر الْأَصْحَاب. وَلَا يملك تَحْلِيله إِن أحرم. وَيجب وَفَاء دين حَال بِطَلَب ربه فَوْرًا على قَادر فَلَا يترخص من سَافر قبله ويمهل بِقدر مَا يتَمَكَّن بِهِ من الْوَفَاء، ويحتاط إِن خيف هروبه بملازمته أَو كَفِيل ملىء أَو ترسيم، وَكَذَا لَو طلب مَحْبُوس تَمْكِينه من الْإِبْقَاء فَيمكن ويحتاط إِن خيف هروبه، أَو توكل إِنْسَان فِي وَفَاء حق وَطلب الْإِمْهَال لإحضار الْحق فَيمكن مِنْهُ كالموكل، وَإِن مطل الْمَدِين رب الدّين حَتَّى شكاه وَجب على حَاكم أمره بوفائه بِطَلَب غَرِيمه وَلم يحْجر عَلَيْهِ وَمَا غرم بِسَبَبِهِ فعلى مماطل. وَلَو أحضر مدعى عَلَيْهِ مدعى بِهِ فَتَقَع الدَّعْوَى على عينه وَلم يثبت لمدع لزمَه مُؤنَة إِحْضَاره ورده إِلَى مَحَله لِأَنَّهُ ألجىء إِلَى ذَلِك. فَإِن أَبى الْمَدِين الْوَفَاء حَبسه وَلَيْسَ لَهُ إِخْرَاجه حَتَّى يتَبَيَّن أمره، فَإِن كَانَ مُعسرا وَجَبت تخليته وَحرمت مُطَالبَته وَالْحجر عَلَيْهِ مَا دَامَ مُعسرا، فَإِن أصر على عدم الْوَفَاء عزره ويكرر حَبسه وتعزيره حَتَّى يَقْضِيه، وَلَا يُزَاد كل يَوْم على أَكثر من عشرَة أسواط. فَإِن أصر مَعَ ذَلِك بَاعَ مَاله وقضاه، فَإِن ادّعى الْعسرَة وَلم يصدقهُ رب الدّين وَدينه عَن عوض كَثمن وقرض، أَو عرض لَهُ مَال سَابق وَالْغَالِب بَقَاؤُهُ، أَو عَن غير عوض كخلع وصداق وَضَمان وَكَانَ أقرّ أَنه ملىء حبس إِلَّا أَن يُقيم بَيِّنَة بالعسرة، وَيعْتَبر فِي الْبَيِّنَة أَن تخبر بَاطِن حَاله وَلَا يحلف مَعهَا، وَيَكْفِي فِي الْحَالين أَن
[ ٢ / ٤٣٦ ]
تشهد بالتلف أَو الْإِعْسَار، وَتسمع بَيِّنَة التّلف ويصدقه على عسرته فَلَا يحبس فِي الْمسَائِل الثَّلَاث وَهِي مَا إِذا أَقَامَ بَيِّنَة بعسرته، أَو تلف مَاله وَنَحْوه، أَو صدقه مُدع على ذَلِك. وَإِن أنكر مُدع عسرته وَأقَام بَيِّنَة بقدرته على الْوَفَاء أَو حلف بِصفة جَوَابه حبس حَتَّى يبرأ أَو تظهر عسرته. وَإِن لم يكن دينه عَن عوض وَلم يعرف لَهُ مَال الأَصْل بَقَاؤُهُ وَلم يقر أَنه ملىء وَلم يحلف مُدع طلب يَمِينه أَنه لَا يعلم عسرته، حلف مَدين أَنه لَا مَال لَهُ وخلى سَبيله. وَلَيْسَ على مَحْبُوس قَول مَا يبذله غَرِيمه لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ منَّة وَحرم إِنْكَار مُعسر وحلفه وَلَو تَأَول نصا فَقَالَ ﵀ وَمن مَاله لَا يَفِي بِمَا أَي بِالدّينِ الَّذِي عَلَيْهِ حَال كَونه حَالا وَجب على حَاكم الْحجر عَلَيْهِ أَي على من لَهُ مَال لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ بِطَلَب بعض غُرَمَائه فَإِن لم يسْأَل أحد لم يحْجر عَلَيْهِ وَلَو سَأَلَهُ الْمُفلس، وَسن إِظْهَاره أَي الْحجر لفلس وسفه ليعلم النَّاس حَالهمَا فَلَا يعاملان إِلَّا على بَصِيرَة، وَسن الْإِشْهَاد على الْحجر لذَلِك. وَيتَعَلَّق بِالْحجرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَحْكَام: أَحدهَا تعلق حق الْغُرَمَاء بِمَالِه وَلَا ينفذ تصرفه أَي الْمُفلس فِي مَاله بعد الْحجر بِغَيْر تَدْبِير وَوَصِيَّة وَلَا إِقْرَاره أَي الْمُفلس عَلَيْهِ أَي على نَفسه بِأَن المَال الَّذِي بِيَدِهِ لغيره، فَإِن كَانَ صانعا كالقصار والحائك فِي يَده مَتَاع فَأقر بِهِ لأربابه لم يقبل قَوْله، وتباع الْعين الَّتِي فِي يَده حَيْثُ لَا بَيِّنَة وتقسم بَين الْغُرَمَاء
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وَتَكون قيمتهَا وَاجِبَة على الْمُفلس إِذا قدر عَلَيْهَا، بل يقبل قَوْله بِأَن مَا بِيَدِهِ من الْمَتَاع أَو المَال لغيره فِي ذمَّته فَيُطَالب بِهِ بعد فك حجر عَنهُ، وَيكفر هُوَ وسفيه بِصَوْم. وَإِن تصرف فِي ذمَّته بشرَاء أَو بِإِقْرَار أَو ضَمَان صَحَّ فَيُطَالب بِهِ بعد فك حجر عَنهُ. وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمن سلمه أَي الْمُفلس عين مَال بيعا أَو قرضا أَو رَأس مَال سلم وَنَحْو ذَلِك حَال كَونه جَاهِل الْحجر عَلَيْهِ أَخذهَا بهَا لِأَنَّهُ أَحَق بهَا من غَيره إِن كَانَت الْعين بِحَالِهَا بِأَن لم تُوطأ بكر وَلم يخرج قن، فَإِن وطِئت أَو جرح جرحا تنقص بِهِ قِيمَته فَلَا رُجُوع، وَأَن يكون عوضهَا كلهَا بَاقٍ فِي ذمَّته فَإِن أدّى بعضه فَلَا رُجُوع، وَأَن تكون كلهَا فِي ملكه فَلَا رُجُوع إِن تلف بَعْضهَا بِبيع أَو وقف أَو نَحْو ذَلِك، وَلم تختلط بِغَيْر متميز وَلم يتَعَلَّق بهَا حق للْغَيْر كرهن وَنَحْوه، وَلم تَتَغَيَّر صفتهَا بِمَا يزِيل اسْمهَا كنسج غزل وخبز دَقِيق، وَلم تزد زِيَادَة مُتَّصِلَة كسمن وَكبر وَتعلم صَنْعَة، وَكَون مُفلس حَيا إِلَى أَخذهَا. فَمَتَى جد شَيْء من ذَلِك امْتنع الرُّجُوع. وَيصِح رُجُوعه بقول وَلَو متراخيا بِلَا حَاكم وَهُوَ فسخ لَا يحْتَاج إِلَى معرفَة مرجوع فِيهِ وَلَا قدرَة على تَسْلِيمه. وَالثَّالِث مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَيبِيع حَاكم مَاله الَّذِي لَيْسَ من جنس الدّين لُزُوما ويقسمه هُوَ وَالْمَال الَّذِي من جنسه على غُرَمَائه أَي الْمُفلس فَوْرًا وَسن إِحْضَاره وإحضار غُرَمَاء عِنْد بيع ليضبط الثّمن، وَلِأَنَّهُ أطيب لقُلُوبِهِمْ وَأبْعد من التُّهْمَة، وَإِن بَاعه حَاكم من غير حضورهم كلهم جَازَ،
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وَسن بيع كل شَيْء فِي سوقه. وَيجب ترك مَا يَحْتَاجهُ من مسكن وخادم صالحين لمثله إِن لم يَكُونُوا عين مَال الْغُرَمَاء، فَإِن كَانَا لم يتْرك شَيْء وَلَو كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ وَيَشْتَرِي أَو يتْرك لَهُ بدلهما ويبدل أَعلَى بِصَالح لمثله. وَيجب أَيْضا ترك آلَة حِرْفَة لمحترف، فَإِن لم يكن صَاحب حِرْفَة ترك لَهُ مَا يتجر بِهِ لمؤنته وَينْفق عَلَيْهِ وعَلى من تلْزمهُ نَفَقَتهم من مَاله بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ أدنى مَا ينْفق على مثله، وعَلى مَسْكَنه مثله من مأكل ومشرب وَكِسْوَة. ويجهز هُوَ وَمن تلْزمهُ مُؤْنَته غير زَوجته من مَاله مقدما على غَيره وَلَو على دين برهن، وَتقدم فِي الْجَنَائِز. ويكفن فِي ثَلَاث أَثوَاب، وَقدم فِي الرِّعَايَة: فِي ثوب وَاحِد. وَأُجْرَة مُنَاد وَنَحْوه لم يتَبَرَّع من المَال. وَلَا يلْزم الْغُرَمَاء بِبَيَان أَن لَا غَرِيم سواهُم. وَمن لم يقدر على وَفَاء شَيْء من دينه أَو هُوَ أَو دينه مُؤَجل تحرم مُطَالبَته وحبسه وَتقدم بعضه فِي الْفَصْل، وَكَذَا تحرم ملازمته. وَالرَّابِع انْقِطَاع الطّلب عَنهُ فَمن أقْرضهُ أَو بَاعه شَيْئا لم يملك الطّلب حَتَّى يَنْفَكّ حجره. وَلَا يحل دين مُؤَجل بفلس وَلَا بجنون وَلَا بِمَوْت إِن وثق الْوَرَثَة أَو أَجْنَبِي رب الدّين برهن مُحرز أَو كَفِيل ملىء فَإِن تعذر توثق أَو لم يكن وَارِث حل وَلَو ضمنه الإِمَام.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وَإِن ظهر غَرِيم آخر بعد الْقِسْمَة أَي قسْمَة المَال وَدينه حَال رَجَعَ على الْغُرَمَاء بِقسْطِهِ أَي على كل وَاحِد بِقدر حِصَّته وَلم تنقض الْقِسْمَة، وَإِن ظهر وَدينه مُؤَجل لم يحل نصا، وَلم يُوقف لَهُ شَيْء وَلم يرجع على الْغُرَمَاء بِشَيْء إِذا حل دينه.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
فصل. ويحجر على الصَّغِير وعَلى الْمَجْنُون وعَلى السَّفِيه لحظهم، فَلَا يَصح تصرفهم فِي أَمْوَالهم وَلَا فِي ذممهم قبل الْإِذْن وَمن دفع إِلَيْهِم أَو إِلَى أحدهم مَاله بِعقد كإجارة وَبيع أَو لَا بِعقد كوديعة وعارية رَجَعَ الدَّافِع فِيمَا بَقِي من مَاله لبَقَاء ملكه عَلَيْهِ وَلَا يرجع فِي مَا تلف مِنْهُ بِنَفسِهِ كموت حَيَوَان أَو قن أَو بِفعل مَحْجُور عَلَيْهِ كقتله وَهُوَ على ملك صَاحبه غير مَضْمُون لِأَنَّهُ سلطه عَلَيْهِ بِرِضَاهُ وَسَوَاء علم الدَّافِع بِحجر عَلَيْهِ أَو لَا لتَفْرِيطه ويضمنون أَي الْمَحْجُور عَلَيْهِم لحظ أنفسهم جِنَايَة على نفس أَو طرف ويضمنون إِتْلَاف مَا لم يدْفع إِلَيْهِم من المَال لِاسْتِوَاء الْمُكَلف وَغَيره فِيهِ. وَمن أَخذ من أحدهم مَالا ضمنه حَتَّى يَأْخُذهُ وليه لَا إِن أَخذه ليحفظه وَتلف وَلم يفرط، وَمن بلغ من ذكر أَو أُنْثَى أَو خُنْثَى حَال كَونه رشيدا انْفَكَّ الْحجر عَنهُ، أَو بلغ مَجْنُونا ثمَّ عقل ورشد انْفَكَّ الْحجر عَنهُ بِلَا حكم بفكه، وَسَوَاء رشده الْوَلِيّ أَو لَا وَأعْطى مَاله لقَوْله تَعَالَى ١٩ «فَإِن ءانستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم» . وَلَا يعْطى مَاله قبل ذَلِك بِحَال وَلَو صَار شَيخا لِلْآيَةِ.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَيحصل بُلُوغ ذكر بإمناء باحتلام أَو جماع أَو غَيرهمَا كإمناء بِيَدِهِ أَو ب تَمام خمس عشرَة سنة أَو ب نَبَات شعر خشن أَي الَّذِي يسْتَحق أَخذه بالموس لَا زغب ضَعِيف حول قبله، وبلوغ أُنْثَى بذلك أَي بِالَّذِي يحصل بِهِ بُلُوغ الذّكر وتزيد عَلَيْهِ بحيض، وَحملهَا دَلِيل إمنائها لإجراء الْعَادة بِخلق الْوَلَد من مائهما، قَالَ الله تَعَالَى ١٩ «فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق، خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب» . فَيحكم ببلوغها مُنْذُ حملت وَيقدر ذَلِك بِمَا قبل وَضعهَا بِسِتَّة أشهر لِأَنَّهُ الْيَقِين. وبلوغ خُنْثَى بسن أَو نَبَات شعر حول قبليه، فَإِن وجد حول أَحدهمَا فَلَا قَالَه القَاضِي وَابْن عقيل، وإمناء من أحد فرجيه أَو حيض من قبل أَو هما أَي الْمَنِيّ وَالْحيض من مخرج وَاحِد، لِأَنَّهُ إِن كَانَ ذكرا فقد أمنى وَإِن كَانَت أُنْثَى فقد أمنت وحاضت، وَلَا اعْتِبَار بغلظ الصَّوْت وَفرق الْأنف ونهود الثدي وَشعر الْإِبِط. وَلَا يدْفع إِلَيْهِ أَي إِلَى من بلغ رشيدا ظَاهرا مَاله
حَتَّى يختبر وَلَا يختبر إِلَّا من يعرف الْمصلحَة من الْمفْسدَة وتصرفه حَال الإختبار صَحِيح بِمَا يَلِيق بِهِ وَحَتَّى يؤنس أَي يعلم رشده، وَمحله أَي الإختبار قبل بُلُوغ، والرشد هُنَا أَي فِي الْحجر إصْلَاح المَال وصونه عَمَّا لَا فَائِدَة فِيهِ، وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف النَّاس فولد تَاجر يؤنس رشده بِأَن يَبِيع وَيَشْتَرِي ويتكرر ذَلِك مِنْهُ فَلَا يغبن غَالِبا غبنا فَاحِشا، وَولد رَئِيس
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وَصدر كَبِير وَكَاتب الَّذين يصان أمثالهم عَن الْأَسْوَاق بِأَن يدْفع إِلَيْهِ نَفَقَة لينفقها فِي مَصَالِحه، فَإِن صرفهَا فِي مصارفها ومواقعها وَاسْتوْفى على وَكيله فِيمَا وكل فِيهِ وستقصى عَلَيْهِ دلّ ذَلِك على رشده، وَيعْتَبر مَعَ مَا تقدم من إيناس رشده أَن لَا يبْذل مَاله فِي حرَام كقمار وغناء وَشِرَاء الْمُحرمَات وَنَحْوه و، لَا فِي غير فَائِدَة كحرق نفط يَشْتَرِيهِ للتفرج عَلَيْهِ، بِخِلَاف صرفه فِي بَاب بر كصدقة أَو فِي مطعم ومشرب وملبس ومنكح يَلِيق بِهِ فَلَيْسَ بتبذير إِذْ لَا إِسْرَاف فِي الْخَيْر، وَالْأُنْثَى يُفَوض إِلَيْهَا مَا يُفَوض إِلَى ربة الْبَيْت من الْغَزل والاستغزال بِأُجْرَة الْمثل وتوكيلها فِي شِرَاء الْكَتَّان وَنَحْوه وَحفظ الْأَطْعِمَة من الهر والفأر وَغير ذَلِك، فَإِن وجدت ضابطة لما فِي يَدهَا مستوفية من وكيلها فَهِيَ رَشِيدَة. وَمن نوزع فِي رشده فَشهد بِهِ عَدْلَانِ ثَبت رشده، ووليهم أَي ولي صَغِير وَبَالغ مَجْنُون وَمن بلغ سَفِيها وَاسْتمرّ حَال الْحجر الْأَب الْبَالِغ لكَمَال شفقته فَإِن ألحق الْوَلَد بِابْن عشر فَأكْثر وَلم يثبت بُلُوغه فَلَا ولَايَة لَهُ، وَيشْتَرط أَن يكون رشيدا عَاقِلا حرا عدلا ظَاهرا وَلَو كَافِرًا على وَلَده الْكَافِر بِأَن يكون عدلا فِي دينه. ثمَّ بعد الْأَب ووصيه أَي وصّى الْأَب وَلَو بِجعْل وَثمّ مُتَبَرّع. ثمَّ بعد الْأَب وَصِيَّة الْحَاكِم لانْقِطَاع الْولَايَة من جِهَة الْأَب فَتكون للْحَاكِم كولاية النِّكَاح لِأَنَّهُ ولى من لَا ولى لَهُ، فَإِن عدم الْحَاكِم فأمين يقوم مقَامه. وَلَا يتَصَرَّف الْوَلِيّ وجوبا لَهُم أَي الْمَحْجُور عَلَيْهِم إِلَّا بالأحظ لَهُم لقَوْله تَعَالَى: ١٩ «وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن»، وَالسَّفِيه وَالْمَجْنُون فِي مَعْنَاهُ، فَإِن تبرع ولى الصَّغِير
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وَالْمَجْنُون بِصَدقَة أَو هبة أَو حابى أَو زَاد على النَّفَقَة عَلَيْهِمَا أَو على من تلزمهما مُؤْنَته بِالْمَعْرُوفِ ضمن، وتدفع النَّفَقَة إِن أفسدها يَوْمًا بِيَوْم فَإِن أفسدها أطْعمهُ مُعَاينَة وَإِلَّا كَانَ مفرطا. وَإِن أفسد كسوته ستر عَوْرَته فَقَط فِي بَيت إِن لم يكن تحيل على إبقائها عَلَيْهِ وَلَو بتهديد. وَلَا يَصح أَن يَبِيع الْوَلِيّ أَن يَشْتَرِي أَو يرتهن من مَالهمَا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ مَظَنَّة التُّهْمَة، إِلَّا إِذا كَانَ أَبَا فَلهُ ذَلِك، ويلي طرفِي العقد، والتهمة منتفية بَين الْوَالِد وَولده إِذْ من طبيعة الشَّفَقَة عَلَيْهِ. وَيسْتَحب إكرام الْيَتِيم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِ وَدفع النَّقْص والإهانة عَنهُ، فجبر قلبه من أعظم مَصَالِحه، وَإِن أقرّ السَّفِيه بِحَدّ أَو نسب أَو طَلَاق أَو قصاص صَحَّ وَأخذ بِهِ فِي الْحَال، وبمال أَخذ بِهِ بعد فك الْحجر عَنهُ، وَتقدم بعضه، وَحكم تصرف ولي سَفِيه كولي صَغِير وَمَجْنُون، وللولي غير الْحَاكِم وأمينه أَن يَأْكُل من مَال موليه مَعَ الْحَاجة الْأَقَل من أُجْرَة مثله وكفايته، وَلَا يلْزمه عوضه بيساره، وَمَعَ عدم الْحَاجة يَأْكُل مَا فَرْضه لَهُ الْحَاكِم. ولناظر وقف وَلَو لم يَصح أكل بِمَعْرُوف. ولقن غير مَأْذُون لَهُ فِي تِجَارَة أَن يتَصَرَّف من قوته بِمَا لَا يضر كرغيف وبيضة وفلس لجَرَيَان الْعَادة بالمسامحة فِيهِ. ولزوجة وكل متصرف فِي بَيت كأجير وَغُلَام متصرف فِي بَيت سَيّده الصَّدَقَة مِنْهُ بِلَا إِذن صَاحبه بِنَحْوِ ذَلِك إِلَّا أَن يمْنَع رب الْبَيْت مِنْهُ أَو يكون بَخِيلًا فَيحرم فيهمَا الْإِعْطَاء من مَاله بِلَا إِذْنه لِأَن الأَصْل عدم رِضَاهُ إِذا. وَإِن كَانَت الْمَرْأَة مَمْنُوعَة من التَّصَرُّف فِي بَيت زَوجهَا كَالَّتِي يطْعمهَا بِالْفَرْضِ، وَلَا يُمكنهَا من طَعَامه فَهُوَ كَمَا لَو منعهَا بالْقَوْل.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وَمن اشْترى من قن شَيْئا فَوَجَدَهُ معيبا فَقَالَ الْقِنّ: أَنا غير مَأْذُون لي فِي التِّجَارَة لم يقبل قَوْله نصا، وَلَو صدقه سَيّده لِأَنَّهُ يَدعِي فَسَاد العقد والخصم يَدعِي صِحَّته. وَيقبل قَوْله أَي الْمولى بعد فك حجر عَن مَحْجُور عَلَيْهِ لعقله ورشده فِي مَنْفَعَة وضرورة فِي تلف وَفِي غِبْطَة وَهُوَ شِرَاؤُهُ لموليه شَيْئا بِزِيَادَة كَثِيرَة على ثمن مثله، وَفِي قدر نَفَقَته وَلَو على عقار مَحْجُور عَلَيْهِ أَو كسوته أَو كسْوَة زَوجته أَو رَقِيقه وَنَحْوه. وَفِيمَا إِذا ادّعى عَلَيْهِ موليه تَعَديا فِي مَاله أَو مُوجب ضَمَان كتفريط أَو تبرع وَنَحْوهمَا فَالْقَوْل قَول ولي، لِأَنَّهُ أَمِين مَا لم يُخَالِفهُ عَادَة وَعرف فَيرد للقرينة، وَيحلف ولي غير حَاكم. وَلَا يقبل قَول ولي يَجْعَل فِي دفع مَال بعد رشد أَو عقل لِأَنَّهُ قبض المَال لمصلحته أشبه الْمُسْتَعِير إِلَّا من مُتَبَرّع فَيقبل قَوْله فِي دفع المَال إِذا، لِأَنَّهُ قبض المَال لمصْلحَة الْمَحْجُور عَلَيْهِ فَقَط أشبه الْوَدِيع. وَلَا يقبل قَول ولي فِي قدر زمن الْإِنْفَاق بِأَن قَالَ: من انْفَكَّ حجره أنفقت على سنة، فَقَالَ الْوَلِيّ: بل سنتَيْن، إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَن الأَصْل عدم مَا يَدعِيهِ. وَيتَعَلَّق جَمِيع دين قن مَأْذُون لَهُ إِن اسْتَدَانَ فِيمَا أذن فِيهِ أَو غَيره نصا بِذِمَّة سَيّده لِأَنَّهُ غر النَّاس بِإِذْنِهِ لَهُ. وَكَذَا مَا اقترضه بِإِذْنِهِ يتَعَلَّق بِذِمَّة سَيّده بَالغا مَا بلغ لِأَنَّهُ متصرف لسَيِّده وَلِهَذَا لَهُ الْحجر عَلَيْهِ وإمضاء بيع خِيَار وفسخه وَيثبت الْملك لَهُ، وَسَوَاء كَانَ بيد الْمَأْذُون لَهُ أَو لَا. وَيتَعَلَّق دين غَيره أَي غيرالمأذون لَهُ فِي تِجَارَة بِأَن اشْترى فِي
[ ٢ / ٤٤٥ ]
ذمَّته أَو اقْترض بِغَيْر إِذن سَيّده وَتلف مَا اشْتَرَاهُ أَو اقترضه بِيَدِهِ أَو يَد سَيّده بِرَقَبَتِهِ، فيفديه سَيّده بِالْأَقَلِّ من الدّين أَو قِيمَته أَو يَبِيعهُ وَيُعْطِيه، أَو يُسلمهُ لرب الدّين لفساد تصرفه فَأشبه أرش الْجِنَايَة. وَمحل تعلقه بِرَقَبَتِهِ إِن تلف باستدانته وَإِلَّا أَخذه مَالِكه حَيْثُ أمكن. وَأرش جِنَايَة قن وقيم متلفاته يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ أَي الْقِنّ سَوَاء كَانَ مَأْذُونا لَهُ أَو لَا.
[ ٢ / ٤٤٦ ]