وهو أقسام:
الأول: خيار المَجْلِسِ، يَثبتُ في البيع- والصلحُ بمعناه- والإجارة والصَّرْف والسَّلَم دون سائر العقود، ولكلِّ من المتبايعين الخيارُ ما لم يَتفرَّقا عُرْفًا بأبدانهما، وإن نَفَياه أو أَسْقطاه سَقَط، وإن أسقطَهُ أحدُهما بقي خيارُ الآخر، وإذا مضتْ مدتُه لَزم البيعُ
والثاني: أن يشترطاه في العَقْد مُدةً معلومةً ولو طويلةً، وابتداؤُها من العقد، وإذا مضت أو قَطَعاه بَطَلَ، ويَثبتُ في البيع - والصلحُ بمعناه - والإجارةُ في على مدةٍ لا تلي العَقْدَ، وإن شَرَطاه لأحدِهما دون صاحِبه صحَّ، وإلى الغدِ أو الليلِ يَسقطُ بأَوَّلِهِ، ولمن له الخيار الفسخُ، ولو مع غَيْبةِ الآخَر وسخطِه، والْمُلْك مدَّةَ الخيارَيْنِ للمشتري، وله نماؤُه المنفصلُ وكَسْبُه، ويَحْرُم ولا يصحُّ تصرفُ أحدِهما في المبيع وعوضُه المعيَّن فيها بغير إذْنِ الآخَرِ بغير تَجْرِبة المبيع، إلا عَتْق المشتري، وتصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه، ومن مات منهما بَطَلَ خيارُه.
ــ
(*) قال في الاختيارات: ويثبتُ خيارُ المجلس في البيع، ويثبتُ في كل العقود، ولو طالت المدةُ، فإن أَطْلَقا الخيارَ ولم يوقِّتاه لمدةٍ تَوَجَّه أن يَثْبُتَ ثلاثًا لخبر حَبَّان بن مُنْقِذ (١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، باب الحجر على من من كتاب الأحكام ٢/ ٧٨٩، والبيهقي، في باب: الدليل على أن لا في البيع أكثر من ثلاثة أيام، من كتاب البيوع، السنن الكبرى ٥/ ٢٧٣، ٢٧٤.
[ ١٦١ ]
الثالث: إذا غُبِنَ في المبيع غَبْنًا يَخْرُج عن العادةِ (*)، بزيادة الناجِشِ (١) والمُسْترِسل (٢).
الرابع: خيارُ التَّدْليس، كتَسْويةِ (٣) شعرِ الجاريةِ وتَجْعيدهٍ، وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها.
الخامس: خيارُ العيبِ، وهو ما يُنْقِصُ قيمةَ المبيعِ كَمَرَضِه، وفَقْدِ عُضْوٍ أو سِنٍّ أو زيادتهما، وَزِنَى الرَّقيقِ وسرقتِه وإباقِه وبولِه في الفراش، فإذا عَلِمَ المشتري العيبَ ما بين قيمةِ الصِّحةِ والعيبِ، أو رَدَّه وأَخَذَ الثَّمَنَ، وإن تَلِفَ المبيعُ أو أعتق العبد وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كَسْرِه كجَوْزِ هنْدٍ وبيضِ نَعَام فَكَسَره
ــ
(*) قال في الإفصاح: واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته، ثم اختلفوا إذا كان الغبن فيه بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، فقال مالك وأحمد: يثبت الفسخ، وقدره مالك بالثلث، ولم يقدره أحمد، بل قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابه: حده الثلث كما قال مالك وقال غيره، ومنهم من حدَّه بالسدس، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يثبت الفسخ بحال، وعلى هذا فهو محمول على بيع المالك البصير.
_________________
(١) هو الذي لا يريد شراءً ولو بلا مواطأة البائع وعِلْمه، قال البخاريُّ: الناجش آكلُ ربًا يُغْنِ وانظر المغني لابن قدامة ٦/ ٣٠٤.
(٢) هو الجاهل بقيمة السلعة ولا يُحسن المبايعة والمماكسَة.
(٣) وفي نسخة (كتسويد).
[ ١٦٢ ]
فَوَجَدَهُ فاسدًا فأمسكه فله أَرْشُه (*)، وإن ردَّه ردَّ أرشَ كَسْرِه، وإن كان كبيضِ دجاجٍ رَجَع بكلِّ الثمنِ، وخيارُ عيبٍ متراخٍ ما لم يوجدْ دليلُ الرِّضَى، ولا يفتقرُ إلى حكمٍ ولا رضًا، ولا حضورِ وإن اختلفا عند مَنْ حَدَثَ وإن لم يحتمل إلا قول أحدِهِما قُبِلَ بلا يمين.
السادس: خيارٌ في البيع بتخييرِ الثمنِ متى بان، أقل أو أكثر، ويَثبتُ في التَّولِيةِ (١) والشركةِ والمُرابحةِ (٢) والمُواضعةِ (٣)، ولابد في جميعها من معرفة المُشْترِي رأسَ المالِ، وإن اشترى بثمنٍ مؤجَّلٍ، أو أو بأكثر من ثمنه حيلةً أو باع بعضَ الصَّفْقةِ بقِسْطِها من الثمنِ ولم يُبَيِّنْ ذلك في تخييره بالثمن، فلمشترٍ الخيارُ بين الإمساكِ والرَّدِّ، وما يُزاد في ثمنٍ، أو يُحَطُّ منه في مدة خِيارهِ، أو يُؤخذُ أَرْشًا لعيبٍ، أو جنايةٍ عليه، يَلْحَقُ برأس ماله، ويُخْبَرُ به وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يُلْحَقْ به، وإن أُخْبِر بالحال فَحَسَنٌ.
ــ
(*) قوله: (أَمْسَكَهُ بأَرْشِه)، وعنه ليس له أَرْشٌ إلا إذا تعذر ردُّه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: وكذلك يقال في نظائره كالصفقة إذا تفرَّقتْ، قال في الإنصاف: واختار شيخُنا في حواشي الفروع أنه إن دلَّس العيب خُيِّر بين الردِّ والإمساكِ بلا أَرْش
_________________
(١) وهي بيعٌ برأس المال.
(٢) وهي بيع بثمنه وربح معلوم.
(٣) وهي بيع برأس ماله وخسران معلوم.
[ ١٦٣ ]
السابع: خيارٌ لاختلافِ المتبايعَيْن، فإذا اختلفا في قَدْر الثمن تَحَالَفَا (*)، فيحلِفُ البائعُ أولًا ما بعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ المُشتري ما اشتريتُه بكذا وإنما اشتريتُه بكذا، ولِكُلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقول
ــ
(*) قوله: (تحالفا) لحديث ابن عباس مرفوعًا: (البيِّنةُ على المدَّعِي واليمينُ على من أَنكر)، وكلّ منهم مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، وعنه يُقبل قولُ بائعٍ مع يمينه لحديث ابن مسعود مرفوعًا: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيِّنةٌ فالقولُ ما يقول ربُّ السِّلْعةِ أو يتتاركان) (١)، رواه الخمسة وصححه الحاكم.
وقوله: (يتتاركان) أي يتفاسخان قال أبو داود (٢): باب إذا اختلفَ المتبايعان والمبيعُ قائمٌ، وساق الحديثَ عن محمد بن الأشعث من دقيقِ الخُمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسلَ عبدُ الله إليه في ثَمنِهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبدالله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا اختلف البيِّعانِ وليس بينهما بينةٌ فهو ما يقول ربُّ السلْعة أو يتتاركان) (٢).
وقال الترمذي: قال ابنُ منصور: قلت لأحمد: إذا اختلف البيِّعانِ ولم تكن بينةٌ، قال: القولُ ما قال ربُّ السلعةِ أو يترادَّان، قال إسحق كما قال، وكلُ من قال: القولُ قولُه فعليه اليمين. وقد رُوي نَحْوُ هذا عن بعض التابعين، منهم شُرَيحٌ ا. هـ.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، باب: البيّعان يختلفان، من كتاب التجارات ٢/ ٧٣٧، وأخرجه أبوداود، باب: إذا اختلف البيعان والمبيع قائم، من كتاب البيوع سنن أبي داود ٢/ ٢٥٥، والدارمي، في باب إذا اختلف المتبايعان، من كتاب البيوع، سنن الدارمي ٢/ ٢٥٠، والإمام مالك في: باب بيع الخيار، من كتاب البيوع، الموطأ ٢/ ٦٧١، والإمام أحمد في المسند ١/ ٤٦٦.
(٢) في سننه ٢/ ٢٥٥.
[ ١٦٤ ]
الآخَر، فإن كانت السلعةُ تالفةً رجعا إلى قيمةِ مثلِها، فإن اختلفا في صِفَتِها فقولُ مُشْترٍ، وإذا فُسِخَ العقدُ انفسخ ظاهرًا وباطنًا، وإن اختلفا في أَجَلٍ أو شَرْطٍ فقولُ مَنْ يَنْفيه، وإن اختلفا في عَيْنِ وإن أَبَى كل منهما تَسْليمَ ما بيده حتى يقبضَ العِوَضَ -والثَّمَنُ عَيْنٌ - نُصِّبَ عَدْلٌ يَقبِضُ منهما ويسلّمُ المَبيعَ ثم الثَّمنَ، وإن كان دَيْنًا حالًا أُجْبر بائعٌ ثم مُشْترٍ وإن كان غائبًا في البلد حُجِر عليه في المَبيع وبقية وإن كان غائبًا بعيدًا عنها، أو المشتري مُعْسِرًا (*) في الصفةِ وتَغَيُّرِ ما تَقَدَّمتْ رؤيتُه.