فإنّها تتحدث عن مقاييس الأرطال، واختلافها، وتعديلها بالدَّراهم. وقد قارن فيها المؤلِّفُ بين الأرطَال العراقية وغيرها من أرطال البلدان الآفاقية؛ كالدمشقي، والمصري، والليثي، والاسكندري، والبعلبكي، والطبراني، والقدسي، والنابلسي، والحمصي، والحلبي، والبيروتي، والحَمَوي، والبَصْري، والمكي، والمدني، وغيرِها.
فحَفِظَت لنا هذه الرسالةُ -على صغرها- مَعلُومَاتٍ هامةً في الفرق بين هذه الأرطال في الوزن، والتي قلَّما نجدها في الكُتب المطبوعة والمتداولة بين أيدينا.
إضافةً لتعديل هذه الأرطال وحساب كيفية تحويل المقاييس إليها؛ بالمقاييس الأخرى الشرعية؛ كالصَّاع، والقلتين ونحو ذلك.
كما أنها تبين لنا طريقةَ علماء القرن العاشر في بعض المسائل الحسابية، والجبرية ذات المجهولين.
والرَّطل يُستخدم كوحدةِ كَيْلٍ في الغالب، وقد يُستخدَمُ كوحدةِ وَزْنٍ في أحايين مُعيّنة (^١).
_________________
(١) قال أبو العباس العزفي السبتي (٦٣٣ هـ) في كتابه [إثبات ما ليس منه بُد ص ١٤٢]: (الرّطل اسم مذكر يقال بالفتح في الراء والكسر، وهو اسم لمقدار من الموزونات تقديره بالعرف لا بالوضع، وهو أيضا اسم لما يعايره به الموزونات من حديد أو نحاس أو رصاص أو حجر، وقد يكون اسمًا لما يكال به مثل المد والصاع). وقال الأزهري في [المزهر]: (ويكون كيلًا ووزنًا).
[ ٦ ]
ولكنه في إطلاقات الفقهاء المتأخرين، واستخدامات عامة الناس يعدُّ أحد أنواع المكاييل المعروفة في العصور السابقة (^١) والتي يُكَالُ به السوائل وغيرها (^٢).
ويختلف قدر (الرطل) وحجمه بحسب اصطلاح أهل الأقاليم؛ كما ذكر ذلك الجرجاني في (التعريفات) (^٣)، قال الشيخ أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (وقد اصطلح أهل كل أقليم على أرطال تتفاضلُ في الزيادة والنقصان .. وفي المحلات أرطال مختلفة والتعامل بها في الأسواق، ولم أسمع أن بلدةً وافق رطلُها الأخرى إلا نادرًا) (^٤).
وقال الشيرازي: (وقد اصطلح أهل كل إقليم وبلد في المعاملة على أرطال تتفاضل في الزيادة والنقصان سيما أهل الشام خاصة) (^٥).
_________________
(١) ذكر ابن مفلح في [الفروع ٤/ ٧٧] أن المكاييل نُقل تقديرها إلى الوزن ليُحفظ ويُنقل.
(٢) يذكر د. سامح فهمي في كتابه (المكاييل في صدر الإسلام ص ٤٦) أن الرطل مكيال للسوائل فحسب؛ استدلالًا بقول الشاعر: لها رطل تكيل الزيت فيه … وفلاح يسوق بها حمارا لكن هذا الاستدلال لا يرقى لتخصيص هذا المكيال بالسوائل فقط، فقد جاء الكثير من النصوص التراثية بقياس اللحم والخبز وغيرها بالرّطل، فدلَّ على أن الرطل مكيال ليس خاصًا بالسوائل فقط.
(٣) التعريفات للجرجاني ص ٢٤٠.
(٤) الرتبة في طلب الحسبة، للماوردي ص ١٦٨، ١٧٣.
(٥) نهاية الرتبة ص ١٥.
[ ٧ ]
وقال ابن الإخوة (ت ٧٢٩ هـ): (الرطل فيه اختلاف كثير في الأمصار والبلدان … ولم أسمع أن بلدًا وافق رطلها لبلدة أخرى إلا نادرًا، أو قرية لقرية لا يؤبه لها) (^١).
وقال ابن الهُمام (ت ٨٦١ هـ): (الرطل والأوقية مختلف فيها عرف الأمصار ويختلف في المصر الواحد أمر المبيعات) (^٢).
بل إنه ذُكرَ أنَّ أهلَ البلد الواحد يتعاملون بأكثر من رطل؛ فللَّحمِ، وللخُبز رطلٌ غيره، وتختلف عن رطل باقي الحوائج وهكذا (^٣).
حتى قال ابن دريد اللغوي المعروف (ت ٣٢١ هـ): (الرطل كَيلٌ لا أقفُ على مقداره) (^٤).
وهذا الاختلاف في المكاييل (ومثله الاختلاف في الموازين المتداولة) يُوقِع في الكثيرِ من الاستشكال والحَرَج؛ لذا همَّ عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) أن يُوحِّد المكاييل والأوزان فجاء عنه أنه كتب إلى عُمَّاله: (نرى أنَّ تمام مكيال الأرض وميزانها أن يكون واحدًا في جميع الأرض كُلِّها) (^٥).
_________________
(١) معالم القربة، لابن الإخوة ص ٨٢.
(٢) فتح القدير ٧/ ١٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) إثبات ما ليس منه بد ص ١٣٥.
(٥) رواه ابن عبد الحكم في (سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه مالكٌ وأصحابه ص ٨٧).
[ ٨ ]
وهذا الأمر وإن لم يتم في ذلك الزمان سياسةً (وتمَّ بعد ذلك بقرون)، إلا أن علماء المسلمين لم يغفلوا هذا الجانب حقَّه مِن البحث والنظر، ولم يقتصر ذلك على مَن كتب في الحساب والجبر فقط، بل وتعداهم إلى فقهاء الشريعة وعلمائها فعُنوا بالفروق بين الأرطال ومقاييسها؛ فنرى العديدَ منهم يتحدث عن هذا الموضوع في الكتب الفقهية، أو كتب السياسة الشرعية، أو في كتب الكُتَّاب وأصحاب الخراج، بل وفي الرحلات أيضًا؛ فيذكر الأستاذ أحمد فارس الشدياق عندما زار بريطانيا سنة ١٨٤٨ م مقدار الرطل الإنجليزي وأنه يعادل نحو ١٥٠ درهمًا (^١)، وهذا منه استنانًا بالأوائل فكتاب المقدسي حفظ لنا الكثير من هذه المقاييس حتى عُدَّ مرجعًا مهمًا لكثيرٍ ممن كتب في هذا الموضوع.
_________________
(١) كشف المخبا عن تمدن أوربا، أحمد فارس الشدياق ص ٩١.
[ ٩ ]
وقد عُني الفقهاء المسلمين بتحديد مقادير وحدات الكيل والأوزان تحديدًا بينًا واضحًا خشية من الوقوع في الإثم والتطفيف، وأُوكل ذلك إلى المحتسبين؛ وجعل من وظائفهم.
وأمّا عنايتهم بتقدير حجم الرطل بالخصوص؛ فلأن الفقهاء اعتمدوه، وجعلوه معيارًا للكيل، قال أبو محمد ابن القطان (ت بعد ٦٤٧ هـ): (إنما نظرنا في معنى الرطل من حيث الأخذ في تفهم المد المذكور، لا لأنه واقع في لفظ النبي × في هذا الباب ولا في غيره) (^١).
وما هذه الرسالة إلا واحدةٌ من جهود العلماء في هذا الباب.
_________________
(١) نقله عنه: الخزاعي في (تخريج الدلالات السمعية ص ٦١٥).
[ ١٠ ]