إذا باع مَكيلًا بموزونٍ نسيئةً جاز (^٣).
وأمّا العَجْوَة (^٤) فإن كان قَبلَ أن جُبلَت (^٥) وقبل اختلاطِ بَعضِها
_________________
(١) (جُبل) أي عُجن.
(٢) أي عُجن التمر بالأرجل، فيكون التمرُ كالعجين، وهو الذي يُسمّى عندنا بـ (العَبيط)، ويُسمّيه البعضُ حاليًا في الأسواق بـ (معجون التمر). وهذا النوع لا يتصّور كَيلُهُ، وإنما وزنه فقط.
(٣) ينظر: كشاف القناع ٨/ ١٠.
(٤) جاء في كتاب «العامي الفصيح» من إصدارات مجمع اللغة بالقاهرة ما نصّه: (العَجْوَة: ضربٌ من أجود التمر بالمدينة. والعوام يعرِّفُون العجوة بأنها ما يُخْلَطُ من التمر بعضُه ببعضٍ ويُرْكَم). والثاني هو مرادُ المصنّف، فإنّه يقصد بالعجوة إذا خُلط التمر قبل عجنه، فاستخدام المؤلف إنما هو للاستعمال العامي للفظة لا الفصيح. وأمّا في وقتنا الآن فمِن الناسِ مَن لا يُسمّي التمرَ «عَجوةً» إلا بعد عجنه، لذا يُكتب على التمر المعجون (عجوة). فلينتبه لهذا الاختلاف في الاستعمال للفظة.
(٥) الأسلوب الذي عبّر به المصنف مِن الأساليب غير المشهورة، حيث أدخل (أنْ) المصدرية على الفعل الماضي المتصرِّف. وهي لغة أجازها بعضُ النحويين، قال الزواوي في (نظم قواعد الإعراب): (أنْ) حَرفُ مَصْدَرٍ مُضَارِعًا نَصَب … وَالقَوْلُ فِي لُقِيَّهِ المَاضِي اضْطَرَب و(أنْ) هنا يصحُّ تأويلها بالمصدر، فتكون الجملة: (قبل جبلها)؛ بدليل أنه عطف عليها بمصدر وهو قوله: (قبل اختلاط).
[ ٥٣ ]
ببعضٍ والحَملِ عليها بالأرجُلِ، فهو جَائزٌ فيهما؛ إذ ذاك تمرٌ مكيلٌ (^١)، واللحمُ مَوزُونٌ، فجاز بيعُه نسيئةً.
وأمَا بَعْدَ جَبْلِهَا لمْ تَبْقَ تُكَالُ، وَلا تُسَمَّى مَكيْلًا، ولو كان أصلُها مَكيلًا، وإنما تُوزَن.
فإذا صَارت تُوزَن لم يَجُزْ أحدُهما بالآخر نَسيئةً؛ لأنه بيعُ موزونٍ بموزونٍ نَسيئَةً.
وإذا ظَهَرَ الحَقُّ وَجَبَ اتبَاعُه (^٢).
ولعلّ فتيا شيخنا الشويكي (^٣)، وأحمد بن يحيى (^٤)، في ذلك محمولان على ذلك (^٥).
_________________
(١) لأن التمر لم يخرج عن كونه تمرًا مكيلًا وإن اختلط أنواعُهُ، ولم يصبح نوعًا واحدًا فقط.
(٢) فالمصنفُ حمله على اختلاف الحال، وحقيقة رأيه ترجيح قول ابن عطوة على قول الشويكي رحمهما الله تعالى.
(٣) الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد الشُّويكي الحنبلي (٨٧٥ - ٩٣٩ هـ).
(٤) هو: الشيخ العلامة أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التميمي الحنبلي، توفي سنة ٩٤٨ هـ ودفن بالجبيلة. ينظر: عنوان المجد لابن بشر ص ١٠.
(٥) أي يحمل اختلاف الشيخين على اختلاف الحال. فمَنع الشويكي من وزن العَجوة إنما هو قبل جَبله وعجنه، فيبقى مكيلًا، وعليه فلا ربا في بيعه باللحم. وأمّا ابن عطوة فإنه يصحح الوزن في العجوز محلّه بعد العجن والجبل، فيصبح التمر حينئذٍ موزونًا، فيجري فيه الربا مع اللحم.
[ ٥٤ ]
فتُحملُ فَتوَى الشويكي (^١) في العَجوة قَبلَ جَبْلِها، وفُتيَا ابنِ يحيى (^٢) (^٣) بعد جَبْلِها.
_________________
(١) قال الشيخ عثمان ابن بشر في (عنوان المجد ص ١٠): (وقع بين ابن عطوة وبين الشويكي منافرة ومشاجرة وصنّف ابن عطوة مصنفًا ردًا عليه في فتياه بأن التمر المعجون إذا عُجن لا يخرجه عن علّة الكيل. وكذلك وقع بينه وبين عبد الله بن رحمة شيء من ذلك، فردّ عليه الشيخ ابن عطوة .. وسجّل على ردّه في ذلك القاضي بن القاضي علي بن زيد قاضي أجود بن زامل صاحب الأحساء، والقاضي عبد القادر بن يزيد المشرفي، والقاضي منصور بن مصبح الباهلي، وعبد الرحمن بن مصبح الباهلي، وعبد الرحمن بن مصبح، والقاضي أحمد بن فيروز بن بسام، وسلطان بن ريس بن مغامس، وكُل هولاء في زمن أجود بن زامل العامري العقيلي ملك الأحساء). وقد أشار الشيخ عبد الله ابن بسام في (علماء نجد ١/ ٤٤٩) في ترجمة ابن عطوة، لهذه الفتوى فقال: (وقد جرى بين المترجم وبين زميله الشيخ أحمد الشويكي النابلسي -وهو قرينه على شيخهما: أحمد العسكري- مناظرة، كما وقع بينه وبين الشيخ عبد الله بن رحمة الناصري مثلها، وذلك في التمر المعجون، هل يبقى على معياره الأصلي مكيلًا أو يصير معياره الوزن؟ فنصر المُترجَم القول الثاني، وعارضاه في ذلك، واشتدّت المناظرة بينه وبينهما، فصنف ردًا عليهما في ذلك).
(٢) نصّ كلام الشيخ أحمد بن يحيى ابن عطوة هو: (فإن قيل: يلزم على قولكم جواز بيع التمر المعجون بالبرّ ونحوه من المكيلات نسأً؛ لاختلاف العلة. قلتُ: هو يقتضي القياس في الظاهر. والتحقيق: منعُ القياس؛ لعدم اتحاد العلتين؛ إذ العلة التي يحرم معها بيع الجنسين بعضها ببعض هي العلة الأصلية، لا العلة الحادثة. ولأنّه مما يسدّ الذريعة إلى الربا، فإن بيع التمر المكيل بالمكيلات نسأً محرّم بالاتفاق، فيمكن من أراد ذلك إخراج التمر عن صفته بالعجن، حتى يتوصّل بذلك إلى غير محله، وإلى قصده الفاسد من الربا؛ ولأن الشيء لا يُباع بما كان مشاركًا في أصله نسأً). ينظر: الفواكه العديدة ١/ ٢٥٠، ملخص الفواكه العديدة ١/ ١٥٨. وهناك بعض العبارات صوَّبتُها مِن الملخص.
(٣) وكذا الشيخ الشهاب أحمد العُسكري الحنبلي (ت ٩١٠ هـ) وافقَ تلميذه الشيخ ابن عطوة. ففي أسئلة سأله إياها أحمد بن يحيى بن عطوة (ل ٦)، قال العُسكري: (يلزم من كون التمر معجونًا الربا؛ لاتحاد علّة الثمن والمثمن وهو الوزن، وانتقال التمر عن الكيل بعجنه لعلّه مما لا خلاف فيه عند أحدٍ من العلماء، بل ولا أحدٍ من العقلاء).
[ ٥٥ ]
فتكون فُتيا كُلٍّ منهما صَحيحةً.
فهذا ما ظهر والله أعلم.
كتبه موسى الحجاوي.
[ ٥٦ ]
(٣)