للشيخ الفقيه موسى بن سالم الحجَّاوي الحنبلي
(ت ٩٦٨ هـ)
اعتنى بتحقيقها والتعليق عليها:
أ. د. عبد السلام بن محمد الشويعر
[ ٢٩ ]
بسم الله الرَّحمَن الرَّحيم
الحمد لله رب العَالمين. وَصلى الله على سيدنا محمد وَآله وَصحبه أجمعين .. وَبعد.
فهذه قاعدة نافعة (^١) -إن شاء الله تعالى- تَنفعُ المُبتَدِي، وَتُعِينُ المُنتَهِي في مَعرفَةِ الأرطَال العِرَاقيَّة (^٢) بالأوزان الدَّمشقية، وَغيرِها من
_________________
(١) لخّص المؤلِّفُ هذه المباحث في قاعدة ذكرها في (حواشي التنقيح ص ٧٨) فقال: (قاعدة تعرف منها الأوزان العراقية بالرطل المصري والدمشقي والقدسي والحلبي والبعلي. فإن زدتَ على الأوزان العراقية في القلتين وغيرهما مثلها خمس المرات ومثل ربعها ثم أخذت سُبع المجتمع فهو المصري. وإن زدتَ مثل ثمنها ثم أخذت سُبع المجتمع فهو القدسي. وإن زدتَ مثل ربعها ثم أخذتَ سُبع المجتمع فهو الحلبي. وإن أخذتَ سُبع العراقي من غير زيادة فهو البعلي).
(٢) خُصّ التقديرُ بالأرطال العراقيّة؛ لأن المصنفين الأوائل من الحنابلة كانوا يقدّرون الكيل بها؛ وجُلّهم من حنابلة العراق؛ فمِنهم على سبيل المثال: أبو علي ابن أبي موسى (ت ٤٢٨ هـ) في (الإرشاد ص ٢١)، وأبو الخطاب الكلوذاني (ت ٥١٠ هـ) في (الهداية ١/ ١١)، والسامري (ت ٦١٦ هـ) في (المستوعب ١/ ١٠)، والبعقوبي (٦١٧ هـ)، وابن تميم (ت ٦٧٥ هـ) في (مختصره ١/ ٣٦)، وأبو طالب البصري (ت ٦٨٤ هـ) في (الحاوي الصغير ص ٢٠)، و(الحاوي الكبير ١/ ٧٧، ١٤٢)، وابن حمدان (ت ٦٩٥ هـ) في (الرعاية الصغرى ١/ ٣٢٨)، والدجيلي (ت ٧٣٢ هـ) في (الوجيز ١/ ١١٣). وتبعهم الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في كُتبه (الكافي ١/ ١٧)، و(المغني)، و(المقنع). وأمّا في (العمدة) فإنه قدّرها بالدمشقي. وهذا ما سار عليه مؤلفو الحنابلة الدماشقة؛ مثل: يوسف ابن عبد الهادي (ت ٩٠٩ هـ) في (الدر النقي ١/ ٥٠)، وابن النجار في (المنتهى ١/ ٢١)، وابن بلبان (ت ١٠٨٣ هـ) في (أخصر المختصرات ١/ ٤٥ مع كشف المخدرات). بينما مؤلفو الحنابلة المصريون اعتمدوا تقدير القلتين بالرطل المصري؛ مثل البهوتي (ت ١٠٥٩ هـ) في (عمدة الفقه ص ١١)، وابن قايد النجدي ثم المصري في (هداية الراغب ١/ ٢٠). وأمّا البعليون من الحنابلة فإنهم ذكروا الثلاثة السابقة معًا، وأضافوا لها تقديرها بالرطل البعلي؛ كمحمد ابن بلبان البعلي (ت ١٠٨٣ هـ) في (كافي المبتدي ص)، وأحمد البعلي (ت ١٠٨٣ هـ) في (الروض الندي ١/ ٢٧). وأمّا الحرانيون فذكروها بالرطل الحراني، كابن تميم في (مختصره ٣/ ٢٤٨).
[ ٣١ ]
البُلدَانِ الآفَاقِيَّة.
وَمعرفَةُ ذلك يَتَوقَّفُ على مَعرفة زِنَةِ (الرّطل العراقي) بالدِّرهَم الوَزني (^١)؛ لأن الدِّرهمَ الوَزْنيَّ لم يختلف في جاهلية وَلا إسلام (^٢)، فلذلك جُعل الضَّبطُ بِه في المَكَاييل العِرَاقيَّة؛ لأن أصلَها الكيل، وَإنما نقلوا ذلك إلى الوَزنِ ليُحفَظ؛ لأن المكاييلَ تتغيَّر كَثيرًا، وَالوَزنُ لا
_________________
(١) «الدرهم الوزني» ويُسمّى بدرهم الكيل، وهو الدرهم الذي ضربه عبد الملك بن مروان.
(٢) قال وهب بن كيسان: (رأيتُ الدنانير والدراهم قبل أن ينقشها عبد الملك ممسوحة. وهى وزن الدنانير التي ضربها عبد الملك). ويُنظر: فتوح البلدان للبلاذري ص ٤٧٢، الخراج والنظم المالية د. محمد ضياء الريس ص ٣٤٣. وذكر ابن ظهيرة في (كفاية المحتاج ص ٣٢١) أنّ ذلك يُسمّى درهم الكيل؛ لأن الدرهم الشرعي يتركب منه، ومقداره خمسون حبّة وخُمسا حبّة.
[ ٣٢ ]
يَتغير؛ كما تقدَّم (^١).
وَالأوزَانُ المذكورةُ في كُتُبِ الفقه (^٢)، وَغيرها في القُلتين وَغيرهما مِن قَدرِ المَاء الّذي يُتَوَضَّأُ به وَيُغتَسَل (^٣)، وَنِصَاب الزكاة من الحُبوب، وَالثمار (^٤)، وَالعسل (^٥)، والكفارات، وَالفطرة (^٦)،
_________________
(١) الفقهاء قدروا المكاييل بالوزن؛ بسبب عدم وجود مقياسٍ متفق عليه للمساحة عند الأوائل إذ كثيرًا ما تتغير أحجام المكاييل؛ قال الحجاوي (مؤلف هذه الرسالة) في كتابه (حواشي تنقيح ص ١٢٧): (والوسق والصاع والمد مكاييل نقلت إلى الوزن لأنها لا تعقل). وهذه المسألة -وهي تقدير المكاييل بالوزن- كان وما زالت محلّ إشكال عند كثير من الفقهاء حتى قال ابن الفخَّار القُرطبي المالكي (ت ٤١٩ هـ) معترضًا على مَن فعل ذلك: (المكيل لا يُعرَف بالوزن، والوزن لا يُعرَف بالمكيل، وما كان أصلُه الوزن فالكيل فيه مجهول) [التبصرة في نقد الرسالة لابن الفخار ص ١٠٨].
(٢) ذكر الشيخ تقي الدين أن عادة النبي × أنه يُقدّر المقدرات بأوعيتها؛ كالصاع، والوسق، والقلال، ونحوها [الفتاوى الكبرى ١/ ٢١٦].
(٣) يحتاج إلى معرفة الكيل في أبواب الطهارة لتقدير الماء الذي لا يحمل الخبث وهو ما زاد على قلتين. ولمعرفة المقدار الذي يستحب الوضوء به وهو مدٌّ، أو يغتسل به وهو الصاع.
(٤) والمقدار الذي ورد النصُّ به في زكاة الحبوب هو (الوسق).
(٥) وهذا فرع على خلاف اختلاف الفقهاء في زكاة العسل. والمشهور من مذهب الحنابلة وجوب الزكاة فيه وأن نصابَه عشرة أَفْرَاقٍ، كل فَرَق ستون رطلًا. [مسائل الكوسج ١/ ٢٧٥، الشرح الكبير والإنصاف ٦/ ٥٦٧].
(٦) وتقدر الكفارات وزكاة الخارج من الأرض، وزكاة الفطر بوحدة الصاع أو نصفه، أو بالمُد وضعفه. على حسب نوع الكفارة، مع مراعاة خلاف العلماء في ذلك، ونوع الطعام المُخرَج.
[ ٣٣ ]
وَغير ذلك (^١) إنما هو بالعِرَاقي (^٢) فاحتَاجَ أهلُ كُلِّ بَلَدٍ مَعرفةَ هذه الأوزان.
فإن كان رطلُهم مُوافقًَا لها؛ أي بقدر أوزانها؛ كبغداد اكتفوا بذكرها. وإن كان رطلُهم مخالفًا؛ كأكثر البلدان فإنهم محتاجون إلى
_________________
(١) كتقدير الخراج، ومقدار الجزية على أهل الذمّة ومَن في حكمهم. وكتقدير المهر، فقد قال إسحاق الحربي: (السنة الزواج على رطل).
(٢) ذكر الحجَّاوي هنا أن الرطل المذكور في كتب الفقهاء إنما هو الرطل العراقي. وهو كذلك فإن التقدير بالرطل العراقي هو الغالب عند الفقهاء حتى قال المحب الطبري: (إنه الرطل الشرعي) [كفاية الأخيار ١/ ٣٨٢]. لكن ذكر ابن مفلح في (المبدع ٣/ ٣٨١) أن الرطل العراقي لم يكن في مَنصوصِ أحمد، وإنما كان المكيِّ. ومِن النصوص عن الإمام أحمد في تقدير الرطل، ما روى الأثرم قال: سُئل أبو عبد الله: إذا أخذ ثلاثة عشر رطلًا وثلثًا دقيقًا، فخبزه وقسم الخبز على عشرة مساكين؟، فقال: (أعجب إليّ ما جاء به الخبز مُدُّ بر، وهذا أرجو أن يجزئه) [الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى ٢/ ١٨٨]. وفي (مسائل عبد الله ص ١٧٠) قلتُ: الصاع كم رطل هو؟، فقال: (قدرناه خمسة أرطال وثلث حنطة). وقال الإمام أحمد أيضًا: (المد رطل وثلث) [مسائل عبد الله ص ١٨٦، مسائل حرب ١٨٨ مخطوط]. وقال عبد الله [مسائله ٣٨٩]: سألت أبي: عن رجل أوصى أن تكفر عنه أيمان كيف يتصدق بها؟ قال: (أقل الأيمان ثلاثة أيمان، يُعطَى لكلِّ مسكين اقله مُدُّ برٍّ؛ هو رطل وثلث دقيق، أو ثلاثة أرطال إلا ثلث تمرًا لكل مسكين). وفي (مسائل ابنه صالح ١٨٩): قلتُ: الصاع كم رطلًا؟ قال: (قدرناه فهو خمسة أرطال وثلث حنطة أو تمر).
[ ٣٤ ]
معرفته برطلهم وَأوزانهم؛ لأنه أعرفُ عندهم.
فجُعل لذلك ضوابطُ وَقواعد كلُّها راجعة إلى الحِسَاب، وَلا بُدَّ لمَن رَامَ ذلك مِن معرفة قدر رطلي البَلَدَين؛ العراقي كما تقدم، وَالآخر رطل البلد المطلوب مَعرفةُ العِرَاقيِّ به (^١).