وَهي ما يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أو حَرَمٍ، وله تَقْدِيمُها على فِعْل المَحْظُورِ لِعُذْرٍ بَعْدَ وجودِ السَّبَبِ المُبِيحِ، وهي على ثلاثةِ أضْرُبٍ:
أحَدُها: على التَّخْييرِ، وهو نَوْعانِ:
أَحَدُهما: يُخَيَّرُ فيه بَيْنَ صيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَو ذَبْحِ شَاةٍ، أو إطْعَامِ سِتَّةِ مَساكينَ لِكُلِّ مِسْكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاع تَمْرٍ أو زبيبٍ أو شَعيرٍ، وهي فديةُ حَلْقٍ وتَقْلِيمٍ، وَتَغْطيةِ الرَّأْسِ، واللُّبْسِ والطيبِ، سواءٌ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أو غيرِهِ، وَيَأْثَمُ بفعلِهِ بلا عُذْرٍ.
الثَّاني: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فيه بين مِثْلِهِ أو تقويمِهِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ، وَقُرْبِهِ بِدَراهِمَ يَشْتَرِي بها طَعَامًا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فَيُطعِمُ كُلَّ مِسْكينٍ مُدَّ بُرٍّ أو نِصْفَ صَاعٍ من غيرِهِ، أو يصُومُ عن طعامِ كُلِّ مسكينٍ يَوْمًا، وإن بَقِيَ ما لا يَبْلُغ يومًا صَامَ يَوْمًا، ولا يَجِبُ التّتابُعُ في هذا الصَّوْمِ، ولا يجوزُ أن يَصُومَ عن بَعْضِ الجزاءِ أو يُطْعِمَ عن بَعْضِهِ، وإن كان مِمَّا لا مِثْلَ لَهُ خُيِّرَ في قيمَتِهِ بَيْنَ أن يشتَرِيَ بها طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ للمساكين، وَبَيْنَ أن يَصُوم عن طَعام كُلِّ مسكينٍ يومًا.
[ ٢٥٥ ]
الضرْبُ الثَّاني: على التَّرْتيبِ، وهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ:
أحدُها: دَمُ مُتْعَةٍ وقرانٍ فَيَجِبُ الهَدْيُ، فإن عَدِمَهُ موضعَهُ، أو وَجدَهُ ولا ثَمنَ معه إلَّا في بلدِهِ، فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في الحَجِّ، والأَفْضَلُ أن يكونَ آخرُها يَوْمَ عَرَفَةَ، فيَصُومُهُ للحاجَة، ويُقَدِّمُ الإحرامَ بالحَجِّ على يوم التَّرْوِيَةِ، فيكونُ اليَوْمُ السَّابِعُ من الحِجَّةِ مُحْرِمًا وهو أولُها، وله تقديمُهَا على إحرامِهِ بالحَجِّ بعد إحرامِهِ بالعُمْرَةِ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ. ولا يَصِحُّ صَومُها بعد إحرامِهِ بالحَجِّ قَبْلَ فراغِهِ، ولا في أيامِ منى لبقاءِ أعمالٍ مِنَ الحَجِّ، ولا بعدها قَبْلَ طوافِ الزّيَارَةِ، وبعدَهُ يَصِحُّ.
والاختيارُ إذا رَجَعَ إلى أهله، فإن لم يَصُمِ الثَّلاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أيامَ مِنًى ولا دَمَ عليه، فإن لم يَصُمْهَا فيها ولو لِعُذْرٍ صَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عشرةً وعليه دَمٌ، وكذا إن أَخَّرَ الهَدْي عن أيامِ النَّحْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
ولا يَجِبُ تَفْرِيقٌ ولا تتَابُعٌ في الثَّلاثَةِ ولا السَّبْعَةِ، ولا بَيْنَ الثَّلاثَةِ والسَّبْعَة إذا قَضَى.
ولا يَلْزَمُ من قَدَرَ على هَدْيٍ بَعْدَ وجوبِ الصَّوْمِ الانتقالُ، شَرَعَ فيه أوْ لا وله ذلك.
ومن لَزِمَهُ صَوْمُ المتعَةِ فَمَاتَ قبل أن يَأْتِيَ بِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أُطْعِمَ عنه لِكُل يَوْمٍ مسكينٌ وإلَّا فلا.
[ ٢٥٦ ]
الثَّاني: المُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ هَدْيٌ يَنْحَرُهِ بِنِيَّةِ التَّحَللِ مَكَانَهُ، فإن لم يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بالنِّيَّةِ ولا إطعامَ فيه.
الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الوَطْءِ، فيجِبُ بِهِ في حَجٍّ قَبْلَ التَّحَللِ الأَولِ بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْهَا، صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ: ثلاثةً في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ، وفي عمرةٍ شاةٌ، والمرأةُ كالرَّجُلِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّماءُ الواجِبَةُ لِفَواتِ الحَجِّ، أو لِتَرْكِ واجِبٍ، أو مُباشَرَةٍ في غَيْرِ الفَرْج، فما أَوْجَبَ بَدَنَةً كَمَا لو بَاشَرَ دُون فَرْجٍ، أو كَرَّرَ النَّظَرَ، أو قَبَّلَ أو لَمَسَ لِشَهْوِةٍ فَأَنْزَلَ، أو استمنَى فَأَمْنى فحُكْمُها كبدنةِ وطءٍ.
وما أَوْجَبَ شاةً كما لو أَمْذَى بِذَلِكَ أو باشَرَ ولم يُنْزِلْ أو أَمنى بنظرةٍ، فكَفديةِ لُبْس ونحوه، وخطأٌ في الكُلِّ كَعَمْدٍ، وأُنثى مع شَهوةٍ كَرَجُلٍ.
وما وَجَبَ لِفَواتٍ أو تَرْكِ واجبٍ فَكَدَمِ مُتعَةٍ، ولا شيءَ على من فَكَّرَ فَأَنْزَلَ.
تَنْبِيهٌ: وَمَن كَرَّرَ مَحْظورًا من جِنْسٍ غيرِ قَتْلِ صَيْدٍ بأن حَلَقَ، أو قَلَّمَ، أو لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو وَطِئَ، وأعادَهُ قبل التكفيرِ عن الأَولِ فَكَفَّارةٌ واحدةٌ، وإلَّا لَزِمَهُ أُخرى.
وإن كان من أجناسٍ فَلِكُلِّ جِنْسٍ فديةٌ، ويتعدَّدُ جزاءُ الصَّيدِ بتعَدُّدِهِ.
[ ٢٥٧ ]
فَائِدَةٌ: وإن حَلَقَ أو قَلَّمَ أو وَطِئَ أو قَتَلَ صَيْدًا، عَامِدًا أو نَاسِيًا أو مُخطئًا أو مُكْرَهًا ولو نائمًا، قَلَعَ شَعْرَهُ أو صَؤَبَ رَأْسَهُ إلى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَه فعليه الكَفَّارَةُ.
وإن لَبِسَ أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه، نَاسِيًا أو جَاهِلًا أو مُكْرَهًا، فلا كَفَّارَةَ، ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ الثِّياب في الحَالِ، ويُقَدِّمُ غسلَهُ على الطَّهارَةِ لِعَدَمِ الماءِ لهما، فإن لم يَجِد ماءً مَسَحَهُ أوحَكَّهُ بِتُرابٍ ونحوِه حَسَبَ الإمكانِ، وله غسلُهُ بيدِهِ وبمائِعٍ، فإن أخَّرَهُ بلا عُذْرٍ فَدَى.
تَتِمَّةٌ: ومَن رفَضَ إحرامَهُ لم يَفْسُدْ، ولم يَلْزَمْهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ، بل يلزَمهُ الفِدَاءُ لِكُلِّ محظورٍ يَفْعَلُهُ بعدَهُ، ومن تَطيَّبَ قبل إحرامِهِ في بَدَنِهِ فَلَهُ استدامتُهُ فيه لا لُبْسُ مُطَيَّبٍ بعدَهُ، فإن فَعَلَ أو استدامَ لُبْسَ مخيطٍ أَحْرَمَ فيه ولَوْ لَحْظَةً فدَى، وإن لَبِسَ أو افترشَ ولو تَحْتَ حَائِلٍ لا يمنَعُ ريحَهُ أو مباشرتَهُ ما انقطَعَ ريحُ الطيبِ مِنْهُ ولكن يفوحُ بِرَشِّ الماءِ فَدَى.