وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَدَةٌ حَتَّى سَفرًا إذا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ وَاحْتُبِسَ المَطَرُ، لا عن أرضٍ غير مسكونةٍ ولا مسلوكَةٍ أو غارَ ماءُ عُيونٍ أو أنهارٍ. وَوَقْتُها وصِفتُها في مَوْضِعِها وَأَحْكامها كَصلاة عِيدٍ لكن لا تتقَيَّدُ بزوالِ الشَّمْسِ.
وإذا أرادَ إمامٌ الخُروجَ إليها، وَعظَ النَّاس، وأَمَرَهُمْ بالتَّوْبَة والخُروجِ من المظَالِمِ، وَتَرْكِ التَّشاحُنِ، وَأَمَرَهم بِالصَّدَقَةِ والصَّومِ، ولا يَلْزَمان بأمرِهِ، ويعِدُهُمْ يَومًا يخرجون فيه، ويتنظفُ لها ولا يَتطيَّبُ. ويَخْرُجُ مُتَواضعًا مُتَخَشِعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا ومعَهُ أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ والشُّيوخِ.
ويُسَنُّ خُرُوجُ صَبيٍّ مُمَيّزٍ، ويُبَاحُ خروجُ طِفْلٍ وعجوز وبهيمة، والتَّوَسُّلُ بالصَّالِحِين (١)، ولا تُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَةِ وتنفردُ عَنَّا لا بيومٍ (٢)، ويُكْرَهُ إخراجُنا لَهم، فيُصَلِّي ثُمَّ يَخْطُبُ واحدةً يفتتحُها بالتكبير كخُطْبةِ
_________________
(١) يعني التَّوسُّلَ بِدُعاءِ الصَّالحين، فقد استسقى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء العباس عم النَّبي -ﷺ- كما ثبت ذلك في "الصحيح".
(٢) أي أن أهل الذِّمَّة ينفردون بيوم يخصهم عن المسلمين.
[ ١٦٦ ]
العِيدِ، ويُكْثِرُ فيها الاستغفارَ، وقراءَة الآياتِ التي فيها الأَمْرُ بِهِ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ وظُهورُهُما نحو السَّماء فيدعُو بِدُعاءِ النَّبيِّ ﷺ وهو: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا، عَامًّا طَبَقًا، دَائِمًا" (١)، "اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ ولا تَجْعَلْنَا من القَانِطِينَ" (٢)، "اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لا سُقْيَا عَذابٍ، ولا بَلاءٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَقٍ" (٣). "اللَّهُمَّ إن بالعِبَادِ والبِلادِ من الَّلأْواءِ، والجَهْدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوهُ إلَّا إلَيْكَ. اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، واسْقِنَا من بَرَكَاتِ السَمَّاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا من بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَع عَنَّا الجَهْدَ، والجُوعَ، وَالعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا من البَلاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غيْرُكَ. اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا" (٤).
_________________
(١) أخرجه بنحوه أبو داود (١١٦٩)، والطبراني في "الدعاء" (٢١٩٧) من حديث جابر بن عبد الله، وصححه النووي في "الأذكار" ص ٢٩٥.
(٢) هو من حديث ابن عمر الآتي الكلام عليه بعد قليل.
(٣) أخرجه الشافعي في "مسنده" (١/ ١٧٣ - ترتيب السندي)، والبيهقي في "السنن (٣/ ٣٥٦) من حديث المُطَّلِب بن حَنْطب وقال البيهقي بعده: "هذا مرسل" وذلك لأن المطلب هذا تابعي، وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق كثير التدليس والإرسال". كما أن شيخ الشافعي وهو إبراهيم بن محمد الأسلمي متروك.
(٤) قال الحافظ سراج الدِّين ابن الملقن في "البدر المنير في تخريج الرافعي الكبير" (٨٧/ ٥/ نسخة المحمودية): "هذا الحديث ذكره الشافعي في الأم (١/ ٤١٧) والمختصر (مختصر المزني المطبوع بآخر الأم ٩/ ٤٠) ولم يوصل إسناده بل قال: وروي عن سالم عن أبيه (أي ابن عمر) مرفوعًا" ثُمَّ ساقه باللفظ المذكور =
[ ١٦٧ ]
وَيُكْثِرُ من الدُّعَاءِ، وَمِنَ الصَّلاة عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ويُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْنَاءِ الخُطْبَةِ فَيَقُولُ سِرًّا:
اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتنا بِدُعائِكَ، ووعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتنا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنا.
ثُمَّ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فيجعلُ مَا عَلَى الأَيْمَنِ عَلَى الأَيْسَرِ، وما على الأَيْسَرِ على الأَيْمَنِ، ويفعلُ النَّاس كَذَلِكَ ويتركُونَهُ حَتَّى ينزعُوهُ مع ثِيَابِهِمْ، فَإنْ سُقُوا، وإلَّا عَادوا ثَانيًا وثَالثًا، وإن سُقُوا قبلَ خُرُوجهم، فإن تَأَهَبُّوا خَرجوا وصلَّوها شُكْرًا للَّهِ تعالى، وإلَّا لم يَخْرُجُوا، وشكروا الله تعالى، وسأَلُوهُ المزيد من فَضْلِهِ.
وَيُسَنُّ الوقُوفُ في أَوَّلِ المَطَرِ والوضُوء والغُسْلُ منه، وإخراجُ رَحلهِ وثيابِهِ ليُصيبَها، ويقول: "اللَّهُمَّ صيِّبًا نافِعًا" (١)، وإن كَثُرَ حَتَّى خِيفَ مِنْهُ يُسَنُّ قَوْلُ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولا علَيْنا، اللَّهُمَّ على الظِّرابِ والآكَامِ وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، ومَنَابِت الشَّجَرِ" (٢).
وَيُسَنُّ الدُّعاءُ عِنْدَ نزولِ الغَيْث وقول: "مُطِرنَا بِفَضلِ الله
_________________
(١) = ثمَّ أشار ابن الملقن إلى أن البيهقي ذكره في "معرفة السنن والاثار" (٣/ ١٠٠) ولم يسق له إسنادًا.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٥١٨) من حديث عائشة.
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٥٠٧، ٥٠٨)، ومسلم (٢/ ٦١٢، ٦١٣) من حديث أنس.
[ ١٦٨ ]
وَرَحْمَتِهِ" (١). وَيَحْرُمُ: بِنَوْءِ كذا، وإِضَافةُ المَطَرِ إلى النَّوْءِ اعْتِقادًا كُفْرٌ إجماعًا! ولا يُكْرَهُ في نَوْءِ كذا.
تَتِمَّةٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى سَحَابًا أو هَبَّتِ الرِّيح أن يَسْأَلَ الله خيرَهُ وَيَتَعَّوذَ من شَرِهِ، ولا يَسُبُّ الرِّيحَ إذا عصفت بل يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ من شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وَشَرِّ ما أُرْسِلَت بِهِ" (٢)، "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً، ولا تَجْعَلْها عَذابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا" (٣).
وَيَقُولُ إذا سَمعَ صَوْتَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بعَذابِكَ وعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك" (٤)، "سُبْحَانَ من يُسَبِّحُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٢٢)، ومسلم (١/ ٨٣) من حديث زيد بن خالد.
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٣٠٠)، ومسلم (٢/ ٦١٦) من حديث عائشة.
(٣) أخرجه الشافعي في "مسنده" (١/ ١٧٥)، ومن طريقه البيهقي في "معرفة السنن" (٣/ ١٠٧) من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف جدًّا فيه شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي متروك الحديث، والعلاء بن راشد قال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (٢/ ٩١): "وعنه إبراهيم بن أبي يحيى، لا تقوم بإسناده حجة، قاله الحُسيني".
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ١٠٠، ١٠١)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٢١)، والترمذي (٣٤٥٠)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٢٨)، من حديث ابن عمر، وإسناده ضعيف؛ فيه أبو مطر مجهول، وقد ضعف الحديث النووي في "الأذكار" ص ٣٠١.
[ ١٦٩ ]
الرَّعْدُ بِحَمْد والملائِكَةُ من خِيفَتِهِ" (١).
ويقولُ إذا انْقَضَّ الكَوْكَبُ: "ما شاءَ الله لا قوة إلَّا بالله" (٢)، وإذا سَمعَ نَهِيقَ حِمَارٍ، أو نِبَاحَ كَلْبٍ اسْتَعاذَ بِالله من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وإذا سَمعَ صيَاحَ الدِّيَكَةِ سَأَلَ الله من فَضْلِهِ (٣).
وَأما قَوْسُ قُزَح فهو أمانٌ لأَهْلِ الأَرْضِ من الغَرَقِ، وزعمُ بعضِ النَّاس أنَّهُ إن غَلَبَتْ حُمْرَتُه كانتَ الفِتَنُ والدِّماءُ، وإن غَلَبت خُضْرتُهُ كان رخاءٌ وسرورٌ هذيانٌ.
* * *
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٩٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٢٣)، وهو موقوف على عبد الله بن الزبير ﵁. وصححه النووي في "الأذكار" ص ٣٠١.
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" (٧/ ٣٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: أمرنا أن نقول عند ذلك ، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٣٨): "فيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك".
(٣) أخرج البخاري (٦/ ٣٥٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٩٢) من حديث أبي هريرة أن النَّبي -ﷺ-: "إذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَة، فاسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّها رَأَتْ مَلَكًا، وإذا سَمِعْتُمْ نهيق الحِمَارِ، فَتَعَوَّذوا بالله مِنَ الشيطان؛ فإنّما رأت شَيْطانًا". وأخرج أحمد (٣/ ٣٠٦، ٣٥٥)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٣٣، ١٢٣٥)، وأبو داود (٥١٠٣)، وابن السني (٣٠٧) بإسناد صحيح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سَمِعْتُمْ نباحَ الكِلابِ وَنَهِيق الحُمُرِ بالليل فَتعوذوا بالله فإنَّهُنَّ يَرَيْنَ ما لا تَرَوْنَ".
[ ١٧٠ ]