هِيَ آكَدُ تطوعاتِ البَدَنِ بَعْدَ جهادٍ فتوابِعِهِ، فَعِلْمٌ - تَعلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ - من حَدِيثٍ وفِقْهٍ ونحوِهِمَا.
ثُمَّ بعدها ما تَعَدَّى نَفْعُهُ؛ من عِيَادَةِ مَريضٍ، وقَضاءِ حَاجةِ مُسْلِمٍ، وإصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، ونحْوِهِ، وهو مُتَفاوتٌ، فَصَدَقَةٌ على قَريبٍ مُحْتاجٍ أفْضَلُ من عِتْقٍ، وعِتْق أفْضَلُ منها على أَجْنَبيٍّ إلَّا زَمَنَ غَلاءٍ وحاجَةٍ.
ثُمَّ حَجٌّ، ثُمَّ عِتْقٌ، ثُمَّ صَوْمٌ.
وأفضلُهَا ما يُسَنُّ جماعةً، وآكدُها كسُوفٌ فاستسقاءٌ فتراويحٌ فَوِتْرٌ. ولا يجب إلَّا على النَّبِيّ ﷺ.
وَأَفْضَلُ الرَّاتِبَةِ سُنَّةُ فَجْرٍ، ثُمَّ سُنَّةُ مَغْرِبٍ، ثُمَّ سَواءٌ.
ووقتُ الوِتْرِ ما بَيْنَ صلاة العِشَاءِ وطلوعِ الفَجْرِ، وَفِعْلُهُ آخِرَ الليلِ أَفْضَلُ إن وَثِقَ من قيامِهِ فيه.
[ ١١٣ ]
وأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وأَكْثرُهُ إحدى عَشْرَةَ، يُسَلِّمُ من كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ويُؤتِرُ بِرَكْعَةٍ عَقبَ الشَّفْعِ بلا تَأْخِيرٍ نَدْبًا.
وإن صَلَّاها بِسَلامٍ أو سَرَدَ عشرًا وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَامَ فأتَى بِرَكْعَة جَازَ، وكذا ما دونَها.
وإن أَوْتَرَ بِتِسْع، سَرَدَ ثمانيًا نص عليه، وَتَشَهَّدَ ثُمَّ [أتى] (١) بالتَّاسِعَة، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّم. وإن أوْتَرَ بِسَبْعٍ أوْ خَمْسٍ، فالأَفْضَلُ سَرْدُهُنَّ.
وأَدنى الكَمَالِ ثلاثٌ بِسَلامَيْنِ، ويجوزُ بِسَلامٍ واحدٍ كالمغربِ، وسردًا.
وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمامِ ركعةً فإن كان سَلَّمَ من ثنتين أَجْزَأَ وإلَّا قَضَى.
وَيَقْرَا في الأُولى: ﴿سَبَّحَ﴾، وفي الثانية ﴿الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
ويَقْنُت فيه جَميع السَّنَةِ بعد الرُّكوع. فَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَنَتَ قبلَه، جَازَ. فَيَرْفَعُ فيه يَدَيْهِ إلى صَدْرِهِ، وَيَبْسُطُهُمَا وبُطُونُهما نحوَ السَّماء، فيقولُ جَهرًا: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، ونتوبُ إلَيْكَ، ونُؤْمِنُ بِكَ، وَنتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْني عَلَيْكَ الخَيْرَ كُلَّهُ،
_________________
(١) ما بين المعكوفين من (ب).
[ ١١٤ ]
نَشْكُرُكَ ولا نكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفارِ مُلْحِقٌ (١) ". "اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنَا فيمَنْ عافَيْتَ، وَتَولَّنَا فيمَن توَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لنا فيما أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ ما قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ، ولا يَعِزُّ من عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" (٢).
"اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وبِعَفْوِكَ من عُقُوبَتِكَ، وبِكَ مِنْكَ، لا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" (٣).
ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبي ﷺ، ولا بأْسَ وعلى آلِه.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٣/ ١١١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢١٠) عن عمر بن الخطاب وهو المشهور بقنوت عمر وإسناده صحيح، وصححه الحافظ في "نتائج الأفكار" (٢/ ١٥٠).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٩٩)، وأبو داود (١٤٢٥)، وابن ماجه (١١٧٨)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، ولفظة: "ولا يَعِزُّ من عاديت" أخرجها الطبراني في (الدعاء" (٧٣٧ - ٧٤٠)، وقال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٢/ ١٣٩): "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٢٧) وابن ماجه (١١٧٩)، والترمذي (٣٥٦٦)، والنسائي (٣/ ٢٤٨) من حديث علي بن أبي طالب، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في وتره ثم ذكره، وإسناده صحيح، وأخرجه مسلم (١/ ٣٥٢) من حديث عائشة أن النَّبي - ﷺ - كان يقول ذلك في سجوده في قيام الليل.
[ ١١٥ ]
ويُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، ويُفْرِدُ مُنْفَرِد الضَّمِيرَ، ثُمَّ يمسح وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنا وإذا دعا خَارِج الصَّلاةِ، ويَرْفَعُ يَديهِ إذا أرادَ السُّجُودَ.
ويُسَنُّ قولُهُ إذا سَلَّمَ: "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" ثلاثًا. يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ في الثَّالِثَّةِ، وأن يَتَكَلَّم بَيْنَ الشَّفْعِ والوترِ.
وكُرِهَ قُنوتٌ في غَيْرِهِ إلَّا أن ينزِلَ بالمُسْلِمينَ نازِلَةٌ غيرُ الطَّاعُونِ، فَيُسَنُّ لإِمامِ الوَقْتِ خَاصَّةً في غير الجُمُعَةِ.
وإن قَنَت كُلُّ مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صَلاتُهُ.
تنبيهٌ: ومن ائتم بمَن يقنت في فَجْرٍ أو نازلةٍ تابَعَهُ إن سَمِعَ وإلَّا دعا.
والرَّواتِبُ المُؤكَّدَةُ عَشْرُ رَكَعاتٍ ورَكْعَة الوِتْرِ، فَيُتَأَكدُ فِعْلُهُنَّ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُنَّ. ولا تُقْبَلُ شَهادةُ من دَاوَمَ عَلَى تركِهِنَّ؛ لِسُقُوطِ عدالتِهِ، لكن يُخَيّرُ في سَفرٍ بين فِعْلِها وتركِها، إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ ووتْر فيُفعَلانِ فيهِ.
وهِيَ رَكْعَتانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتان بعدها، وَرَكْعَتان بعد المَغْرِب، يقرأ في أولاهُما بعدَ الفَاتحةِ: (الكافرون) وفي الثانية: (الإِخلاص)، وركعتانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وركعتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، ويُسَنُّ تَخْفِيفُهُما، والقِراءَةُ فيهما كسُنَّةِ المَغْرِب، والاضْطِجَاعُ بعدَهما على جنبه الأَيْمَنِ.
[ ١١٦ ]
وَيُسَنُّ قَضَاءُ الكُلِّ، ووترٍ مع شفِعِه إلَّا ما فَاتَ مع فرضِهِ وَكَثُرَ فالأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ، ويخيّرُ في الوِتْرِ.
ووقتُ كُلِّ راتِبَةٍ قَبْلَ الفَرْضِ من دُحْولِ وَقْتِهِ إلى فِعْلِهِ، وما بعدُهُ من فِعْلِهِ إلى آخِر وَقْتِهِ.
والسُّنَنُ التَّابِعَةُ للفَرائِضِ - غَيْرُ الرَّوَاتِبِ - عِشْرونَ:
أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَها، وأربعٌ قَبْلَ العَصْر، وأَرْبَعٌ بَعْدَ المَغْرِبْ، وقال المُوفّقُ (١): سِتٌّ. وأَرْبَعٌ بَعْدَ العِشَاءِ.
ويُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ ثِنْتَانِ بعدَ الوِتْرِ جَالِسًا، وثنتَان بعد أذانِ المَغْرِبِ، وفِعْلُ الكُلِّ بِبَيْتٍ أَفْضلُ.
ويُسَنُّ الفَصْلُ بَيْنَ الفرضِ وسُنَّتِهِ بكلامٍ أو قيامٍ.
ولا رَاتِبَةَ للجُمُعَةِ قَبْلَها، وَأَقلُّها بعدَهَا ركعتانِ وأكثرها سِتٌّ، وفِعْلُهَا في المسجدِ مكانَهُ أَفْضَلُ.
ويُسَنُّ قَبْلَهَا أَرْبَعٌ.
والتَّرَاوِيحُ عِشْرونَ ركعةً بِرمضان، ولا بَأْسَ بالزِّيَادَةِ، وَفِعْلُها جماعةً وفي المَسْجِدِ أوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ.
ويُسَلِّمُ من كُلِّ ثِنْتَيْنِ بنيةٍ أَوَّلَ كُلِّ ركعتين، وَيَسْتَريحُ بَعدَ كُلِّ أَرْبَع بلا دُعاءِ.
_________________
(١) أي: الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى.
[ ١١٧ ]
ووقتُها بين سُنَّةِ عِشاء ووترٍ، ويوتِرُ بعدها في الجَمَاعَةِ بثلاثِ رَكعاتٍ، فإن كان لَه تَهَجُّدٌ جَعَلَهُ بَعْدَه نَدْبًا، فإن أَحَبَّ متابعةَ الإِمامِ، قَامَ إذا سَلَّم فَشَفَعَها بِأُخْرَى.
وَمَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ الصَّلاة بَعْدَهُ، لم يَنقُضهُ، وصَلَّى شَفْعًا ما شاء، ولم يُوْتِرْ.
وَيُكْرَهُ النفْلُ بينَ التَّراويح، لا الطَّواف، ولا التَّعْقِيبُ، وهو النَّفْلُ بَعْدَها وبعد الوِتْر جَمَاعَةً.
والسُّنَّةُ أنْ يقرَأَ في التَّراويحِ خَتْمَةً، ولا يزيدَ إلَّا أن يُؤثرَ جماعةٌ محصورون يبتدئُهَا أولَ ليلةٍ بسورةِ القَلَمِ بعد الفَاتِحَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِية قَرَأَ من البَقَرة.
وَيَخْتِمُ آخِرَ لَيْلَة في آخِرَ رَكْعةٍ من التَّراوِيح، ويَدعو بِدُعاءِ القُرآنِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ويُطِيلُ ويَعِظُ بَعْدَها.